١.٢ ضروب الفكر والثقافة في عصر الدول المتتابعة ومراكزها


ضروب الفكر والثقافة في عصر الدول المتتابعة ومراكزها
قد عقد لمصر لواء الزعامة الفكرية والثقافية منذ القرن السادس الهجري، وخاصة بعد سقوط بغداد في يد التتار، وبعد سقوط قرطبة في يد الفرنجة، وقد تهيأت أسباب عديدة للنشاط العلمي والثقافي في هذه البقعة من بلاد الإسلام، هي:


١.٢ ضروب الفكر والثقافة في عصر الدول المتتابعة ومراكزها


وقوع كثير من البلاد الإسلامية في يد التتار: ومن قبلهم في يد الصليبيين ، حتى استباح التتار بغداد، ومن قبلها استباح الصليبيون القدس، وقتلوا ألوفًا من المسلمين؛ فضعفت بذلك شوكة العرب والمسلمين، وتطلعوا إلى حماة جدد يدافعون عنهم، ولم يكن هناك على الساحة أقوى من سلاطين المماليك الذين يحكمون في مصر والشام، والذين نصبوا أنفسهم ذادة عن الدين وحماة للمسلمين، شاعرين أن الأقدار قد حملتهم أمانة الدفاع عن تراث الإسلام.
وإن هذا الجمع لا يغض من قيمة هذه المؤلفات، ذلك أن هؤلاء قد حصنوا بها علومًا كثيرة من الضياع، والجمع فيه جهد يدركه من يقوم به، فضلًا عن الاختيار وعن الشرح وعن الاختصار وعن التحشية وما إلى ذلك. ومن ينكر أن هؤلاء قد ابتكروا، وقد جددوا؟! من ينكر تجديد شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله تعالى- في الفقه؟! وتجديد النووي في (المجموع) تجديد الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) وما إلى ذلك من كتب لا أول لها ولا آخر.

١.٢ ضروب الفكر والثقافة في عصر الدول المتتابعة ومراكزها


هذه الأسباب أثمرت عدة ثمرات:
اتساع حركة التعليم: فقد أقبل على التعليم الطلاب، وراجت سوق العلم، ووفد الطلاب إلى المساجد، حتى ضاقت بعض دور التعليم بطلابها. يذكر المقريزي عن الجامع الأزهر أن عدد الطلاب الفقراء المنقطعين لطلب العلم في الجامع الأزهر بلغ في عام ٨١٨ بلغ ٧٥٠ طالبًا، ما بين عرب وعجم.
وأن المسجد الأزهر كان عامرًا بتلاوة القرآن وبدراسته وبتلقينه، وبالمشتغلين بالحديث والفقه والتفسير والنحو، وأن الداخل إليه كان يجد من الأنس بالله والارتياح وترويح النفس ما لا يجده في غيره، وأن أرباب الأموال صاروا يقصدون هذا الجامع بأنواع البر من الذهب والفضة إعانة للطلاب الفقراء المجاورين في هذا المسجد العامر، وكان بعضهم يحمل إلى الطلاب الأطعمة والحلوى، لا سيما في المواسم، هذا إن دل على شيء فإنما يدل على التنافس في تحصيل العلم، وعلى التنافس في دعم طلاب العلم.

١.٢ ضروب الفكر والثقافة في عصر الدول المتتابعة ومراكزها


مراكز العلم والثقافة في عصر الدول المتتابعة
بعد استيلاء صلاح الدين الأيوبي على مصر وسقوط الدولة الفاطمية انقلبت طبيعة الثقافة من اللون الشيعي إلى السني، وكان هذا انقلابًا شاملًا في تاريخ الحركة الفكرية، وقد بذل صلاح الدين ورجال دولته كل طاقاتهم في إنشاء المدارس ودور الحديث على سبيل الخصوص، واستدعوا علماء السنة والفقهاء وأغروهم، ومن ثم أصبحت المدن الكبرى في مصر والشام مراكز نابضة للعلوم الشرعية واللغوية على اختلاف أنواعها.
وقد استمرت سياسة المماليك في نشر العلم والثقافة على درب الأيوبيين مما أدى إلى احتفاظ مصر بمكانتها باعتبارها قلعة للإسلام والمسلمين وموئلًا للثقافة العلمية، وكانت أهم المدن التي كانت عواصم للعلم وللثقافة في تلك الفترة: القاهرة والإسكندرية وقوص وأسيوط فضلًا عن دمشق وعن غيرها.
جاء العلماء من كل فج إلى مصر، وأقاموا بها، منهم: ابن دحية الكلبي، الذي أقام بالقاهرة أيام الكامل الأيوبي، وتولى تدريس الحديث بالمدرسة الكاملية، وهو صاحب كتاب (المطرب من شعر أهل المغرب) ومنهم ابن سعيد المغربي، العالم الأديب، الذي جاء من الأندلس واستقر في مصر، وألف كتابًا اسمه (المغرب في حلل المغرب) بقيت منه أجزاء عديدة، وله كتاب أيضًا يسمى (المشرق في حلل المشرق) ولكن معظم أجزائه قد ضاعت.

