٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


الحياة الاجتماعية والاقتصادية في زمن حكم الفاطميين والأيوبيين
توسع الفاطميون في الأعياد والمواسم الإسلامية
في أوائل القرن السادس الهجري كان الفاطميون يسيطرون على مقاليد الأمور في مصر، وقد توسع الفاطميون في الأعياد الإسلامية توسعًا كبيرًا، فهناك موسم في رأس السنة الهجرية، وهناك موسم في يوم عاشوراء، وهناك مولد للرسول -صلى الله عليه وسلم- ومولد لعلي، ومولد للحسن، ومولد للحسين، ومولد لفاطمة الزهراء، ومولد للخليفة الحاضر.
وهناك ليلة أول رجب، وليلة النصف من رجب، وليلة أول شعبان، وليلة النصف من شعبان، وغرة رمضان، وسماط رمضان، وهو من اليوم الرابع حتى السادس والعشرين، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد الأضحى بل وعيد الغدير، وهو العيد الذي يؤمن فيه الشيعة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عهد فيه بالخلافة إلى علي بن أبي طالب.
وهناك كسوة في الشتاء وكسوة في الصيف، وهناك موسم لفتح الخليج المسمى بعيد وفاء النيل، وهناك عيد للنيروز، وهو في أول الربيع، وهو عيد فارسي كان الناس يوقدون في النار ويرشون الماء، بل وقد أحيوا أعياد نصرانية كعيد الغطاس، وعيد ميلاد المسيح وخميس العدس قبل عيد الفصح بثلاث أيام فيه يأكل النصارى العدس، وعيد الزيتونة، وهو أحد أيام الشعانين، وما إلى ذلك.

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


وأصبحت "كرنفالًا" لاحتفالات وأعياد كثيرة، يقول المقريزي: "كان الناس في مصر يخرجون في بعض الأعياد ويطفون الشوارع بالخيالي والتماثيل والسماجات".
وكأن ظاهرة الإضحاك لها أصولها القديمة من أيام الفاطميين بل كانوا يتسلون ببعض العادات المنهي عنها في الشرع، كالنطاح بين الكباش، والمهارشة بين الكلاب، والمناقرة بين الديكة.
وبينما كان الفاطميون مقبلين على هذه الملاهي، كان الصليبيون قد احتلوا بيت المقدس وأنطاكية وكثيرًا من ثغور دولة الإسلام في بلاد الشام، وكان لا بد من منقذ ينقذ مصر، وكان هذا البطل صلاح الدين.
انتقال الحكم والسلطان إلى صلاح الدين وإلى أسرته الأيوبية: وفي عهده وعهد الأسرة جميعًا تحولت مصر إلى ثكنة عسكرية ضخمة، وسرعان ما أخذت تباشير النصر على الصليبيين تلوح، وتهاوت قلاعهم تحت أقدام المصريين، وتهاوى معها بيت المقدس ليعود إلى حظيرة الإسلام، وردت الديار إلى أصحابها إلا قليلًا.
وجاء صلاح الدين فخفف الضرائب، ورفع عنهم أكثر المكوس، إن لم يكن كلها، حتى يقول المقريزي: "إنه أسقط أكثر ما يزيد عن مليوني دينار، ومليوني إردب" وبالمثل أسقط عن أهل الذمة كثيرًا من الضرائب حتى قالوا: إن كل ما كانوا يدفعونه للدولة لم يكن يزيد على مائة وثلاثين ألف دينار.

