١.١ التعرف على زهير، ومذهبه في الشعر، ورأي النقاد فيه
التعريف بزهير بن أبي سلمى
الشاعر هو: زهير بن أبي سلمى، أبوه ربيعة بن رياح المزني، وكان زهير يقيم هو وأبوه وولده في بني عبد الله بن غطفان، في منطقة نجد؛ إذ تزوج أبوه امرأة من بني فهر مرة من ذبيان بن غطفان، ولدت له زهير، وأوس. وتزوج زهير امرأة من سحيم بن مرة، ولذلك كان يذكر في شعره بني مرة وغطفان ويمدحهم. وقد انقطع زهير بن أبي سلمى لهرم ابن سنان المري، وأكثر من مدحه، كما أكثر من مدح الحارث بن عوف. وزهير أحد شعراء المعلقات، وهو من الشعراء المشهورين في العصر الجاهلي، وهو واحد من أفضل شعراء العربية على مر العصور. عده ابن سلام في كتابه (طبقات الشعراء) في الطبقة الأولى مع امرئ القيس، والنابغة، والأعشى، وكان علماء البصرة يقدِّمون امرئ القيس، وأهل الكوفة يقدِّمون الأعشى، وأهل الحجاز والبادية يقدمون زهيرًا والنابغة.
وعرف عن زهير بن أبي سلمى أنه كان كثير النظر في شعره، يعاود النظر في قصيدته، ويهذبها، ولا يخرجها إلا إذا استقين من جودتها؛ ولهذا أضيفت إليه ما يسمى في تاريخ الشعر العربي بالحوليات، وهي: القصائد التي كان يمضي حولًا أي: سنة في إنشائها، وتهذيبها. وكان زهير يروي الشعر عن أوس بن حجر، ثم روى الشعر عن زهير ولداه: كعب، وبجير.
١.١ التعرف على زهير، ومذهبه في الشعر، ورأي النقاد فيه
وروى عن هذين شعراء آخرون، وقد مضى هؤلاء الشعراء جميعًا على مذهب عُرف في تاريخ الشعر العربي بمذهب الصنعة. وهؤلاء الشعراء كانوا يديمون النظر في شعرهم، إلى جانب ما كانوا عليه من الموهبة العظيمة، والقدرة البيانية الفائقة. والذين ذهبوا هذا المذهب لُقِّبوا: بعبيد الشعر؛ لأنهم كانوا ينقحون شعرهم، ولا يذهبون فيه مذهب المطبوعين الذين يقولون بديهة وارتجالًا.
كان يمتاز على غيره من شعراء عصره: بأنه لا يتبع وحشي الكلام، ولا يعقِّد منطقه، ولا يمدح الرجل إلا بما يكون فيه. ولم يتصل الشعر في ولد أحد من الفحول في الجاهلية كما اتصل في ولد زهير. كان أبو زهير شاعرًا، وكان خاله بشامة بن الغدير -أيضا- شاعرًا، وكانت أختاه سلمى والخنساء شاعرتين، وكان ابناه كعب وبجير شاعرين كذلك، وكان حفيده عقبة بن كعب شاعرًا أيضا، وابن حفيده العوام بن عقبة كان شاعرًا كذلك.
ويمتاز شعر زهير كذلك: بكثرة الحكم، وهناك موضوع يعد زهير بن أبي سلمى رائدًا فيه، هذا الموضوع هو: الدعوة إلى السلام، والتنفير من الحرب. وقد اصطنع زهير في شعره أسلوبًا خاصًّا به يجنح إلى التصوير؛ ولذلك اهتم به وبشعره النقادُ عبر العصور، واختار القائمون على وضع المناهج في المدارس، والمعاهد، والجامعات، معلَّقَة زهير، وقصائد أخرى من شعره؛ لتكون من النماذج التي تربى عليها أذواق الناشئة، وطلاب العلم.