١.٢ ضروب الفكر والثقافة في عصر الدول المتتابعة ومراكزها


ومن هؤلاء الذين جاءوا إلى مصر: ابن عصفور علي بن مؤمن النحوي الإشبيلي، الذي كان حاملًا للواء العربية بالأندلس، ثم وفد إلى مصر واستقر بحلب في بلاد الشام. من هؤلاء الشريشي، محمد بن أحمد النحوي المالكي الأندلسي، الذي جاء من شريش في بلاد الأندلس، وجاء واستقر بدمشق، وعبر أو سمع الحديث ببغداد ودمشق وحلب والقاهرة، وألف شرحًا جليلًا لألفية ابن معطي وشرحًا فريدًا لمقامات الحريري، من هؤلاء ابن جابر الضرير له بديعية مشهورة جدًّا، وله كتب في نقد الشعر، وكان آية باهرة في العربية وفي البيان.
من ثم أقبل الناس على العلم حتى قال بعضهم -يدعو الناس إلى حب العلم والإقبال عليه-:
هذب النفس بالعلوم لترقى
وترى الكل وهو للكل بيت
إنما النفس كالزجاجة والعقل
سراج وحكمة الله زيت
فإذا أشرقت فإنك حي
وإذا أظلمت فإنك ميت
وكان يقوم في كل مركز من هذه المراكز عدد كبير من الشيوخ والمدرسين والمعيدين، فالشيخ هو أستاذ المادة، والمدرس هو الذي يساعد الشيخ في التدريس، والمعيد هو الذي يعيد دروس الشيخ من أجل تفهيم الطلبة، وكان هناك كاتب يسمى كاتب الغيبة، يقوم بتسجيل دروس الشيخ، وكانت العادة أن يجلس الشيخ على كرسي، ويتحلق الطلاب من حوله، وينقسمون إلى مراتب، منهم المبتدئ، ومنهم المفيد، ومنهم المنتهي.

١.٢ ضروب الفكر والثقافة في عصر الدول المتتابعة ومراكزها


أهم المراكز العلمية
المركز الأول في القاهرة
لقد كانت مركز الثقل الفكري والحضاري بجلال مدارسها، وكثيرة شيوخها البارزين، كان جامع عمرو بن العاص، وجامع الأزهر، وجامع ابن طولون لها دور كبير جدًّا في سبيل نشر العلم ونشر الثقافة العربية، فلما جاء صلاح الدين الأيوبي منع الخطبة في الجامع الأزهر عام ٥٦٧ هـ، ولكن أبقى التدريس قائمًا به. واستقدم العلماء من كل أنحاء العالم الإسلامي للتدريس هناك، بل أنشأ قبة إلى جوار ضريح الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- أنفق عليها من الأموال ما لا يحصى من أجل أن يأتي الطلاب للدراسة هناك، وهو الذي مكن للمذهب الشافعي في مصر أيما تمكين.
وبنى صلاح الدين عدة مدارس للشافعية، كما بنيت المدرسة الفاضلية التي بناها القاضي الفاضل في زمن الأيوبيين، وظلت عامرة في عصر سلاطين المماليك، كما بنيت المدرسة الكاملية التي بناها الملك الكامل الأيوبي، وهي ثاني دار عملت للحديث في مصر، فأول دار بنيت للحديث على وجه الأرض الدار التي أنشأها الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في دمشق، فقلده في ذلك الكامل الأيوبي، وهناك المدرسة الصالحية، التي بناها الملك الصالح نجم الدين أيوب، والتي كانت تدرس فيها المذاهب الفقهية الأربعة، وفي حفل افتتاحها قام الشاعر أبو الحسين الجزار وألقى قصيدة رائعة، مطلعها:
ألا هكذا يبني المدارس من بنى
ومن يتعالى في الثواب وفي البنى