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


ولعل مما يدل أكبر الدلالة على أنه لم يكن يمتص شيئًا من أموال الناس، وأن كل ما كان يئول إليه من الضرائب كان ينفق في الحرب دون أن يختزن منه لنفسه أي شيء، ما ذكره المؤرخون من أمثال ابن شداد، الذي كتب سيرة لصلاح الدين الأيوبي، ذكر: أن صلاح الدين حين لبى نداء ربه لم يوجد في خزائنه من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعون درهمًا ناصريًّا ودينارًا واحدًا ذهبًا سوريًّا، ولم يخلف صلاح الدين ملكًا ولا دارًا ولا عقارًا ولا بستانًا ولا ضيعة ولا مزرعة، ويروي ابن تغري بردي أن ابنه العزيز كان يسير سيرته في الرعية، ويقول: "إنه وهب لصياد دينارين، وتعذر عليه أن يدفع له هذا المبلغ اليسير من المال" لأن الأيوبيين كانوا يرون أنفسهم مرابطين لحرب الصليبيين.
وقد مات آخر سلاطين بني أيوب -نجم الدين أيوب-، وهو يجاهد لويس التاسع، وقد أنزل به هزيمة ساحقة في معركة المنصورة.
عني صلاح الدين ببناء القلعة وبناء كثير من المدارس، وظل خلفاؤه يعنون بالعمران مما أنعش الصناعات في القاهرة، وكانت صناعة الثياب مزدهرة في مدينة "تنيس" قريبة من دمياط، كما عنوا بالتجارة، وعقد الأيوبيون سلسلة من الاتفاقات التجارية مع الدول الأوربية مما عاد بفوائد كثيرة على التجار المصريين.
ويصف ابن جبير في رحلته لعهد صلاح الدين ريف مصر وقراه التي لا تحصى كثرة، ويقول: "إن العمارة فيها متصلة، وفيها الأسواق، وفيها جميع المرافق، وفيها صلاة الجمعة حيث يصلي في كل قرية الإمام في جمع حفيل، ويخطب خطبة بليغة جامعة.
أنشأ صلاح الدين مارستان القاهرة، والمارستان :مستشفى أقامها للعناية بالمرضى، وكان فيها موضع مقتطع للنساء، ومقاصير عليها نوافذ من حديد اتخذت محابس للمجانين".

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


ويذكر ابن جبير كذلك جزيرة الروضة، ومبانيها المشرفة الحسان، ويقول: "إنها مجتمع للهو والزينة، فأهل الفسطاط والقاهرة لم ينسوا حتى في عهد صلاح الدين وحروبه وجهاده لهوهم وفرحهم" ولكن الأيوبيين لم يعنوا بالأعياد الكثيرة التي عني بها الفاطميون، والتي عد منها المقريزي ما يزيد على ثلاثين عيدًا، ومن الطبيعي أن يشغل الأيوبيون عن الأعياد المصرية بحروبهم مع الصليبيين.
ويبدو أن فنون اللهو وما يتبعها من القمار، ومن الخمر التي عرفت في أيام الفاطميين قد خفت حدتها، بل قال ابن تغري بردي: "إن السلطان العادل الأيوبي قد طهر جميع الولايات من الخمور، ومن الخواطئ، ومن القمار" ومن ثم فإن المصريين في عهد الدولة الأيوبية قد عادوا من الناحية الاجتماعية إلى حظيرة الدين، وإن كان ذلك لم يمنعهم من اللهو، ومن المرح.
وخير ما يصور لنا ذلك ما صوره ابن مماتي في كتابه (الفاشوش في حكم قرقوش) الذي صار مضربًا للمثل إلى يومنا هذا في الحكم المستبد، وكان قرقوش هذا محافظًا للقاهرة، وهو الذي أمر ببناء القلعة فسخر المصريين، والكتاب مجموعة من النوادر المضحكة على قرقوش وعلى أحكامه الحمقاء حتى أصبح كشخصية خيالية لكل حاكم مخبول، فيه بله وغفلة وحمق.

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


الحياة الاجتماعية والاقتصادية في زمن حكم المماليك والعثمانيين
طبقات المجتمع المصري في عهد المماليك
وبعد أن تحول صولجان الحكم من أيدي الأيوبيين إلى أيدي المماليك وجدنا المجتمع المملوكي ينقسم -كما يقول المقريزي في (إغاثة الأمة)- إلى سبع طبقات، تلكم طبقات المجتمع في العصر المملوكي، فيقول: " اعلم -حرسك الله بعينه التي لا تنام- أن الناس بإقليم مصر في الجملة على سبعة أقسام:
القسم الأول: أهل الدولة الحكام.
والقسم الثاني: أهل اليسار من التجار وأولي النعمة وذي الرفاهية.
القسم الثالث: الباعة، وهم متوسطو الحال من التجار، ويقال لهم: أصحاب البز، ويلحق بهم أصحاب المعايش.
القسم الرابع: أهل الفلاحة، وهم أهل الزراعات والحرث، وسكان القرى والريف.
القسم الخامس: الفقراء، وهم جل الفقهاء، وطلاب العلم، والكثير من أجناد الحلقة ونحوهم.

