٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


علوم الدين في عصر الدول المتتابعة
وجدت في تلك الفترة علوم الدين تفسيرًا وحديثًا وقراءات قرآنية وفقهًا، وعلوم اللغة العربية لغة ونحوًا وصرفًا وبلاغة وأدبًا وعروضًا. وكذلك علوم التاريخ والجغرافيا.
وهذه المجالات هي أهم المجالات العلمية والثقافية في تلك الفترة وإن وجدت مجالات أخرى؛ كالطب وفي الهندسة، وفي الصيدلة، وفي علوم الأوائل كما يقولون في المنطق وفي الفلسفة وفي غيرها، لكن في تقديرنا هذه المجالات الثلاثة هي أكثر المجالات شعبية، وأكثرها تأثيرًا في الأدب في تلك الفترة.
مجال علوم الدين: فقد يظن بعض الناس أن علوم الشريعة في تلك الفترة قد أصابها كثير من الجمود، ومن التوقف عن الاجتهاد، وهذا حكم تعميم خاطئ، نعم كان هناك دخلاء، وكان هناك مشعوذون، وكان هناك دجاجلة حاولوا أن يخدعوا العامة بالتعلق بمقابر الأولياء، ومنحوهم علم الغيب والقدرة على إنفاذ ما يريد المتوسلون بهم.
وقد وجد علماء مجتهدون مجاهدون، عندهم من الغيرة ما لا نجد له نظيرًا، وحسبنا منهم ابن تيمية الذي كان إمامًا حنبليًّا، لكنه في الوقت نفسه كان أكثر فقهاء عصره تحررًا فكرًا واجتهادًا في مسائل العلم، لقد حارب الصوفية في منازعهم الفلسفية، وكل ما قالوا به في مسألة الاتحاد والحلول تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وحارب الشيعة الإسماعيلية الباطنية الذين يزعمون لأئمتهم العصمة، بل يدعون أن الإله قد تجسد في خلفائهم.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


التهمة الأولى لابن تيمية: وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بفتاوى كثيرة تنم عن عقلية اجتهادية رائعة، جعلت كثيرًا من العلماء يحاربونه، وألبت فتاواه الخصوم عليه في بيئات مختلفة، وقد بدا ذلك بوضوح في عام ٦٩٨ هـ إذ جاءه سؤال في حماة عما في القرآن الكريم من آيات تفيد التشبيه إذا فهمت على ظاهرها، كقوله تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) [طه: ٥] وقوله ((يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)) [الفتح: ١٠] وما إليها من آيات الصفات التي يمكن أن توهم التشبيه.
ومعلوم أن مذهب المعتزلة هو تأويل مثل هذه الآيات، فيئولون الاستواء بالاستيلاء، ويئولون اليد بالقدرة ورد عليهم شيخ الإسلام بمذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، بأن من واجب المؤمن أن يؤمن بما جاء في القرآن الكريم من هذه الصفات، وأن يبقيها على ظاهرها دون تشبيه أو تمثيل أو تكييف أو تعطيل. فما كان من الأشاعرة الذين يميلون إلى رأي المعتزلة في هذه المسالة إلا أن رفعوا أمره إلى قاضي دمشق، لكن الله -عز وجل- برأه من هذه المحنة.
التهمة الثانية لابن تيمية في ٧٠٥ هـ: عندما حمل على الطريقة الصوفية الرفاعية حملة شعواء، وحمل على هذه الشعوذة التي يمارسها أصحاب هذه الطريقة موهمين الناس بأنهم يمسكون بالثعابين، ويأكلون النار، ويدعون أن هذه من الكرامات، ففضحهم شيخ الإسلام.
كما رد شيخ الإسلام على الصوفية القائلين بالاتحاد والحلول، وسجن بسبب حملته الشعواء عليهم في الإسكندرية حتى زمن الناصر قلاوون الذي أعاد إليه حريته وكرامته عام ٧٠٩ هـ.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


