وقوع كثير من البلاد الإسلامية في يد التتار: ومن قبلهم في يد الصليبيين ، حتى استباح التتار بغداد، ومن قبلها استباح الصليبيون القدس، وقتلوا ألوفًا من المسلمين؛ فضعفت بذلك شوكة العرب والمسلمين، وتطلعوا إلى حماة جدد يدافعون عنهم، ولم يكن هناك على الساحة أقوى من سلاطين المماليك الذين يحكمون في مصر والشام، والذين نصبوا أنفسهم ذادة عن الدين وحماة للمسلمين، شاعرين أن الأقدار قد حملتهم أمانة الدفاع عن تراث الإسلام.
قتل العلماء والأدباء وإتلاف الكتب: فقد تتبع التتار علماء بغداد قتلًا، وتتبعوا كتب حضارتها إبادة وإتلافًا، حتى قيل: إن هولاكو أمر بإلقاء جميع الكتب ببغداد في نهر دجلة، فتغير لون الماء بسبب مداد هذه الكتب، بل قيل: إنه صنع من الكتب جسرًا تعبر عليه خيول التتار. وممن قتل من العلماء في بغداد في تلك النكبة الكبيرة: محي الدين ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- وأولاده، ومن ثم أضاع التتار على الدين وعلى اللغة ذخائر لا تعوض، فكان لهذه الكوارث آثارها في نفوس علماء الأمة، ورد فعل شديد دعاهم إلى النهوض لإحياء هذا التراث العلمي المجيد وإلى تجديده.
هجرة العلماء من الشرق، ومن الغرب إلى مصر: ذلك أنه لما اشتد عبث التتار في العراق وفي بغداد وفي بلاد الشام فر كثير من العلماء على وجههم، ولم يجدوا أمامهم أرحب من مصر صدرًا فوفدوا إليها، فوجدوا فيها ترحيبًا، وعوضوا أهلًا بأهل وديارًا بديار، سواء من قبل الحكام الذين وسعوا لهم في المدارس التي أنشئوها أو من قبل الشعب الذي أجلهم واحترمهم، وفي الغرب كذلك فر العلماء أمام أمواج الفرنجة التي اكتسحت بلاد الإسلام في الأندلس: في قرطبة وإشبيلية، وشاطبة، وجيان، وغيرها فجاء هؤلاء العلماء من المغرب إلى مصر، واشتغلوا بالقضاء والإمامة وبالكتابة وبالتعليم، وعاونوا أبناء هذه الأمة في التعليم وفي إنتاجهم وتحميلهم أمانة العلم من بعدهم.
من هؤلاء الوافدين: ابن خلكان الإربلي المؤلف صاحب (وفيات الأعيان)، وابن مالك النحوي صاحب (الألفية)، وابن خلدون المغربي صاحب (المقدمة)، وابن تيمية الحراني الإمام المجتهد صاحب (الفتاوى)، وابن منظور الإفريقي صاحب (لسان العرب)، وغيرهم ممن لا يحصون كثرة.
إحياء الخلافة: ولما استتب أمر السلطنة للظاهر بيبرس، رأى أن يقيم خلافة عباسية ثانية بالديار المصرية، فاستقدم أحد أمراء بني العباس، وأثبت نسبه، وبايعه بالخلافة، وبايعه القضاة والأمراء في محفل عظيم، واستمدوا سلطانهم من ذلك الخليفة، واستمرت هذه الخلافة قائمة بمصر -ولو شكلية- في أبناء هذا البيت العباسي حتى تم القضاء على سلاطين المماليك على يد العثمانيين عام ٩٢٣ هـ.
وهذه الخلافة وإن كانت ضئيلة هزيلة شكلية، لكنها كانت تعتبر كسبًا أدبيًّا كبيرًا لمصر ورمزًا روحيًّا قويًّا اتجهت إليه قلوب المسلمين شرقًا وغربًا مما عاون على جعل القاهرة قلبًا للعالم الإسلامي ومركزًا للعلوم والآداب الإسلامية، كما كان دافعًا لعلماء مصر على تشجيع رجال الدين.