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


القسم السادس: أرباب الصنائع والأجراء وأصحاب المهن.
القسم السابع: ذوو الحاجة والمسكنة، وهم السؤال الذين يتكففون الناس ويتعيشون منهم.
فأما أهل الدولة، فهم سلاطين المماليك، والأمراء وأتباعهم من جند المماليك، والوزراء، والكتاب، وأرباب السلطنة، وأحيانًا ينضم إليهم القضاة.
وقد فاز أبناء الطبقة الأولى بكل شيء وشاركهم التجارة وأثرياء الناس، ولم يدعوا لغيرهم من سائر الناس سوى ما يتصدقون به عليهم أو ما يكسبونه من عرق جبينهم، وتظهر في هذا المجتمع سمات الإقطاع العسكري بأجلى مظاهره، فالحق كل الحق في خيرات البلاد وأموالها للعسكر من المماليك، وليس لأحد سواهم حق في شيء من هذا إلا ما يتفضلون به على سبيل الإحسان والبر.
وكانت السلطة في أيديهم، فلم يسمحوا لأحد غيرهم بتوليها طوال عهدهم الذي امتد ما يزيد على ثلاثمائة سنة، وقد اقتنى الملك الصالح نجم الدين أيوب عددًا كثيرًا من المماليك، ففي (تاريخ ابن إياس): "فلما أتم أمره في السلطة، وأطاعه الجند أخذ في أسباب تدبير ملكه، واستكثر من مشترى المماليك حتى ضاقت بهم القاهرة، وصاروا يشوشون على الناس، وينهبون البضائع من الدكاكين، فضج منهم الناس، حتى قال بعض الشعراء:
الصالح المرتضى أيوب أكثر من
ترك بدولته يا شر مجلوب
قد آخذ الله أيوبًا بفعلته فالناس
قد أصبحوا في ضر أيوب

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


فلما بلغ الملك الصالح ذلك؛ بنى قلعة في الروضة، وأسكنهم بها، ولذلك سموا بالمماليك البحرية، ولما دالت دولة هؤلاء المماليك، وجاءت الدولة الثانية سموا بالمماليك البرجية لأنهم كانوا يعيشون في أبراج القلعة.
ولم يقتصر شراء المماليك على الأغراض العسكرية فحسب، بل كان شراؤهم للخدمة وللمتعة، وكانوا يفضلون الأتراك، وكان سلاطين المماليك يحرمون على عامة الشعب أن يتشبهوا بسادتهم في اقتناء هؤلاء المماليك، حتى إن السلطان الناصر منع ذلك منعًا باتًّا، قال المقريزي: "ومن عثر عليه بعد ذلك أن عنده مملوكًا طولع به السلطان، فباع الناس مماليكهم وأخفوا بعضهم".
وكان هؤلاء يدربون على فنون القتال، ويرقون في مناصب الجيش، فيبلغون مراتب الأمراء، والقادة، حتى وصل بعضهم إلى مرتبة مقدمي العسكر.
وأما من ناحية الملابس: فقد كانت ملابس هؤلاء السادة من المماليك مختلفة عن ملابس عامة الشعب، فكان لهم زي مزركش فخم، يميزهم عن عامة الأمة، واحتفظ سلاطين المماليك بالسلطة المطلقة، فلا معقب لآرائهم، ولا معقب لأحاكمهم، ولو شاروا أحد الناس في بعض الأمور وبخاصة من الفقهاء، ومن العلماء، فإن ذلك يعد نافلة أو تطوعًا منهم.
عاش هؤلاء المماليك في نعيم، وفي رفاهية، في قصور تجمع كل أسباب الطرف الترف، يزخرفون سقوفها وحيطانها، ويمونها بالذهب، ويهتمون بنظامها، وبحسن إدارتها، وتضم هذه الدور أماكن للأعمال الرسمية وللاجتماعات وغيرها، كما تضمم هذه الدور غرفًا شتى لزوجات المماليك، وللرقيق الذين كانوا يشترونهم من شتى البلدان.