١.١ التعرف على زهير، ومذهبه في الشعر، ورأي النقاد فيه
يقول الدكتور شوقي ضيف عن زهير بن أبي سلمى: "كان شاعرًا من طراز ممتاز، شاعرًا له نظراته في الحياة والأخلاق، وهو إلى ذلك شاعر مصور، يحسن أدوات صناعته من جميع وجوهها، فقد تمرس بنماذج أوس، وغيره من فحول الجاهلية، ولم يكد ينظم شعره حتى ذاع اسمه في القبائل، فالتمسه بعض الشبان يتعلمون عليه هذه الصناعة الدقيقة التي يحسنها إلى أبعد حد".
ويقول أيضا: "نحن إذا بإزاء شاعر ممتاز؛ خبر صناعة الشعر الجاهلي، وعرف أساليبها، واستطاع أن يؤدي أجمل صورة لها، في لفظه، وقوالبه، وصيغه، وقد لاحظ القدماء ذلك، وعبروا عنه عبارات مختلفة، فقالوا: إنه كان يصنع قصائده الطويلة في حول كامل، وأنه صنع سبع حوليات.
وينسب الجاحظ هذا القول إلى زهير نفسه، فيقول: كان زهير بن أبي سلمى يسمي كبار قصائده الحوليات، ولذلك قال الحطيئة، وهو أحد الشعراء الذين تتلمذوا على شعر زهير ورووه، يقول الحطيئة مشيدًا بمذهبه، ومذهب أستاذه: زهير خير الشعر الحولي المحكك، أي: أفضل الشعر هو الذي ينظر فيه أصحابه مدة طويلة قد تصل إلى الحول، يهذبون فيه ويصلحون. وقال الأصمعي: زهير بن أبي سلمى، والحطيئة، وأشباههما عبيد الشعر. وكذلك كل من جود في شعره، ووقف عند كل بيت قاله، وأعاده فيه النظر؛ حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة، وقال الجاحظ: من شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنه حولًا كريتًا، أي: كاملًا، وزمنًا طويلًا يردد فيها نظره، ويجيل فيها عقله، ويقلب فيها رأيه؛ اتهامًا لعقله، وتتبعًا على نفسه، فيجعل عقله زمامًا على رأيه، ورأيه عيارًا على شعره؛ إشفاقًا على أدبه، وإحرازًا لما خوله الله من نعمة.
١.١ التعرف على زهير، ومذهبه في الشعر، ورأي النقاد فيه
وكانوا يسمون تلك القصائد: الحوليات، والمقلدات، والمنقحات، والمحكمات؛ ليصير قائلها فحلًا خنذيذًا، أي: تامًّا، وشاعرًا مفلقًا، أي: شاعرًا كبيرًا".
مذهبه في الشعر، ورأي النقاد فيه
نحن إذًا أمام شاعر عرف بمذهب خاص له في الشعر، بل عرف بأنه من رؤوس مدرسةٍ صار على نهجها شعراء أتوا بعده في العصر الإسلامي، والعصر الأموي. وقد أعجب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بزهير، وشعره. وروي عنه -رضي الله عنه- أنه كان يقول: زهير شاعر الشعراء؛ لأنه كان لا يعاضل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعر، ولم يمدح أحدًا إلا بما فيه. وهذه الفضيلة، فضيلة الصدق لا تتاح لكثير من الشعراء، وحسب زهير بن أبي سلمى هذه الشهادة العظيمة من سيدنا عمر -رضي الله عنه-. والمعاضلة بين الكلام معناها: المداخلة فيه، بحيث لا يكون هذا الكلام مستويًا ميسور الفهم، وإنما يكون معقدًا. فصياغة الشعر عند زهير بن أبي سلمى إذًا تستوفي سمات الشعر الرائع، من جهة المضمون، ومن جهة الشكل. فمعانيه من المعاني الشريفة، وأغراضه التي قال فيها الشعر هي الأغراض التي قال فيها غيره، فقد قال في الغزل، وقال في المدح، وفي الوصف، وفي الفخر، لكنه عرف بصدق اللهجة، وبراعة التصوير، وكما قلت: كان له اهتمام خاص بالدعوة إلى السلام، ونبذ الحرب. وقد صوَّر في معلقته الحرب في أبشع صورة؛ لينفر منها قومه الذين كان يقتتلون لأتفه الأسباب. كما عرف زهير بن أبي سلمى بكثرة الحكم في شعره.