ثم أفتى -رحمه الله تعالى- في سنة ٧١٨ هـ بأن الحلف بالطلاق كالحلف بالله، يكفر الإنسان عنه وأن الطلاق بالثلاث يعد طلقة واحدة، فثارت ثائرة الفقهاء، وأجبروا السلطان على منعه من الفتوى، ثم عاد إلى الفتوى عام ٧٢٠ هـ، وسجن ولبث في السجن خمسة أشهر وأيامًا.
ولما كان عام ٧٢٦ هـ أفتى بأن الرحلة إلى قبور الأنبياء والأولياء والصالحين من أشد المعاصي، فسجن بسبب هذه الفتوى في قلعة دمشق، لكنه اشتغل فيها بالتأليف وبالتصنيف.
وهكذا كانت هذه الآراء الجريئة التي تنم عن عقلية رجل مجتهد سببًا كبيرًا جر على الرجل كثيرًا من المشكلات في حياته، ولكن الله -عز وجل- جعل له لسان صدق في الآخرين، فبقي اسم شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله تعالى- مرادفًا للاجتهاد وللورع، وللصدع بكلمة الحق مهما كانت النتائج.
بل إن خصومه الذين حاكموه والذين حكموا بسجنه وبإبعاده عن الفتوى قد أثنوا عليه، فابن الزملكاني يقول عنه: "العلامة الأوحد، الحافظ المجتهد الزاهد العابد، القدوة إمام الأئمة، وقدوة الأمة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، محيي السنة، ومن عظمت به لله علينا المنة" رغم أن ابن الزملكاني كان ممن تورط في خصومة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى.
هذا النموذج فقط لعلماء الدين، وقد سار على دربه عدد كبير منهم، منهم تلميذه ابن القيم -رحمه الله تعالى، ومن قبله سلطان العلماء العز بن عبد السلام -رحمهم الله تعالى أجمعين.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


هذه النماذج إن دلت على شيء، فإنما تدل على نشاط حركة العلم الديني في تلك الفترة، وأن هذه الحركة النشيطة كانت تمثل إحياء حقيقيًّا لعلوم الدين في الأصول وفي الفروع.
وقد ظهر أثر ذلك في حركة التأليف في سائر فروع العلوم الدينية:
ففي القرآن الكريم: وجد عدد كبير جدًّا من المفسرين، نذكر منهم: سليم بن أيوب، المتوفى عام سبعة وأربعين وخمسمائة، والذي صنف مجلدًا كبيرًا في تفسير القرآن الكريم.
ومنهم محمد بن زفر، المتوفى عام ٥٦٥ هـ، والذي ألف وهو في حماة تفسيرًا سماه (التفسير الكبير)، ومنهم العز بن عبد السلام، سلطان العلماء، الذي ألف (التفسير) و(المجاز في القرآن الكريم)، ومنهم سبط بن الجوزي الذي ألف تفسيرًا ضخمًا يسمى (معادن الإبريز) ويقع في تسعة وعشرين مجلدًا.
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أقبل على التفسير إقبالًا منقطع النظير، فكان يأخذ في تفسير القرآن أيام الجمعة على كرسي معتمدًا على حفظه، دون أن يستعين في الإلقاء بأي شيء، والتفسير من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية يأخذ عدة مجلدات.
ومن المفسرين ابن جماعة، الذي قال عنه السبكي في (طبقاته): "حاكم الإقليمين مصرًا وشامًا، وناظم عقد الفخاري الذي لا يسامى"، وله تفسير يسمى (كشف المعاني). ومنهم المفسر الكبير ابن كثير الدمشقي، صاحب (تفسير القرآن العظيم) الذي يعد من أعظم التفاسير انتشارًا في العالم الإسلامي إلى يومنا هذا.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


