٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


طرق الشعراء كافة الأغراض القديمة مدحًا، هجاءً، رثاءً، فخرًا، غزلًا، زهدًا، ورعًا، تصوفًا، وما إلى ذلك.
المدح
ويبدو غرض المديح في مقدمة هذه الأغراض، وذاك لأن ملوك بني أيوب ورموز سلاطين المماليك كانوا فرسانًا شجعانًا يستحقون المدح، ومن ثم أيقظت وقائعهم الشعراء من ثُبات عميق، وظل الشعراء يتبارون في مدحهم، وفي الإشادة بانتصاراتهم.
عماد الدين زنكي: افتتح مدينة الرها عام ٥٣٩ هـ، وقضى على مُلك الصليبيين بها، وهي من أقدم الممالك النصرانية التي أُسست في بلاد الشام، من هنا يمجده الشعراء ويقول فيه ابن منير:
فتح أعاد على الإسلام بهجته
فافترَّ مبسمه واهتز عطفاه
أين الخلائف عن فتح أتيح له
مظلل أفق الدنيا جناحاه
ومضى ابن منير في هذه القصيدة يعلي بحق هذا الفتح حتى على فتح المعتصم لعمورية، ذلك الفتح الذي خلده أبو تمام ببائيته المشهورة:
السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ
في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ
بيضُ الصَّفائحِ لاَ سودُ الصَّحائفِ في
مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَبِ

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


نور الدين محمود: تولى من بعد عماد الدين زنكي، وكانت أيامه أعياد نصر على حملة الصليب، والذي ظل الشعراء من كل صوب وحدب يدبجون فيه مدائح رائعة؛ فقد استرجع عددًا كبيرًا من المدن التي كانت بأيدي الصليبيين، فيهنئه الحافظ ابن عساكر -رحمه الله تعالى- قائلًا:
لقد بلغت بحمد الله منزلة
علية تقصد العالي من القرب
وطهر المسجد الأقصى وحوزته
من النجاسات والإشراك والصلب
واستطاع نور الدين محمود أن يسترد كثيرًا من الحصون، فظلت تتهاوى في يديه حصنًا بعد حصن، وظل الشعراء يرددون مع كل هذه الانتصارات قصائدهم الرنانة، هذا هو العماد الأصبهاني الذي يقول في نور الدين محمود:
يا واحدًا في النصر غير مشارك
أقسمت ما لك في البسيطة ثانٍ
قمت وقعت لك في الفرنج حديثها
قد صار في الآفاق والبلدان
وجعلت في أعناقهم أغلالهم
وسحبتهم هونًا على الأذقان
محمود صلاح الدين الأيوبي: وجاء من بعد نور الدين محمود صلاح الدين الأيوبي، ذلك البطل الباسل الذي طالت شهرته الآفاق، والذي مدحه الشعراء من كل فج وحدب، ابن الشحنة الموصلي يقول فيه مدحة طارت شهرتها في الخافقين فيها:

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


وإني امرؤ أحببتكم لمكارم سمعت
بها والأذن كالعين تعشق
وقالت لي الآمال إن كنت لاحقًا
بأبناء أيوب فأنت الموفق
ودار الزمن وبعد صلاح الدين جاء إخوته وجاء أبناؤه.
ابن عنين الدمشقي: وكان من شعراء المدح المشاهير في تلك الفترة ابن عنين الدمشقي الذي مدح الملك العادل برائية رائعة يقول فيها:
العادل الملك الذي أسماؤه
في كل ناحية تشرف منبرًا
نسخت خلائقه الكريمة ما أتى
في الكتب عن كسرى الملوك وقيصر
ملك إذا خفت حلوم ذوي النهى
في الروع زاد رزانة وتوقرًا
فأي شعر رائع هذا الذي ينطق به ابن عنين؟!!.
الصاحب الأنصاري: بعد أن ولى ملك الأيوبيين وجاء من بعدهم سلاطين المماليك مدحهم أيضًا الشعراء، ونوهوا بهم وبانتصاراتهم فها هو انتصار عين جالوت، الذي استطاع فيه الملك قطز أن يهزم التتار هزيمة ساحقة عام ثمانية وخمسين وستمائة، فقال فيه الصاحب الأنصاري:

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


بعين جالوت خضت بحر وغًى
يقال فلك بالأسد مشحونًا
وكنت للجيش غرة شدخت
أنفوهم فانثنوا مولينا
وجاء من بعد قطز الظاهر بيبرس الذي أبلى بلاءً حسنًا في تعقب بقايا الصليبيين، وبقايا التتار في بلاد الشام، وقد خاض الظاهر بيبرس معركة تعقب فيها من بقي من التتار في الموصل، وعلى شاطئ الفرات، وسمع بحشود لهم على الشاطئ الشرقي لنهر الفرات، فخاض إليهم لجج النهر؛ حتى انتصر عليهم ومزقهم شر ممزق، وفي هذه الغزوة يقول الموفق عبد الله الأنصاري الدمشقي:
الملك الظاهر سلطاننا
نفديه بالأموال والأهل
اقتحم الماء ليطفي به
حرارة القلب من المغل
وكان من بين شعراء المديح المشاهير في تلك الفترة البهاء زهير: والبهاء زهير شاعر مصري تغنى بأمجاد ملوك بني أيوب، ها هو ذا يمدح السلطان الكامل فيقول:
بك اهتز عطف الدين في حُلل النصر
ورُدت على أعقبها ملة الكفر
وما فرحت مصر بذلك وحدها
لقد فرحت بغداد أكثر مصر
فمن مبلغ هذا الهناء لمكة
يثرب ينهيه إلى صاحب القبر

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


إنه يريد أن يصل خبر ذلك النصر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في قبره.
وكذلك كان السلطان الأشرف شعبان أحد سلاطين المماليك له هيبة وعظمة، وكان الشعراء يأتونه من كل فجٍّ يمدحونه، يقول فيه شهاب الدين أحمد بنن العطاء:
للملك الأشرف المنصور سيدنا
مناقب بعضها يبدو بها العجب
لها خلائق بيض لا يغيرها
صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب
هذا غيض من فيض تلك المدائح التي انطلقت بها ألسنة الشعراء مادحة سلاطين بني أيوب، وسلاطين المماليك، وبخاصة إذا ما حققوا انتصارًا ساحقًا على أعداء الله من الصليبيين ومن التتار.

شعر الطبيعة
ذلك أن لُباب تلك الفترة التي نتحدث عنها إنما هو في مصر والشام، وقد عاش المصريون على ضفاف النيل في وديانه، وفي رياضه ينعمون بمياهه المتدفقة العذبة، وبما ينشئ من غروس، وزروع، وثمار، وأزهار، وهو يجري نافسًا لعابه من حوض إلى حوض، باثًّا الحياة والجمال في كل مكان؛ مما جعل بعض الرحالة يصفون مصر بأنها فردوس الدنيا، ولا عجب؛ فقد وصفها الله -عز وجل- بأنها ذات جنات وعيون وزروع...

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


...ومقام كريم. والشام كذلك لها طبيعتها الخلابة التي لا تخطئها العين، ومن ثم فإن الشعراء قد اتجهت أعينهم ونواظرهم على هذا الجمال الأخاذ، وظلوا يهتفون به، ويخلدون فيه ويصفون كل صغيرة وكبيرة من هذه المشاهد الطبيعية التي لا نظير لها.
من أوائل الشعراء الذين عُرفوا بوصف الطبيعية:
عرقلة الكلابي:
ظهر في تلك الفترة ذلكم الشاعر الذي يسمى بعرقلة الكلابي، وهو من شعراء الخريدة يصف الشام بقوله:
الشام شامة وجنة الدنيا
كما إنسان مقلتها الغضيضة جلق
من آسها لك جنة لا تنقضي
ومن الشقيق جهنم لا تحرق
فعلام تصحو والحمام كأنها
سكرى تغني تارة وتصفق
وتلوم في حب الديار جهالة
هيهات يسلوها فؤاد شيق
إنه يجعل الشام خالًا، ويجعل من دمشق إنسان مقلتها، إنسان العين الجزء الأسود في العين، فدمشق هي إنسان العين، وكل عين ترمق هذه المنطقة على استحياء؛ لجمال أزهارها، وكأنما تخدر بجمالها أحاسيس مشاهديها.