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


وكان بعض السلاطين يتزوج من التتريات السبايا أو من بنات الملوك، وكان بعض السلاطين يسرفون في ميلهم إلى النساء، كالملك المظفر حاجي الذي أقبل على اللهو، وشغف بالنساء حتى دفع في حظية له مائة ألف دينار.
وكان الملك المنصور محمد يدخل بين نساء الأمراء ويمازحهن، وكان يلعب مع الجواري، ويجري من وراء الحمار بالحوش السلطاني، ويدخل بين النساء، ويبيع الكعك عليهن على سبيل المماجنة، وتلك كانت سمة السلاطين الضعاف من هؤلاء المماليك.
وأما عن نفقاتهم: فقد تفننوا في قضاء أوقات اللهو، وأتقنوا ضروب الملاهي والملاعيب، كانوا يلعبون بالحمام، وكانوا يناقرون الديكة، وكانوا يناطحون بين الكباش، وكانوا يصيدون بالبندق، وكانوا يخرجون في رحلات لصيد الطيور ولصيد الغزلان من صحاري مصر المختلفة، بل كان يحلو لبعضهم أن يحضروا الأوباش ليلعبوا المصارعة بين أيديهم، وكان لبعض السلاطين جوقات من الكلابزية، نسبة إلى كلاب الصيد، كأن الكلمة تجمع بين كلمة كلب وباز، ويسمون بالكلابزية، والمدربين الذين كانوا يعنون بتدريب الكلاب، وبتدريب البازات على عمليات الصيد.
وكان الإسراف والبذخ طابع حياة المماليك وعيشهم في المناسبات وفي الولائم، حتى قال ابن حجر في (الدرر الكامنة) إن المظفر حاجي أنفق على حظية له مائة ألف دينار، وبلغت النفقة على عمل حمام سبعين ألف درهم".
وليس هذا وفقط، بل السلطان الناصر محمد قد نصب سرادقًا عظيمًا غنت فيه ثماني جوقات، ثماني مجموعات من القاهرة، وعشرون جوقة من جوراي السلطان والأمراء في زفاف ابنه، وأعطى كل جوقة من هذه الجوقات خمسمائة دينار ومائة وخمسين قطعة من قماش الحرير.

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


وشاعت الرشاوى، واعترف بها حتى إن ابن تغري بردي يقول: "كان في دولة الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون ديوان يعرف بديوان البذل، أعني ديوان البراطيل -البراطيل: جمع برطيل وهي الرشوة- وشاع ذلك في الأقطار، وصار من له حاجة يأتي إلى صاحب الديوان المذكور، ويبذل له المال أو الرشوة في سبيل الوصول إلى هذه الحاجة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بل بلغ الأمر ببعض هؤلاء الأمراء مثل الأمير سلار الذي تنوقلت الأخبار عن ثرائه، وعن إسرافه في المال، قيل: إنه كان يحمل إليه في كل يوم ألف دينار. وقيل: إنه دخل شونته في عام واحد ستمائة ألف إردب، ووجد في خزانته بعد حبسه ما لا يحصى من المال، ومن الجواهر، ومن فاخر الثياب.
وهكذا تمتع هؤلاء الأمراء بكل شيء، ومنعوا عامة الشعب من أي شيء، بل أشاعوا السخرة، فسخروا الناس في أعمال البناء والعمارة وعمل الجسور وشق الطرق والترع وما إليها، واشتدت هذه السخرة في عهد السلطان الناصر محمد، والناصر حسن، يقول المقريزي في أحداث عام أحد عشر وسبعمائة: "وفيها كثر تسخير الناس للعمل في عمائر السلطان في القلعة، وقبض عليهم من بين القصرين وهم نيام، ومن أبواب الجوامع عند خروجهم من صلاة الصبح، فابتلي الناس من ذلك ببلاء عظيم".
بل يقول: "صارت الناس تؤخذ من المساجد والجوامع في السحر، ومن الأسواق، فتستر الناس في بيوتهم خوفًا من السخرة".