وأما قراءات القرآن الكريم: التي عني بها علماء المسلمين منذ نزول القرآن الكريم إلى يومنا هذا، فقد وجد عدد كبير جدًّا من علماء القراءات في تلك الفترة، حسبنا منهم أعجوبة القراءات: القاسم بن فيرة -رحمه الله تعالى- وهو الإمام الشاطبي، المتوفى عام ٥٩٠ هـ، والذي نظم القراءات السبع في قصيدة واحدة تزيد على ألف بيت، لها رموز من الصعوبة بمكان، سماها (حرز الأماني ووجه التهاني) حوت علوم القراءات، والتي كل الناس في القراءات إلى يومنا هذا عيال عليها، فطلاب القراءات في معاهد القراءات يمكثون بضع سنين في دراسة هذه المنظومة وشرحها، رحم الله تعالى ذلك الشيخ الضرير البصير الذي كان مكاشفًا.
ومن علماء القراءات ابن مالك -رحمه الله تعالى- وقد اشتهر بالنحو، ولكن كان له باع كبير في علم القراءات.
ومنهم أبو شامة المقدسي، الذي شرح الشاطبية، واشتهر شرحه كذلك، ومنهم هبة الله البارزي الذي ألف كتابًا سماه (السرعة في القراءات السبعة)، ومنهم علم الدين السخاوي -رحمه الله تعالى- الذي قرأ الشاطبية على ناظمها، وألف في شرحها. ومنهم علم الدين القاسم بن أحمد المرسي، شيخ القراء في عصره. ومنهم كمال الدين إبراهيم ابن فارس التميمي، شيخ قراء دمشق، وغيرهم من علماء القراءات.
وأما في مجال الحديث: فإن العصر الذهبي لعلوم الحديث كان في تلك الفترة، ففيه أنشئت أول دار للحديث في التاريخ الإسلامي، بل شهدنا أن المرأة تشترك في إتقان الحديث رواية ودراية حتى انفردت بعض النسوة بروايات لم تسمع من غيرهن.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


صلاح الدين الأيوبي، ونور الدين محمود ابتدءا هذه النهضة الحديثية التي لا نظير لها، وقد سمعا وأسمعا الحديث طلبًا للأجر من عند الله -سبحانه وتعالى- بل ذهب صلاح الدين ليستمع من الحافظ السلفي -رحمه الله تعالى- في الإسكندرية.
وقد أشار ابن واصل في كتابه (مفرج الكروب) الذي يؤرخ فيه لدولة بني أيوب إلى اهتمام نور الدين بالحديث وتلاوته حتى وقت انشغاله بالحروب، وحدث أنه قرئ بين يديه حديث مسلسل بالابتسام، بمعنى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ابتسم عندها، إيراد ذلك الحديث، فكان كل راو من الرواة يتبسم تشبها بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك الابتسام، لكن نور الدين محمود لم يبتسم، وطلب منه الطلبة المستمعون أن يبتسم، لتتم السلسلة على ما عرف من عادة رواة الحديث، فغضب من ذلك، فقال: "إني لأستحي من الله أن يراني مبتسمًا والمسلمون محاصرون بالفرنجة".
ليس معنى ذلك أن الرجل ما كان يجل الحديث، كلا، ولكنه يريد صيانة دماء المسلمين وأعراضهم في المقام الأول، وقد حدث غير واحد أن نور الدين محمود لما سمع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج متقلدًا سيفه، وكان عادة الجنود أن يربطوا السيوف بأوساطهم، ففي الغد غير هذه الطريقة، وخرج متقلدًا سيفه، وخرج جميع الجنود كذلك.
وتلميذه النجيب صلاح الدين كان على شاكلته، كثير السماع لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد ذكر ابن شداد أنه كان يتلو الحديث بنفسه، وأنه كان يستحضره في خلوته، وأنه كان كلما قرأ شيئًا من الحديث فيه عبرة وموعظة بليغة سالت الدموع من عينيه، بل سافر...