الغيرة الدينية عند الحكام، وتعظيمهم للعلماء: فقد كان حكام البلاد في جملتهم شديدي العصبية لدينهم، عظيمي الغيرة على مصالح المسلمين، ولذلك كافحوا الصليبين، وكافحوا التتار، ودفعتهم غيرتهم إلى تعظيم العلماء وإلى رعايتهم وإلى استشارتهم في أمورهم العليا، وإلى اختيار الولاة والقضاة منهم.
مما يرويه ابن خلكان في ترجمة نور الدين محمود: أنه وهو يعد العدة لمحاربة الصليبيين كان يحتاج إلى أموال كثيرة في حربه لحملة الصليب، فقال له بعض أصحابه: إن في بلادك إدرارات وصدقات وصلات كثيرة على قراء الذكر الحكيم والفقهاء والصوفية، ولو استعنت بها لكان أصلح، فغضب من ذلك غضبًا شديدًا، وزجر صاحبه زجرًا عنيفًا، وكان صلاح الدين على شاكلته، وهو تلميذه النجيب في العناية بالفقهاء والعلماء والقراء، بل كان يختلس شيئًا من وقته لحضور مجالس العلماء، مهما بعدت الشقة، بل رُويَ أنه ذهب إلى الإسكندرية للاختلاف إلى حلقة الحافظ والمحدث المشهور أبي طاهر السلفي، هذه المسألة جعلت للعلماء جاهًا عند العامة، وقد كانوا أهلًا لذلك؛ لما كانوا يتصفون به من غزارة في العلم ورجاحة في العقل وسلامة في القلب، وزهادة في الدنيا، وتعصب للحق، وجرأة على الباطل، وحسبنا من ذلك أن الظاهر بيبرس كان يخشى من سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام أيما خشية، حتى قيل: إن بيبرس لما مات العز بن عبد السلام -رحمه الله- قال: "ما استقر ملكي إلا الآن"، ولا يخفى لما لهذا التعظيم من أثر كبير في شحذ همم الشباب إلى النشاط العلمي من أجل الاحتفاظ بهذه المكانة وبتلك الوجاهة.
شعور العلماء بواجبهم: فقد شعر العلماء بالأمانة الثقيلة الملقاة على كاهلهم إثر سقوط بغداد في يد التتار، وكارثة الدين والعلم بها، وسقوط قرطبة في يد الفرنجة، وما حل للعلم وللمكتبات هنا وهناك، ومن ثم تنافسوا في ميادين العلم والتأليف، وقاموا بحركة إحياء علمية جليلة الشأن، وازدان كثير منهم بغزارة العلم وبالزهد في الدنيا وبالغضب للحق وبالغيرة على مصالح الأمة، ومن ثم اكتسبوا هذه المكانة والتي بلغت ببعضهم حد الاجتهاد كما كان مع شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ومعاصريه العز بن عبد السلام، وتلميذه ابن القيم -رحمه الله تعالى.
إنشاء دور العلم ورصد الأوقاف عليها: ولذا انتشر العلم والأدب بين طبقات الأمة، وقد بدأ عصر المماليك وفي مصر عدد لا بأس به من هذه الدور، منها: جامع عمرو بن العاص، وجامع أحمد بن طولون، والجامع الازهر، وجامع الحاكم بأمر الله.
ومدارس أخرى أسسها الأيوبيون، كالمدرسة الصلاحية، والمدرسة الناصرية وغيرها من المدارس المنتشرة هنا وهناك. وقد عد كثير من المؤرخين هذه المدارس وما ينفق عليها مما يعد بمئات الألوف، فابن شداد صاحب (الأعلاق الخطيرة لأمراء الشام والجزيرة) عد لنا ثلاثمائة مسجد في دمشق وحدها تلقى فيها دروس العلم، وتعقد فيها حلقات الفقه هنا وهناك.