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


فتيان الشاغوري: ومن شعراء الطبيعة المشاهير في تلك الفترة فتيان الشاغوري الذي وصف قرية تعممت بالثلوج في شهر كانون الثاني -في شهر يناير-، والجو يكون فيه باردًا فقال الرجل:
قد أجمد الخمر كانون بكل قدح
وأخمد الجمر في الكانون حين قدح
يا جنة الزبداني أنت مسكرة
عن وجه حسن إذا وجه الزمان كلح
فالثلج قطن عليك السحب تندفه
والجو يحلجه والقوس قوس قذح
البهاء زهير: هكذا كان الشعراء يصفون مباهج الطبيعة التي تقع عليها أعينهم، من شعراء الطبيعة في مصر البهاء زهير الذي يقول في نهر النيل:
حبذا النيل والمراكب فيه
مصعدات بنا ومنحدرات
وليالي بالجزيرة والجيزة
فيما اشتهيت من لذات
بين روض حكى ظهور الطواويس
وجو حكى بطون البزات
حيث مجرى الخليج كالحية
الرقطاء بين الرياض والجنات
هات زدني من الحديث عن النيل
ودعني من دجلة والفرات

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


ولك أن تتأمل في هذه الصورة الرائعة التي كأنها ألوان الطواويس عندما يصف النيل وهو يجري بين الرياض بأنه حية تسعى، لكنها حيات لا تنفث السم، بل تنفث الحياة في الوديان والسهول الخضراء، والرياض الجميلة.
ابن مكانس: ومن شعراء الطبيعة في عصر سلاطين المماليك ابن مكانس الذي توفي في عام أربعة وتسعين وسبعمائة؛ إذ يصف شجرة سرو باسقة، ووصف معها القارب المطلي بالقار الذي ركبوه وهم يشقون عباب النهر، ويرون هذه المناظر المبهجة التي تُسمع الصم، وتنطق البكم يقول:
مالت على النهر إذ جاش الخرير
به كأنها أذن مالت لإصغاء
كأن صمغتها الحمراء بقشرتها الدكناء
قلص على أعكان سمراء
نسعى إليها على جرداء جارية
من آلة كهلال الأفق حدباء
سوداء تحكي على الماء المصندل
شامة على شفة كالشهد لعساء
والتصوير هنا رائع بديع؛ فشجرة السرو المائلة على النيل كأنها أذن مالت لتصغي إلى خريره، ثم يتخيلها بلونها الأحمر الداكن وهي منحنية على أمواج النيل كأنها قرص ملتصق بطيات بطن امرأة سمراء، ثم يقول: إن هذا القارب، قارب مقوس كأنه هلال، ثم يتخيلها على ماء النيل الداكن المعطر بأنها شامة مطبوعة على خدٍّ.

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


هكذا وصف الشعراء مباهج الطبيعة في كل أنحاء مصر، وفي كل أنحاء الشام.
شعر الزهد وشعر المدائح النبوية
وإذا كان شعر وصف الطبيعة قد يأخذ بأيدي الشعراء في بعض الأحيان إلى ألوان من المجون، وألوان من الخمور، فإننا نتجه إلى النقيض من هذا، إلى شعر الزهد وشعر المدائح النبوية التي وجدت رواجًا ما بعده رواج في عصر سلاطين المماليك، إن هناك نفرًا من الشعراء دعوا إلى القناعة، وإلى الزهد في الدنيا، وإلى الاكتفاء بالقليل، وإلى عدم التطلع والتعلق بالآمال العريضة التي قد تحمل حتف صاحبها، وإنما دعوا الناس إلى ألوان من التقوى ومن العمل الصالح.
الشريف العقيلي: كان في بداية حياته شاعرًا من شعراء الطبيعة، ومن شعراء الخمور، ولكنه كان يختم كل قافية من قوافي ديوانه المرتب على الحروف الهجائية بأبيات وعظية، وكأنما يريد أن يكفر بهذه الأبيات عما نظمه من مجون في نفس القافية، ومن قبله سبق عدد من الشعراء إلى إنشاء قصائد سموها بالمكفرات، يريدون أنهم يرجون تكفير ذنوبهم بهذا الشعر الزاهد الداعي إلى التقوى، بدلًا من شعرهم الذي انحرفوا فيه عن سواء السبيل.