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


...إلى الإسكندرية ليسمع من أبي طاهر السلفي، وقال لأولاده: "نغتنم حياة الشيخ أبي الطاهر بن عوف" وحضر معه عدد من أولاده، وسمع عليه موطأ مالك بن أنس بروايته عن الطرطوشي في العشر الأخير من شوال، وتم له ولأولاده سماع ذلك الحديث.
وقد ذكر ابن شداد أنه عندما افتتح صفد عام خمسة وثمانين وخمسمائة كان يحرص مع جنوده راويًا لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((عينان لا تمسهما النار: عين باتت تحرص في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله)) فدمعت عيناه، وبكى من خشية الله -سبحانه وتعالى.
وقد كثر المحدثون في ذلك العصر كثيرة عظيمة جدًّا، نذكر منهم: محدث الشام ومؤرخها وعالمها ابن عساكر الذي تعد موسوعته (تاريخ دمشق) من أعظم الموسوعات الحديثية التي لا نظير لها على الإطلاق.
ومن العلماء والمحدثين الذين اشتهروا في تلك الفترة: ابن الصلاح صاحب (المقدمة) التي تعد من أشهر كتب مصطلح الحديث، نعم، هي مقدمة في علوم الحديث، لكنها تعد الأساس الذي بنى عليه عدد كبير من العلماء مؤلفاتهم في علم الحديث.
وكذلك من كبار المحدثين في تلك الفترة الإمام النووي -رحمه الله تعالى- وهو الذي ولد بقرية نوى من قرى دمشق، وبها نشأ، ثم انتقل بعد ذلك إلى دمشق، وحفظ كتب السنة، وشرح (صحيح مسلم) -رحمه الله تعالى- وله كتاب في مصطلح الحديث يسمى (الإرشاد في علوم الحديث) لكن ذكره شاع وذاع بين القاصي والداني بهذه الأربعين التي نسبت إليه (الأربعون النووية) التي شرقت وغربت، وأصبح الطلاب والصغار يحفظونها، في بداية حياتهم.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


ومن أكابر المحدثين في تلك الفترة الحافظ المزي -رحمه الله تعالى- جمال الدين يوسف بن أبي الزهر، محدث مصر والشام، والذي تضلع في علم الحديث رواية ودارية، والذي قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يل هذه المدرسة حين بنائها وإلى الآن، أحق بشرط الواقف منه؛ لأن الواقف قال: فإن اجتمع من فيه الرواية، ومن فيه الدراية قدم من فيه الرواية. والحافظ المزي قد كان بارعًا في الرواية وفي الدراية، ومن ثم ولي دار الحديث الأشرفية، التي بناها الملك الأشرف.
ومن أكابر المحدثين في تلك الفترة: القطب اليونيني، الذي جمع أصول (صحيح البخاري) وضبطها وصوبها بطريقة عجيبة، الناس كلهم عليها عيال إلى يومنا هذا.
وكما قلت في البداية: إن علوم الحديث اهتمت بها النساء أيضًا، وصرنا نرى مسندات، منهن: مسندة الشام أم الفضل كريمة بن عبد الوهاب بن علي القرشية الزبيرية، المعروفة ببنت الحبقبق، التي توفيت عام ٦٤١ هـ. ومنهم فاطمة بنت عساكر. ومنهن ست العرب بنت يحيى بن قيماز، أم الخير الدمشقية، ومنهن زينب بنت علي بن أحمد بن فضل الصالحية. ومنهن عائشة بنت عيسى. ومنهن خاتون بنت يونس. ومنهن ست الشام أم محمد صفية بنت الشيخ المحدث مجد الدين أحمد بن ميسرة الأزدي. ومنهن أم محمد ابنة الصاحب كمال الدين بن العديم. ومنهن ست الوزراء أم عبد الله بنت القاضي شمس الدين عمر بن المنجى، الحنبلية، التي سمعت (صحيح البخاري) و(مسند الشافعي) وعمرت دهرًا طويلًا، وروت الكثير، وحجت مرتين، وقصدت مصر، وروى الناس عنها في دمشق وفي الشام. وهكذا صار لعلم الحديث سوق نافقة جدًّا جدًّا في ترك الفترة الزاهرة من تاريخ دولة الإسلام.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