١.٢ ضروب الفكر والثقافة في عصر الدول المتتابعة ومراكزها


وقد دفن الملك الصالح نجم الدين أيوب في هذه المدرسة إلى جوار المكان المخصص للمالكية، حتى قال أحد الشعراء:
بنيت لأرباب العلوم مدارسًا
لتنجو بها من هول يوم المهالك
وضاقت عليك الأرض لم تلق منزلا
تحل به إلا إلى جانب مالك
وهناك المدرسة العزية: التي بنها عز الدين أيبك، وكانت مطلة على النيل، وهناك المدرسة الظاهرية، التي بناها السلطان الظاهر بيبرس، وكانت فيها خزانة كتب جليلة، وكان إلى جوارها مكان يأكل فيه الأيتام من المسلمين الخبز في كل يوم، وكانت توزع على طلابها الكسوة في الشتاء وفي الصيف، وقد تولى التدريس بها عدد كبير من فحول العلماء في تلك الفترة.
وهناك المدرسة المنصورية: التي أقامها الملك المنصور قلاوون، والتي اهتم بعمارتها أيما اهتمام، وهناك عدد كبير جدًّا من المدارس، ذكرها العلماء والمؤرخون، وتحدثوا عن الرواتب التي كانت يتقاضاها القائمون على التدريس والإقراء فيها، وذكروا أن لكل واحد في الشهر أربعين درهمًا، ولكل مدرس في كل شهر مائتا درهم، ولكل معيد خمسة وسبعون درهمًا وما إلى ذلك.
وهناك المدرسة الشيخونية: التي بناها الأمير شيخون، وكانت تدرس فيها المذاهب الفقهية الأربعة. وهناك مدرس السلطان حسن، إلى جوار القلعة، التي كانت من أفخم المدارس على الإطلاق، حتى قيل: إن إيوانها بني على قدر إيوان كسرى في الطول وفي العرض، وقد قال الشاعر ابن أبي حجلة التلمساني بمناسبة بنائها:

١.٢ ضروب الفكر والثقافة في عصر الدول المتتابعة ومراكزها


لسنا وإن كرمت أوائلنا
يومًا على الأنساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا
تبني ونفعل فوق ما فعلوا
وهناك المدرسة العاشورية: بباب زويلة بالقاهرة، والتي تنسب إلى السيدة عاشوراء زوجة أحد الأمراء، وقد وقفتها على طلاب الأحناف، وكانت من الدور الحسنة، وكان يُدَرِّس بها ابن النقيب العالم الشاعر المشهور، المتوفى عام ثمانية وتسعين وستمائة.

المركز الثاني: في الإسكندرية
لقد كثرت فيها المدارس، وحفلت بكثير من العلماء الأجلاء، وخرجت عددًا كبيرًا منهم، نذكر منهم: ابن المنير السكندري، الذي انتصف من صاحب (الكشاف) ونقض ما فيه من اعتزاليات. ومنهم أبو الحسن الشاذلي، الذي وفد إلى الإسكندرية، وكانت له حلقة هناك.
ومنهم أبو العباس المرسي، الذي ما يزال المسجد المنسوب إليه موجودًا إلى يومنا هذا في مدينة الإسكندرية. ومنهم ابن عطاء الله السكندري، صاحب الحكم المشهورة. ومنهم معجزة القراءات الإمام الشاطبي وما زال شاطئ من شواطئ الإسكندرية ينسب إليه إلى يومنا هذا:
يقول أحد الشعراء، وهو مجير الدين ابن تميم، لما قصد الإسكندرية:

١.٢ ضروب الفكر والثقافة في عصر الدول المتتابعة ومراكزها


لما قصدت الإسكندرية زائرًا
ملأت فؤادي بهجة وسرورًا
ما زرت فيها جانبًا إلا رأت
عيناي فيها جنة وحريرًا
المركز الثالث: في أسيوط
التي كانت مستقرًّا للعلماء في جنوب مصر، وقد عرفت بالمدرسة الفائزية، وهي مدرسة أنشأها الخليفة الفائز الفاطمي، ودرس فيها عدد كبير من العلماء في تلك الفترة، وخرّجت عددًا كبيرًا منهم، وإليها ينسب الإمام السيوطي، الإمام العالم الموسوعي -رحمه الله تعالى.
بل نبغ في أسيوط عدد من المحدثات، منهن ست الشام بنت أبي صالح رواحة بن علي، التي قد سمعت الحديث، وصارت لها حلقة، وصار الطلاب يفدون إليها من أجل التلقي عنها، وكان هناك عدد كبير من العلماء يدرسون في أسيوط، من أراد الاستزادة منهم فعليه بكتاب (الطالع السعيد) الذي يذكر فيه الإدفوي أهم العلماء والأدباء والنجباء الذين نبغوا في بلاد الصعيد.
ومن المدارس الكبيرة في صعيد مصر في تلك الفترة أيضًا مدرسة "قوص" وكانت عاصمة الصعيد في عصر المماليك، وكان نائب السلطنة الخاص بجنوب البلاد يقيم في هذه المدينة، وقد وصفها ابن جبير في رحلته بأنها مدينة حفيلة بالأسواق، متسعة المرافق، كثيرة الخلق لكثرة الصادر والوارد من الحجاج والتجار اليمنيين والهنديين والأحباش، كانت محط رحال الجميع، ومجتمع الرفاق، وملتقى الحجاج المغاربة والمصريين وما إلى ذلك.