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


وكانت القسوة هي الطابع المميز لهؤلاء الأمراء في تعاملهم مع عامة الشعب، فابتدعوا ألوانًا من التعذيب وأنواعًا لم يسمع قسوة وفظاظة، بل استخدموا السم للتخلص من المنافسين، يدسونه لهم في الطعام والشراب على أيدي الجواري والغلمان، يشترونهم بالمال.
وممن اشتهر بالقسوة منهم "أرغون شاه" نائب دمشق، فقد روى ابن الوردي أنه كان شديد القسوة، مقدمًا على سفك الدماء، قتل بحلب، وسمر عددًا كبير من الناس، وقطع بدويًّا سبع قطع بحضرته، بمجرد الظن، حتى قال فيه ابن الوردي:
عقلت طرفك حتى
أظهرت للناس عقلك
لو كان دهرا يولى
على بني الناس مثلك
وكان مما عرف عندهم من أنواع التعذيب: التسمير، وهو أن يسمر المتهم على خشبة، ويطاف به في الشوارع وينادى عليه: هذا جزاء من فعل كذا وكذا. وكانت تحمى طاسة أي إناء وتوضع على رأس المعذب أو يحمى مقعد، ويجلس المعذب عليه، أو يضرب بالوتد في أذنه، أو يدق القصب في أظفاره.
وعذبوا بالسلخ وبالعصر وبالتكليل، وبفقء الأعين بالأسياخ المحماة، وما إلى ذلك، وهذا كله دليل على ألوان من الفساد التي عمت في الزمن المملوكي، وبخاصة لدى الحكام الضعفاء.

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


أما عن رجال الدين: من أصحاب الوظائف التي ترعى أمور الناس الدينية، وتقوم على القضاء، وعلى الخطابة، وعلى النظر في أمور الأوقاف، وعلى التدريس فقد عدهم المقريزي من الطبقة الخامسة، وكان الخليفة والقضاة وأرباب الأقلام والعلماء جميعًا يلبسون العمائم الكبيرة التي تتناسب في حجمها مع مركز صاحبها، فكلما ضخمت هذه العمامة، وكلما زاد حجمها دل ذلك على مدى أهمية ذلك الرجل، ومدى رفاهيته.
وليس هذا وفقط، بل كان هؤلاء المماليك لا يهتمون بعلماء الدين الاهتمام اللائق بهم، اللهم إلا العلماء الذين يقومون بدور مهم في مساجد حساسة، كالخطابة في الجامع الأموي بدمشق، كانت مثارًا للتنافس بين كبار العلماء والفقهاء، فقد تنازعها كثيرون من أمثال تقي الدين السبكي وابن الجلال القزويني وما إلى ذلك.
وأما عن التجار: فقد وضعهم المقريزي في الدرجة الثالثة من تقسيمه السباعي، وألحق بهم أصحاب الحرف، وأصحاب الصناعات الصغيرة والعطارين والكحالين والوراقين والجزارين وغيرهم، وقد نبغ من هؤلاء علماء وشعراء، مثل: سراج الدين الوراق، أحد الشعراء الذين نبغوا، وهم كانوا يعملون بمهنة الوراقة، وقد قال موريًا في بيتين مشهورين له:
واخجلتي وصحائف مسودة
وصحائف الأبرار في إشراق
وتوقفي لموبخ لي قائل
أكذا تكون صحائف الوراق

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


فكلمة الوراق في ختام البيتين، فيها تورية، المعنى القريب: صحائف الوراق يعني بائع الورق، بائع الورق لا ينبغي أن يكون ورقه رديئًا أو ممزقًا أو ما إلى ذلك، والمعنى البعيد المقصود صحائف الوراق هو سراج الدين الوراق، أبو الحسين الجزار، كان يعمل شاعرًا في بداية الأمر، ثم ترك الشعر، واحترف الجزارة، وقال على سبيل التنكيت:
كيف لا أشكر الجزارة ما
عشت حياتي وأرفض الآداب
وبها صارت الكلاب ترجيني
وبالشعر كنت أرجو الكلاب
أما القسم الرابع من طبقات المقريزي فهم الفلاحون وأصحاب الزراعة: وقد كانوا في بداية الأمر منتعشي الحال حتى انتكسوا بعد ذلك بسبب ما فرض عليهم من الأموال ومن الضرائب، ومن تعنت الجباة والمباشرين والمحصلين لهذه الأموال من أيدي هؤلاء الفلاحين.
وأما أرباب المهن الصغيرة: والأجراء من العمال والخدم وأصحاب المسكنة والذين لا يجدون شيئًا، فقد عاشوا عيشة الكفاف، كما عاش على شاكلتهم طلاب العلم والفقهاء؛ مما جعل كثيرًا من الناس يعزف عن طلب العلم بسبب سوء حال طلبة العلم.
يصف المقريزي حالهم في عهد الناصر محمد فيقول: "إن أحدهم أتته مائة درهم مثلًا، أنفق منها في ضرورياته ما يلزمه على قلة قيمة الدرهم في ذلك الوقت، فلحقهم من أجل ذلك القلة والخصاصة، وساءت أحوالهم".