وأما في مجال الفقه: فقد أسهم علماء هذا العصر بنصيب وافر في الفقه، وكانت المدارس تدرس فيها المذاهب الفقهية الأربعة، وكان لكل مذهب علماءه وكتبه متونًا وشروحًا وحواش وتعليقات، فإذا ما أردنا أن نذكر نفرًا من هؤلاء الفقهاء، فحسبنا منهم قطب الدين مسعود النيسابوري، الذي كان إمامًا في العلوم الدينية، ومنهم العز بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء، والذي دخل في صراع كبير مع أمراء مصر والشام بسبب فتاواه الجريئة، وقد ألف (قواعد الإسلام) و(الأمالي) و(الفتاوى الموصلية).
وإن ننسى فلا يمكن ننسى وبه بدأنا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- الذي أوذي في الله -سبحانه وتعالى- أيما إيذاء، والذي تبلغ تصانيفه في الفقه نحو خمسمائة مجلد، وقد ذكر أن تلاميذه جمعوا من فتاويه ست مجلدات كبار، وفتاواه مجموعة إلى يومنا هذا في أكثر من ثلاثين مجلدًا.
ومن مشاهير علماء الفقه في تلك الفترة شرف الدين هبة الله بن البازي قاضي حماة، وهو من أسرة معروفة بالعلم وبالفقه. ومنهم موفق الدين ابن قدامة المقدسي صاحب (المغني) والمغني في كتب الفقه الناس عليها عالة إلى يومنا هذا، والذي يعد نموذجًا للكتب التي جمع صاحبها بين النقل وبين الاجتهاد.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


علوم اللغة العربية في عصر الدول المتتابعة
فالمجال الآخر من مجالات العلم في تلك الفترة، فهو مجال علوم اللغة العربية التي اهتم بها المسلمون منذ نزول القرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم قد نزل بلسان عربي مبين، وقد قال عبد الله بن عباس: "لا أوتى برجل يفسر كتاب الله لا يعرف لغة العرب إلا جعلته نكالًا".
ومن ثم نشط العلماء في شتى أصقاع العالم الإسلامي للتأليف في علوم اللغة العربية نحوًا وصرفًا ومتنًا وبلاغة وأدبًا، وما إلى ذلك، وأصبحنا لا نكاد نجد حاضرة واحدة من حواضر العلم في بلاد الإسلام إلا ولعلماء اللغة فيها نصيب كبير.
من أهم شعب اللغة العربية: متن اللغة، ذلك العلم الذي يهتم بالمادة اللغوية وبالمعاجم اللغوية التي تؤصل معاني الكلمات، وتبين تطورها وتستشهد لها، وقد ألف عدد كبير من العلماء في تلك الفترة معاجم لغوية كبيرة، ابن مالك له كتاب (المثلث في اللغة) المثلث أي: الكلمات التي يجوز في ضبط أحد حروفها ثلاثة أوجه: الفتح، والضم، والكسر، يجمع هذه الكلمات التي يجوز فيها الوجوه الثلاثة في كتاب واحد، مثل: على الرَّغم والرُّغم والرِّغم. كلها صواب، وقد نظم المؤلف هذا الكتاب في أرجوزة مكونة من ثلاثة آلاف بيت سماها (إكمال الأعلام بمثلث الكلام) وألف كتابًا أو معجمًا في الكلمات المهموزة، ونظمها في قصيدة سماها (النظم الأوجز فيما يهمز) وألف كتابًا في الظاء والضاد سماه (الاعتقاد في الظاء والضاد).

