٣.١٩ الاتجاهات النقدية عند أرسطو في كتابه (الخطابة)


الخطابة فن تعبيري أداته اللسان والقدرة على الارتجال، ومع هذا فإن كثيرًا منها في اليونان كان يكتب ثم يلقى؛ ولذا فهي عندهم تمثل في عبارتها وأسلوبها فنون النثر الأدبي.
ولقد تحدث أرسطو في أول كتابه عنها وعن علاقتها بالجدل، فكلٌّ منهما يخاطب الغير ويحاول إقناعه.
وإذا كان سقراط وتلميذه أفلاطون حملا على الخطابة والخطباء, فإن أرسطو أشاد بهما ورأى فوائد للخطابة، منها: أنها تُحِق الحق وتُقِر العدل، وأيسر للناس إلى الإقناع أكثر من وسيلة العلم؛ ولهذا دافع عن الخطباء وأنصفهم من الفلاسفة والشعراء الذين شوّهوا فنهم، وأثار الجماهير عليهم.
وقد عرّف أرسطو الخطابة بأنها القدرة على النظر في كل ما يوصل إلى الإقناع في أية مسألة من المسائل، وعناصرها: الخطيب والموضوع والسامع، وليس لها قواعد -في نظره- تطبق على نوع معين من موضوعاتها.
وتتنوع إلى: استشارية تتسم بالنصيحة أو التحذير، وهدفها العمل للمستقبل، وقضائية تتوجه إما إلى الاتهام وإما إلى الدفاع، وتتحدث عن ظلم وقع في الماضي، واستدلالية تتسم بالمدح والذم، فتكرم أو تحقّر عملا حاضرا. ومع هذا التقسيم القائم على الزمن, فإن الأزمنة تتداخل في كل نوع منها.

٣.١٩ الاتجاهات النقدية عند أرسطو في كتابه (الخطابة)


كما تناول الأدلة التي يبني عليها الخطيب خطابته، وبقدر توفيقه فيها يكون نجاحه، فقسّمها من حيث فنيّتها إلى نوعين: غير فنية, (مثل: اليمين، والاعتراف، ونصوص القوانين) يفيد منها الأديب في النصح والتحذير، والاتهام والدفاع، وأخرى فنية من عمل الخطيب (مثل: أخلاق الخطيب التي يكون بها أهلًا لأن يصدق، ومدى انفعالات السامعين، ومحاولة إثبات الفكرة بالكلام المقنع).
ومنهج الخطابة يستند إلى أدلة، والدليل برهان، والبرهان قياس مضمر حذفت مقدمته الصغرى أو الكبرى أو نتيجته, فأرسطو متأثر في هذا بالمنطق؛ لأنه واضعه.
والخطابة تقوم على ركنين رئيسين: الغرض (الموضوع), والبرهان الذي يكون به النفي أو الإثبات، وأجزاؤها: الاستهلال والعرض والدليل والخاتمة.
وأسلوبها مفصّل لا يتناهى، فلا تنقضي فصوله قبل انقضاء المعنى الذي يتكلم فيه الخطيب، ومقطع أو دوريّ يكون فيه أول القول وآخره شيئا واحدا أو قريبا من الواحد، وقد فضّله أرسطو لخفته وسهولة فهمه، فله حد ونهاية، وقريب من الشعر لأن فيه وزنا.
كما تحدث عن تكوين الجمل وأجزاء الأسلوب داخل العبارة, فرأى الجمل خالية من التضاد، وأخرى مقسمة إلى أجزاء متضادة أو متقابلة، كما رأى أن فصاحة الألفاظ تتحقق من كونها قادرة على الإفهام، وعلى أن تحقق المراد من تعظيم المعنى أو تحقيره، وحسنة الوقع على الأسماع، كما رأى أن الأسلوب لا يتحسن إلا إذا أجاد الخطباء -وكذا الشعراء- معرفة اللغة اليونانية.

٣.١٩ الاتجاهات النقدية عند أرسطو في كتابه (الخطابة)


كما قسّم الألفاظ المستعملة في الشعر والخطابة من جهة دلالتها إلى عدد من الألفاظ، منها: الحقيقية، والمجازية (المغيرة), والغريبة، والدخيلة، ورأى أن أنسبها لفن الخطابة الألفاظ الحقيقية أو ما يعرف بالألفاظ المستوية، مؤكدا ضرورة مطابقة الأسلوب لمقتضى الحال.
وتحدث عن المجاز، وعدّ المبالغة منه، وخلط التشبيه بالاستعارة، ورأى أن كثرتهما تستحسن في الشعر لا في الخطابة؛ لاختصاصه بالتخييل.
كما تحدث عن موسيقى العبارة، ولم يرتضِ للأسلوب الخطابي أن يكون موزونًا؛ لأن هدفه الإقناع، ولا يقع الإقناع بالكلام الموزون كي لا يشعر السامعون بدخول الصنعة في القول، وتوسله إلى الإقناع بغير وسائله من الأدلة والبراهين. كما رأى أن الإقناع لا يتحقق أيضا بالكلام المرسل؛ ولذلك استحسن أن يكون بين أجزاء القول وقفات ونبرات حسنة لا يكون القول بها موزونا، وإنما تتحقق بهما موسيقى وجمال في العبارة تجذب آذان السامعين, وتعينهم على إدراك المعاني والاقتناع بها.

٣.١٩ الاتجاهات النقدية عند أرسطو في كتابه (الخطابة)



٣.١٩ الاتجاهات النقدية عند أرسطو في كتابه (الخطابة)