١.٢ ضروب الفكر والثقافة في عصر الدول المتتابعة ومراكزها


من أهم المدارس التي كانت موجودة في مدينة قوص المدرسة النجيبية، التي بناها النجيب بن هبة الله رئيس مدينة قوص، والذي توفي عام اثنين وثمانين وست مائة، وقد تخرج منها عدد من الأفاضل، منهم الشاعر المشهور البهاء زهير، ومنهم جمال الدين بن مطروح.
ومن العلماء الذين تولوا القضاء في هذه المدينة زمنًا: القاضي الفقيه العلم ابن دقيق العيد -رحمه الله تعالى. وممن عمل فيها كذلك أثير الدين ابن حيان النحوي الأندلسي صاحب (التذييل والتكميل) وصاحب (البحر المحيط) وصاحب (الشعر البارع) وقد ولاه ابن دقيق العيد النظر في أموال الأيتام في مدينة القاهرة.
وقد خرج من بلاد قوص عدد كبير جدًّا من العلماء، كما خرج من "إدفو" في أقصى جنوب البلاد عدد كبير منهم، من أشهرهم الإدفوي صاحب (الطالع السعيد) بل خرج من أرمن عدد من الشعراء ومن العلماء، وكتاب الإدفوي (الطالع السعيد في أسماء نجباء الصعيد) فيه عدد وافر جدًّا جدًّا من علماء جنوب مصر.

مركز دمشق
ولا يمكن أن ننسى بحال من الأحوال المدارس التي كانت منتشرة في الشق المشرقي من بلاد الإسلام؛ نعني دمشق التي كانت عاصمة للعلم في شرق العالم الإسلامي بعد سقوط بغداد، وحسبها أن أول مدرسة للحديث في العالم الإسلامي، كانت من نصيبها، تلك دار...

١.٢ ضروب الفكر والثقافة في عصر الدول المتتابعة ومراكزها


...الحديث الظاهرية، والتي قفا على أثرها الملك الأشرف موسى بن العادل الأيوبي، الذي بنى دار الحديث الأشرفية بجوار قلعة دمشق، ومنهم من بنى دورًا أخرى للحديث، كالمدرسة الناصرية، التي بنيت بسفح جبل قاسيون بدمشق، وكانت لها شقان، شق داخلي يسمى بالناصرية الجوانية، وشق خارجي يسمى بالناصرية البرانية.
وكان الجامع الأموي الكبير في دمشق بمثابة جامعة عامرة، تلقى بها الدروس في شتى العلوم والفنون، يتنافس كبار العلماء من أجل أن ينالوا فضل التدريس به، وقد تولى التدريس به الخطيب القزويني، وتقي الدين السبكي، وحسبه العلامة المفسر الكبير ابن كثير الدمشقي -رحمه الله تعالى- صاحب التفسير الذي يعد من أشهر كتب التفسير في العالم الإسلامي.
وقد جرت العادة بأن يوقف على الطلبة بالمسجد الأموي من سائر المذاهب راتب شهري قدره عشرة دراهم، وللمعيد عشرون درهمًا، ولكاتب الغيبة عشرون درهما، وللمدرس ثمانون درهمًا.
ومن العواصم والمراكز المهمة كذلك حلب: التي كانت عاصمة ثقافية لبلاد الشام، وحسبها أن سيف الدولة الحمداني في القرن الرابع الهجري كان قد جعلها كعبة للعلماء وللأدباء في عصره، واستقر فيها: المتنبي وابن جني وابن خالويه، وغيرهم من العلماء، ومن الأدباء.
وفي تلك العصور المتأخرة ازدهرت فيها الحركة العلمية والحركة الثقافية وصارت منافسة لدمشق، وابن العديم كتب كتابًا سماه (بغية الطلب من تاريخ حلب) ترجم فيه لمئات، بل لآلاف العلماء الذين أنجبتهم هذه المدينة العامرة بإذن الله تعالى.