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


ومن أئمة علماء متن اللغة: حجة الدين بن ظفر الصقلي النحوي، الذي ألف كتابًا في شرح الغريب من المقامات، سماه (التنقيب على ما في المقامات من الغريب).
ولا يمكن لواحد متخصص في اللغة أن يستغني عن (لسان العرب) إنه تلك الموسوعة التي ألفها ابن منظور الإفريقي المصري، الذي جمع في هذا المعجم الفريد ما لم يجمع في كتاب قبله، وهو معجم الناس كلهم عيال عليه في علوم اللغة العربية ومتنها.
وأكبر معجم وضع في اللغة العربية على الإطلاق (تاج العروس) قد ولد في العصر العثماني على يد العلامة الزبيدي الذي شرح في كتابه هذا (القاموس المحيط) وسمى ذلك الشرح النفيس الفريد (تاج العروس من جواهر القاموس).
وأما شعبة النحو والصرف: فقد اهتم علماء المسلمين بالمباحث النحوية والصرفية، كان الاهتمام في البداية في العراق، في البصرة والكوفة، ثم في بغداد، لكن المدرسة المصرية قد استقطبت العلماء من بغداد، ومن قرطبة، ومن سائر بلاد الإسلام، وأصبحت كعبة يقصد إليها العلماء من كل صوب وحدب.
إذا أردنا أن نذكر عددًا من هؤلاء النحاة، فنجد منهم: أبا نزار حسن بن نزار، المتوفى عام ٥٦٨ هـ، والذي كان معجبًا بنفسه، ويلقب نفسه بملك النحاة، وقد استوطن في دمشق، وكان يُقرئ فيها.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


ومن هؤلاء أيضًا تاج الدين زيد بن الحسن الكندي، المتوفى سنة ٦١٣ هـ، وهو بغدادي المولد، لكنه ترعرع في دمشق. ومنهم علامة النحو الكبير ابن مالك الذي ولد في الأندلس في أوائل القرن السابع الهجري في مدينة "جيان" لكنه شهد ضياع بلاد الإسلام في الأندلس، فجاء إلى مصر، وجاء إلى الشام وألف الألفية، وكل النحاة إلى يومنا هذا عالة في النحو على ألفية ابن مالك.
وكتب أكثر من ألف بيت في أبواب النحو العربي والصرف كذلك بابًا بابًا، وأصبحت شروح الألفية معيارًا لدراسة ذلك العلم -علم النحو وعلم الصرف.
وقد شرح هذه الألفية عدد كبير جدًّا من العلماء، وله كتاب سماه (تسهيل الفوائد) وهو يتضمن قواعد نحوية وصرفية مهمة شرحها لطلابه وتلاميذه.
ومن أشهر العلماء: أبو حيان صاحب (البحر المحيط) الذي ذكرناه بين المفسرين، لكن لا ينبغي أن يغفل بين النحاة، وهو صاحب (التذييل والتكميل شرح كتاب التسهيل) ذلك أن ابن مالك قد توفي قبل أن يكمل كتابه (التسهيل) أو (تسهيل الفوائد) فكمله أبو حيان -رحمه الله تعالى- وتفسيره (البحر المحيط) تفسير يمتلئ بالفوائد النحوية والصرفية.
وبدر الدين بن مالك كان نحويًّا على غرار أبيه، وقد ألف عددًا كبيرًا من الكتب النحوية. ومن النحاة: ابن يعيش شارح (المفصل)، (المفصل) ألفه الإمام الزمخشري وهو من أروع كتب النحو، لكن شرحه لابن يعيش الحلبي المعروف بابن الصائغ، المتوفى عام ٦٤٣ هـ، اشتهر أكثر من مفصل الزمخشري، كما اشتهر شرحه لـ: (لتصريف الملوكي) لابن جني.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