شمر سلاطين المماليك عن ساعد الجد للاستمرار في هذه النهضة العلمية، وأنشئوا عددًا ضخمًا من دور التعليم في القاهرة وفي غيرها من المدن المصرية، وقد تباروا في إنشاء هذه المدارس تقربًا إلى الله –تعالى- ورعاية للشعب، أو حتى مظهرًا من مظاهر الفخامة، أو وسيلة لاستمرار بعض أموالهم في يد ذراريهم عن طريق الوقف على هذه المدارس واشتراط النظر لذريتهم.
برع العلماء وأفضل الشيوخ.
من أبرز هذه المدارس: المدرسة الظاهرية، التي أسسها الظاهر بيبرس -رحمه الله تعالى- في القاهرة عام ٦٢٢ هـ. والمدرسة المنصورية التي أنشأها المنصور قلاوون، والمدرسة الناصرية التي أنشأها الملك العادل كتبغا، وأكملها الناصر محمد بن قلاوون، ومدرسة السلطان حسن، التي كانت آية في الجمال والروعة، وفي غيرها.
بل أنشئوا دورًا تعلمية لتعليم الطب، منها المارستان المنصوري، بناه الملك المنصور قلاوون عام اثنين وثمانين وستمائة، ويحتوي على مستشفى للمرضى، ومدرسة للطب، وكان ينقسم إلى عدة أقسام، ففيه قسم للحميات، وقسم للرمد، وقسم للجراحة، وقسم لأمراض النساء، وقسم للإسهال، وكان مجهزًا بصيدلية عظيمة تحتوي كل أنواع الأدوية المتوفرة في ذلك العصر.
إنشاء دور الكتب: وتزويدها بالمؤلفات النفيسة رغبة من الحكام في معاونة العلماء والطلاب في جهادهم العلمي النبيل، وقل أن تجد مؤسسة تعليمية في ذلك الوقت إلا وبها مكتبة زاخرة، وإذا كانت الكتب في تلك الفترة خطية ونادرة، وقليلة النسخ، وغالية الثمن، فمعنى ذلك أن القوم كانوا ينفقون أموالًا طائلة، ولا يألون جهدًا في سبيل تمويل هذه الخزائن بما تحتاج إليه من كتب.
من أشهر تلك الخزائن: خزانة جامع الحاكم بأمر الله، التي زوده بها السلطان بيبرس، وخزانة جامع المؤيد التي أنشأها الملك المؤيد شيخ المحمودي، وخزانة القبة المنصورية التي أنشأها المنصور قلاوون، وقد روى ابن إياس في كتابه (بدائع الزهور في وقائع الدهور) من حوادث عام ثمانية وثمانين وثمانمائة: أن القاضي نجم الدين يحيى بن حجي كان عالمًا فاضلًا، ولما مات في العام المذكور وجدت عنده خزانة كتب بها أكثر من ثلاثة آلاف مجلد، من الكتب النفيسة.
اتخاذ اللغة العربية لغة رسمية للبلاد: لقد كان حكام البلاد أعاجم من الأتراك أو من غيرهم، ولكنهم بفطرتهم كانوا يغارون على اللغة العربية، ويعطفون على أهلها، ويشجعون علومها وآدابها باعتبارها لغة للقرآن الكريم؛ لأن لغتهم الأجنبية كانت عاجزة عن أن تؤدي حاجة الدولة ودواوينها المختلفة، وعاجزة عن أن تقوم بشئون القضاء والفتوى والتعليم، والشعوب المحكومة شعوب عربية لا يمكن أن يتم التفاهم معها إلا بلغتها.
ومن ثم فقد كان ديوان الإنشاء له دور كبير جدًّا في نهوض اللغة العربية، وقد اختص المكاتبات الديوانية، وكان يختار للعمل فيه أبرع أهل الأدب والكتابة في ذلك الزمن، وهذا كله أدى إلى رواج اللغة العربية رواجًا ما بعده من رواج.