١.٣ أسباب نهضة الأدب في عصر الدول المتتابعة


أسباب نهضة الأدب في عصر الدول المتتابعة
إن بعض مؤرخي الأدب يظلمون عصر الدول المتتابعة، ويتهمونه بأنه عصر تدهور وانحطاط، وأن اللغة العربية لم تعرف فيه شاعرًا ذا قامة عالية، كما عرفت من قبل، لكن هذه المقولة عارية عن الحقيقة، فقد ازدهر الأدب في هذا العصر ازدهارًا عظيمًا، ووقفت وراء ذلك الازدهار عدة عوامل:

الأول: الحماس الديني الذي اقترن بالحروب الصليبية
فقد جاء الصليبيون من كل أنحاء أوربا، وعاثوا فسادًا، واحتلوا بيت المقدس؛ فنمَّى ذلك الاحتلال الشعور العربي الإسلامي القومي لمواجهة هؤلاء الصليبيين. وقد أثمر ذلك ألوانًا عظيمة من الشعر في التحميس على الجهاد، والتهنئة بالفتح، وشد عزائم الأبطال، وفي رثاء من استشهد منهم في سبيل الله، وفي هجاء الصليبيين.

١.٣ أسباب نهضة الأدب في عصر الدول المتتابعة


الثاني: التشجيع الذي لقيه العلم والأدب على يد ملوك بني أيوب وسلاطين المماليك
فقد شجع السلاطين الأدباء والعلماء، وأغدقوا عليهم من فيض ما عندهم، وكان الواحد منهم ذا سليقة عربية فصيحة يستحسن الأشعار الجيدة، ويكثر من ترديدها، وأعظم هؤلاء صلاح الدين الأيوبي الذي كان كثيرًا ما ينشد أبياتًا من الشعر القديم، ويتمثل بها، فقد روى الرواة أنه كان كثيرًا ما ينشد قول الحميري:
وزارني طيف من أهوى على حذر
من الوشاة ونور الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحاً
وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا
ثم انتبهت وآمالي تخيل لي
نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا
وكان صلاح الدين كثيرًا ما يردد قول ابن المنجم:
وما خضب الناسُ البياض لقبحهِ
وأقبحُ منه حين يظهر ناصِلُهْ
ولكنه مات الشبابُ فسُودت
على الرسم من حُزْنٍ عليه مَنازِلُهْ

١.٣ أسباب نهضة الأدب في عصر الدول المتتابعة


كان صلاح الدين ناقدًا للشعر، فقد عرض عليه العماد الأصفهاني يومًا ما عدة أبيات في وصف المشمش منها قوله:
بدت بين أوراق الغصون كأنها
كرات نضار في لجين مطرق
فقال له السلطان صلاح الدين: تشبيه الورق باللجين غير موفق؛ لأن الورق نفسه أخضر، بينما اللجين بيضاء اللون، فقال العماد: كرات نضار بالزمرد محدق، فقال السلطان: لا بأس بهذا، وهذا دليل على ذوق بصير بالأدب، يضاف إلى هذا أن أبناء صلاح الدين كانوا شعراء، وكانوا علماء، وكان منهم ذوو الفطنة وذو المهابة ممن يقدم إليهم الأدباء في كل وقت وحين، هذا الملك الظاهر غازي كان شاعرًا، وقد روى الرواة من شعره:
ولما التقينا بعد بُعد تحدَّرت دموعي
إلى أن كدت بالدمع أغرق
فقلت لها يا عين هذا لقاؤنا
فقالت ألسنا بعده نتفرق
وهذا شعر شاعر، وكلام فاخر يدل على أن سلاطين بني أيوب كانوا على درجة عظيمة من الشعر والمعرفة بالأدب، وكان الملك العادل نحويًّا لغويًّا فقهيًا شاعرًا حنفيًّا، وقد أمر الفقهاء أن يجردوا له مذهب أبي حنيفة دون المذاهب الأخرى، فجردوه له في عشر مجلدات، وسموه (التذكرة)، وكان هذا الكتاب لا يفارقه في سفر ولا حضر، وسأله بعض الأئمة في هذا؛ فقال: "إن أكبر مدرس في الشام لا يمكنه أن يحفظ...