ومنهم: ابن عصفور، وابن عصفور أندلسي الأصل، لكنه جاء إلى مصر، وألف فيها عددًا كبيرًا من كتب النحو، من أشهرها كتاب (المقرب) وهو كتاب ميسر في النحو إلى حد بعيد بالنسبة لطلاب ذاك الزمان، كما ألف كتابًا رائعًا في الصرف سماه (الممتع) وهو من أروع الكتب التي يمكن أن يفهم الإنسان منها الصرف.
ومنهم: ابن عقيل، الذي شرح الألفية، والذي تم اختيار شرحه للألفية، (شرح ابن عقيل) على ألفية بن مالك ليكون مقررًا على طلاب الأزهر في المرحلة الثانوية، وما ذاك إلا لسهولته ويسره وبعده عن إثارة المسائل الفلسفية والمنطقية التي كثيرًا ما تفسد النحو.
وأما شعبة البلاغة والعروض: فقد ألف فيها عدد كبير من العلماء في تلك الفترة، وكلهم كانوا كذلك، كانوا نحويين ولغويين وبلاغيين، بدر الدين بن مالك الذي قلت عنه آنفًا أنه كان نحوي، كان بلاغيًّا وألف كتابًا سماه (المصباح) في البلاغة. جلال الدين القزويني لخص (مفتاح السكاكي) وسمى كتابه (تلخيص المفتاح) هذا التلخيص أصبح عمدة لكتب البلاغة لأنه أوضحه فيما بعد في شرح سماه (الإيضاح في شرح تلخيص المفتاح) وكتاب (الإيضاح) إلى يومنا هذا من أهم الكتب التي يعتمد عليها الطلاب في معرفة علوم البلاغة.
وقد ظهرت البديعيات في تلك الفترة، وسوف نتحدث عن هذه البديعيات في فنون الشعر التي اشتهرت في العصر المملوكي؛ حيث كان الرجل ينظم قصيدة غالبا في مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويضمن كل بيت من أبياتها لونًا من ألوان البديع.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


وأما علم العروض: فقد ألف ابن مالك كتابًا في العروض، وألف جمال الدين بن واصل كتابًا في العروض وفي القوافي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن العالم الواحد قد يؤلف في شتى فروع اللغة العربية، يؤلف في اللغة، وفي النحو وفي الصرف، وفي العروض، وفي غيرها من مجالات العلم والأدب.

العلوم التاريخية والاجتماعية في عصر الدول المتتابعة
مجال العلوم التاريخية والاجتماعية
شهدت بلاد الإسلام حركة نشيطة في هذه العلوم، ورأينا عددًا كبيرًا من العلماء يؤلف في علوم التاريخ والاجتماع مؤلفات، منها ما يتعلق بالتاريخ العام على نمط (تاريخ الطبري)، لكن الطبري متقدم، سار على دربه عدد كبير من علماء هذه الفترة، وألفوا كتبًا في التاريخ العام ككتاب (الكامل في التاريخ) لابن الأثير وكتاب (مرآة الزمان) لابن الجوزي، وكتاب (المختصر في أخبر البشر) لأبي الفداء، وأبو الفداء هذا كان ملكًا من سلاطين المماليك في مصر، هو الملك المؤيد.
التاريخ الخاص: وهناك من العلماء من كان يؤلف في التاريخ الخاص، أي: في تاريخ يختص بمرحلة معينة من الزمن أو بحادثة معينة من الحوادث، وهذا العصر قد شهد حوادث لا أول لها ولا آخر، وأهم هذه الحوادث مجيء الصليبيين ومجيء التتار، ومن ثم ألف العلماء عددًا من الكتب تتعلق ببعض هذه الأحداث، منهم العماد الأصفهاني، الكاتب البليغ، المتوفى عام سبعة وتسعين وخمسمائة، والذي ألف...