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


يقول الشريف العقيلي على سبيل المثال في قافية الباء:
أيها التائه الذي
ضل عما يراد به
إن للعرض وقفة
أمرها غير مشتبه
فانتبه قبل أن ترى
مذنبًا غير منتبه
قد يكون الشريف العقلي ليس صادقًا في هذه المواعظ، وإنما يريد فقط أن يجعلها لونًا من ألوان التغطية على قبيح ما قدم من فعله من أشعار لا يستقيم شعره فيها على الصراط والآداب والأخلاق القويمة.
ابن سناء الملك: من شعراء الزهد في تلك الفترة ابن سناء الملك، وهو كان من المقربين إلى السلطان صلاح الدين، يقول ابن سناء الملك:
أقول داري وجيراني مغالطة
والقبر داري والأموات جيراني
في وحشة القبر والدود المقيم به
شغل لنفسي عن داري وبستاني
سأوسع القبر بالأعمال أصلحها جهدي
وألبس زهدي قبل أكفاني

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


إنها الحقيقة، الحقيقة أن داره التي سيبقى فيها مدة طويلة هي القبر، وأن جيرانه الذين سيبقى إلى جوارهم أمدًا مديدًا هم الأموات، وإنها لدار مفزعة، وإنها لدار موحشة، وإن الديدان لتنتظره، وهي معانٍ تخلع القلوب انخلاعًا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ابن مطروح: من شعراء الزهد في تلك الفترة ابن مطروح الذي أكثر من شعر المناجاة، يناجي ربه ويتضرع له، وينكسر بين يديه يقول له:
يا من علا في ملكه فاقترب
ومن بدا في نوره فاحتجب
ومن هو القصد لأهل النهى
والمطلب الأسنى وكل الأرب
عودتني الأنس فلا تنسني
وهبني الرحمة فيما تهب
واستمر هذا التيار تيار الدعوة إلى الزهد في عصر سلاطين المماليك حتى آخره، وفي عصر العثمانيين مدة ليست بالقصيرة.
وقد وُجد بعض شعراء الصوفية في تلك الفترة: بل إننا نقول: إن قمة ازدهار أدب الصوفية كانت في عصر سلاطين المماليك، وقد اشتهر من بينهم ابن الفارض الذي شرقت قصائده وغربت، والذي عرف بلقب سلطان العاشقين، ذلك الرجل الذي كتب شعرًا في كل صغيرة وكبيرة من معاني الحب الإلهي إذ يقول:
حضروا فمذ نظروا جمالك غابوا
والكل مذ سمعوا خطابك طابوا
فكأنهم في جنة وعليهم
من خمر حبك طافت الأثواب

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


أنت الذي ناولتني كأس الهوى
فإذا سكرت فما علي عتاب
ومن بين هؤلاء الشعراء من اتجه أو انحنى بشعره إلى نزعة فلسفية، يقول أحد شعراء الصوفية:
ويا صاحِ إن الركب قد صار مسرعًا
ونحن قعود ما الذي أنت صانع
أترضى بأن تبقى المخلف بعدهم
صريع الأماني والغرام منازع
وهذا لسان الكون ينطق جهرة
بأن جميع الكائنات قواطع
وقد كثر هؤلاء الشعراء في عصر سلاطين المماليك كثيرة بالغة، بل عرفنا منهم من اتجهوا إلى فلسفات منحرفة، كفلسفة الاتحاد والحلول، وما إلى ذلك، ولكننا نعرض عن ذكر مثل هذه الأشعار التي ركن إليها بعض فلاسفة الصوفية من أمثال ابن عربي، وابن سبعين، وغيرهم ممن انحرفوا عن سواء الصراط.
لكننا نشير إلى أن هناك تيارًا من شعر الزهد ظل موازيًا لتيار التصوف المنحرف جنبًا إلى جنب، وكأننا أمام زهد سني وأمام تصوف فلسفي منحرف.
ابن دقيق العيد: شيخ الإسلام تقي الدين محمد بن علي المعروف باسم ابن دقيق العيد، المتوفى عام اثنتين وسبعمائة، له كثير من المدائح النبوية إذ يقول على سبيل المثال في مدح النبي -صلى الله عليه وسلم:

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


لم يبق لي أمل سواك فإن يفت
ودعت أيام الحياة وداعا
لا أستلذ لغير وجهك منظرًا
وسوى حديثك لا أريد سماعًا
الشهاب العزازي: وكان الشهاب العزازي معاصرًا له كثيرًا من الموشحات في مديح النبي -صلى الله عليه وسلم- وله قصيدته اللامية المشهورة التي يقول فيها:
أفي النبيين براهانًا ومعجزة
وخير من جاءه بالوحي جبريل
سل الإله به سيفًا لملته
وذلك السيف حتى الحشر مسلول
ويل لمن جحدوا برهانه
وثنى عنان رشدهم غي وتضليل
ابن سيد الناس: إن لابن سيد الناس صاحب (السيرة النبوية) المتوفى عام أربعة وثلاثين وسبعمائة له ديوان كامل مخصوص في مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يزال مخطوطًا فيما نعلم إلى يومنا هذا، عنوانه (بشرى اللبيب بذكرى الحبيب).
ومن بعده جاء شعراء: كبرهان الدين القيراطي، وابن نباتة، والشهاب الخفاجي، وغيرهم ممن أطنبوا في مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي الثناء عليه، من شعراء العصر العثماني عبد الله الإدكاوي، الذي يتجه إلى ربه، ويتوسل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- قائلًا:

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


يا رب بالهادي الشفيع محمد
من قد بدا هذا الوجود لأجله
كن لي معينًا في معادي واكفني
همَّ المعاش وما أرى من ثقله
واستر بفضلك زلتي
واغفر بعدلك سيئتي
واشفي الحشا من غله
إنه يتضرع إلى ربه -سبحانه وتعالى- متوسلًا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يكون عونًا له في معاشه وفي معاده، وأن يغفر له ذنوبه وأن يستر له عيوبه، وما إلى ذلك من معانٍ طالما ألحّ عليها الشعراء، ومن بين شعراء هذه الفترة العثمانية، شعراء زهدوا في الدنيا، ومدحوا النبي -صلى الله عليه وسلم- على غرار الإدكاوي.
منهم ابن سنان الخفاجي: الذي يقول:
استغفر الله القديم وعذ به
من شر غاوٍ في الحطام منافس
وافعل جميلًا لا يضيع صنيعه
واسمح بقوتك للضعيف البائس
واقنع ففي عيش القناعة نعمة
لا تتقي كف الزمان الخالس

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


لا تفخرنَّ وإن فعلت فبالتقى
ناضل وفي بذل المكارم نافس
الإمام النووي: ومن أبرز العلماء الشعراء الذين إن نسينا فلا ينبغي أن ننساهم الإمام النووي، وهو فقيه شافعي معروف لا يجهله أحد، ولكنه في الوقت نفسه كان شاعرًا، إذ يقول عن القناعة:
وجدت القناعة أصل الغنى
فصرت بأذيالها ممتسك
فلا ذا يراني على بابه
ولا ذا يراني به منهمك
وعشت غنيًّا بلا درهم
أمر على الناس شبه الملك
نعم هكذا كان محيي الدين النووي إمامًا ورعًا زاهدًا، مثابرًا على التقوى والقناعة، لا ينهمك فيما ينهمك فيه الناس من طلب الدنيا، ومن ثم يعيش مثل الملك.
ويقول أحد هؤلاء الشعراء:
قد غنينا عن الدروس بما
تملي علينا صحائف الأيام
من عظات تتلى بغير لسان
وسطور خُطت بلا أقلام

٢.٣ أهم فنون الشعر في الدول المتتابعة


ولو أن العيون زال غشاها
لرأت كل أخمص فوق هام
بل وفي كل وردة ألف خدٍّ
وقضيب يميس ألف قوام
ابن الساعاتي: ويمكن أن نختم بما قاله ابن الساعاتي شاعر صلاح الدين في باب الزهد والمدائح النبوية إذ يقول في مدح النبي -صلى الله عليه وسلم:
هو البشير النذير العدل شاهده
وللشهادة تجريح وتعديل
لولاه لم تك لا شمس ولا قمر
ولا الفرات وجاراه ولا النيل
مرتل الوحي يتلوه ويدرسه
ولم يكن لكلام الله ترتيل
وسيد الرسل حقًّا لا خفاء به
وشافع في جميع الناس مقبول
بثَّت نبوته الأخبار إذ نطقت
فحدثت عنه توراة وإنجيل
نوهكذا خاض شعراء العصر الأيوبي والمملوكي والعثماني في كل أغراض الشعر، وما هذه الأغراض الثلاثة المديح، وشعر الطبيعة، وشعر الزهد والمدائح النبوية إلا نماذج فحسب لكافة الأغراض التي برع فيها الشعراء، وشنفوا آذان الزمان بهذا الشعر الشاعر، والكلام الفاخر، والنمط العالي الرفيع مما يدحض تلك الشبهة التي تثار حول ضعف الشعر وانحداره وانحطاطه.