١.٣ أسباب نهضة الأدب في عصر الدول المتتابعة


...أكثر من كتاب القدوري في الفقه، وأنت مع شغلك بالملك تحفظ عشر مجلدات؟ فقال الملك عيسى: ليس الاعتناء بالألفاظ إنما الاعتناء بالمعاني، ولك أن تسألني عن جميع ما فيه المجلدات من المسائل، فإن قصرت كان الصواب لكم، وإلا فسلموا لي".
وكان الملك المظفر عمر بن شاهنشاه محبًّا للعلماء، وكان في خدمته أكثر من مائتي معمم، ووضع كتبًا منها: كتب في طبقات الشعراء، ومنهم أيضًا فروخ شاه الذي نسل منه ابنه إبراهيم، وكان فاضلًا شاعرًا محسنًا، يقال: إنه أشعر بني أيوب جميعًا. وكان الملك العادل في مصر مقربًا للشعراء والأدباء، ومن أشهر شعرائه: ابن عنين المصري الذي شرق ذكره وغرب، وكان الملك الكامل الذي حكم مصر قرابة أربعين سنة محبًّا للعلم والأدب، مشجعًا للعلماء والشعراء، ورويت عنه في ذلك أخبار أعادت إلى الأذهان أخبار هارون الرشيد، والخليفة المأمون، وغيرهما من خلفاء بني العباس.
ونوادر الملك الكامل الأدبية أكثر من أن تحصى: نذكر منها على سبيل المثال: "أن الكامل كان في ليلة من الليالي جالسًا فدخل عليه شاعر يسمى مظفر، فقال له الملك الكامل: أجز يا مظفر
قد بلغ الشوق منتهاه.
فقال مظفر:
وما درى العاذلون ما هو؟

١.٣ أسباب نهضة الأدب في عصر الدول المتتابعة


فقال الكامل:
ولي حبيب رأى هواني.
قال مظفر:
وما تغيرت عن هواه
فقال الكامل:
رياضة النفس في احتمال
فقال مظفر:
روضة الحسن من حلاه
فقال الكامل:
أسمر يدنو القوامي ألما.
فقال مظفر:
يعشقه كل من يراه

١.٣ أسباب نهضة الأدب في عصر الدول المتتابعة


فقال الكامل:
وريقه كله مدام
فقال المظفر:
ختامها المسك ومن لماه
فقال الكامل:
ليلته كلها رقاد
فقال مظفر:
وليلتي كلها انتباه
فقال الكامل:
وما يرى أن أكون عبدًا
فقام مظفر على قدميه وقال:
بالملك الكامل احتماه
العالم العامل الذي في كل أحوالنا نراه

١.٣ أسباب نهضة الأدب في عصر الدول المتتابعة


ليث وغيث وبدر تم
ومنصب جل مرتقاه".
كذلك كان من ملوك الدولة الأيوبية من ذوي الميول الأدبية تاج الملوك بودي، الأخ الأصغر لصلاح الدين، ذكر ابن خلكان أنه كان فصيحًا شاعرًا، وأن له ديوانًا من الشعر، وأورد قوله:
آه من ورد على
خديك بالمسك منقط
بين أجفانك سلطان
على ضعفي مسلط
قد تصبرت وإن برح
بي الشوق وأفرط
فلعل الدهر يومًا
بالتلاقي منك يغلط
وله شعر يهتف فيه بحب مصر: يقول فيه:
شربت من الفرات ونيل مصر
أحب إليَّ من ماء الفرات
ولي في مصر من أصبوا إليه
ومن في قربه أبدا حياتي
فقلت وقد ذكرت زمان وصل
تمادى بعده روح الحياتي

١.٣ أسباب نهضة الأدب في عصر الدول المتتابعة


أرى ما أشتهيه يفر مني
وما لا أشتهيه إلي ياتي
ذلك التشجيع الذي لقيه العلماء والأدباء والشعراء على يد سلاطين المماليك، ومن قبلهم على يد ملوك بني أيوب، وكأن الأدب كان المتعة الفنية الوحيدة التي يستروح الناس بها من عناء الحياة في عصور لم تعرف من الحياة إلا معاني الحرب والقتال.