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


...كتابين موسوعيين في حروب صلاح الدين الأيوبي، سمى الأول (الفتح القسي في الفتح القدسي) الفتح القسي نسبة إلى قس بن ساعدة الإيادي الخطيب الجاهلي المشهور؛ كأن الله -عز وجل- فتح عليه في هذا الكتاب من البلاغة ما فتح لقس بن ساعدة الإيادي في القديم، وله كتاب كذلك اسمه (البرق الشامي).
ومن هؤلاء أبو شامة المقدسي، له كتاب يسمى (الروضتين في أخبار الدولتين) يقصد: الدولة النورية والدولة الصلاحية، دولة نور الدين محمود، ودولة صلاح الدين الأيوبي. ومنهم ابن شداد بهاء الدين يوسف بن شداد، المتوفى عام اثنين وثلاثين وستمائة، والذي ألف كتابًا في سيرة صلاح الدين الأيوبي، سماه (النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية).
ومن هؤلاء الذين ألفوا كتبًا في التاريخ الخاص –أيضًا- مفرج قاضي القضاة جمال الدين بن واصل، المتوفى عام سبعة وتسعين وستمائة، والذي وضع كتابًا مشهورًا في تاريخ الدولة الأيوبية سماه (مفرج الكروب في أخبار بني أيوب).
هذا غيض من فيض، الكتب التي ألفت في التاريخ في تلك الفترة، وكتب التاريخ ترتبط بالأدب ارتباطًا وثيقًا.
وفي مجال التراجم والطبقات: ألف العلماء عددًا لا حصر له من كتب التراجم والطبقات، سواء قصروها على عصر أو قصروها على قطر معين، من هؤلاء ابن عساكر صاحب (تاريخ دمشق) وهو كتاب جامع لتراجم علماء دمشق، مرتب حسب الحروف الأبجدية، ويقع في أكثر من سبعين مجلدًا. ومنهم ابن أبي أصيبعة صاحب كتاب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) وهو كتاب متخصص في الترجمة للأطباء.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


ومنهم القفطي؛ علي بن يونس، المعروف بالقاضي الأكرم، له كتاب يُسمى (تاريخ الحكماء). ومنهم ابن خلكان صاحب (وفيات الأعيان) وهو من أكثر موسوعات التراجم في العلم والأدب انتشارًا إلى يومنا هذا، والرجل قد اهتم فيه اهتمامًا كبيرًا جدًّا بتحقيق وفاة العلم الذي يترجم له.
علم الجغرافيا الذي كان يسمى تقويم البلدان: وقد وضع في هذا العلم عدد كبير من العلماء مؤلفات تنم عن إدراك مهم جدًّا لطبيعة البلاد ومقاييسها والمسافات بين كل بلد وبين البلاد التي حولها.

علم الاجتماع
وإن ننسى لا ينبغي أن ننسى جهد ابن خلدون في علم الاجتماع، فهو مؤسس علم الاجتماع العربي بدون منازع؛ ذلك أن الرجل ألف كتابًا في التاريخ، وهو كتاب ضخم ينسب إليه، فيقال: (تاريخ ابن خلدون) واسم الكتاب كاملًا (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) وجعل لهذا الكتاب مقدمة تسمى "مقدمة ابن خلدون" وقد طبعت مستقلة، هذه المقدمة في تحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي تقع في ثلاث مجلدات، هذه المقدمة تعد أهم كتاب عربي في علم الاجتماع.
هذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن العلماء ما تركوا مجالًا من مجالات علوم الدين، ولا علوم العربية، ولا العلوم الاجتماعية إلا وقد طرقوه وتوسعوا ففيه توسعًا ينم عن حب لذلك العلم الذي أكرمهم الله -سبحانه وتعالى- بأن يكونوا من طلابه، ومن علمائه.

٢.٢ مجالات العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة


وفي النهاية: إن هذه العلوم لا تحصر ضروب الفكر والثقافة في هذه العصور، فقد ألف العلماء ففي الطب، وفي الهندسة، وفي الصيدلة، وفي المنطق وفي الفلسفة، بل وفي التنجيم وفي السحر، وفي غيرها من العلوم المذمومة، ولكن هذه المجالات الثلاثة تعد أكثر المجالات تأثيرًا في العلم والأدب.