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


بل هناك طبقة في الدرك الأسفل من هذا التقسيم المقريزي السباعي هي طبقة الزعران أو اللصوص أو الحرافيش: كما سماهم السبكي إذ يقول: وكثير من الحرافيش اتخذوا السؤال صنعة، فيسألون عن غير حاجة، ويقعدون على أبواب المساجد، يشحذون من المصلين، ولا يدخلون للصلاة معهم، وهي ظاهرة ما تزال باقية لدى هذه الطبقة إلى زمان الناس هذا.
وأما عن المرأة: فأول ما نلاحظه أنها لم يظهر لها أثر فعال في الحياة الاجتماعية، اللهم إلا أسماء قليلة ظهرت بالنسبة للنساء المشتغلات بالعلم من أمثال زينب بنت مكي، وزينب بنت الكمال التي ذكر ابن حجر أنها روت كثيرًا، وتزاحم عليها الطلبة، وقرءوا عليها الكتب الكبيرة.
ولكن كما وجدت نساء عالمات تقيات يروين الحديث، ويروى عنهن الحديث، بل ويجتمع الطلاب للكتابة عنهن، فقد وجدت نساء فاسقات يعملن بالغناء وباللهو وبالرقص، بل احترفت بعضهن البغاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي عام ٦٥٣ أمر الملك المعز أيبك ألا تخرج امرأة في القاهرة من بيتها، وألا يمشي الرجل بلا سراويل، فقال أبو الحسين الجزار متندرًا:
حنى الملك المعز على الرعايا
وألزمهم قوانين المروة
وصان حريمهم من كل عار
وألبسهم سرابيل الفتوة
وفي عهد الظاهر بيبرس نودي بالقاهرة: أن المرأة لا تتعمم بعمامة، ولا تتزي بزي الرجال؛ لأنه يبدو أن هناك بدعة ظهرت في أن المرأة تلبس ملابس الرجال خلاعة وتهتكًا، وكانت عامة النساء يلبسن خمارًا أو طرحة، كل طرحة بعشرة آلاف دينار، بسبب أنها مشغولة ومطرزة...

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


...بالذهب والياقوت والجواهر الثمينة، وما إلى ذلك. وذكر ابن كثير أن نائب السلطان في دمشق أمر بأن ينادى في البلد بأن النساء يمشين في تستر، ويلبسن إزرهن إلى أسفل من سائر ثيابهن، ولا يظهرن زينة أبدًا. قال ابن كثير: "فافتعلن ذلك ولله الحمد والمنة".
فالمرأة كانت منهن الصالحات، ومنهن غير ذلك.
وأما عن الطعام والشراب: وهما من المظاهر الاجتماعية المهمة التي كان لها أثرها في الأدب، فقد أنفق عليها المصريون والشاميون الأموال الطائلة؛ متأثرين في هذا بالفاطميين، وكان لدى أثريائهم في القصور طباخون مدربون، ورثوهم عن المطبخ الفاطمي، وقد تدربوا على أيدي الحذاق حتى تخرجوا في قصورهم، ومما اشتهر من المآكل العامة في مصر الفول المدمس الذي لا يزال شائعًا إلى زمان الناس هذا يقبل عليه الناس في إفطارهم، يقول بدر الدين بن الصاحب في مليح يطوف بالفول من أجل أن يبيعه للناس:
أنا ابن الذي بالليل تسطع ناره
كثير رماد القدر للعبء يحمل
يدور بأقداح العوافي على الورى
ويصبح بالخير الكثير يفول
كان العامة يأكلون بأيديهم، وكان الخاصة يستعملون الملاعق، فقال الخيمي في وصف هذه الملاعق:
وممدودة كيد المجتدي
بكف على ساعد مسعدي
ترى بعضها في فمي كاللسان
وجملتها في يدي كاليدي

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


ومن مآكلهم: ألوان الحلوى، والقطائف التي تشرب بشراب التفاح، وبدهن اللوز، وبشراب الليمون، وما إلى ذلك، وكانوا يصنعون ألوانًا من المشروبات الخاصة بهم، منها مشروبات مشروعة، وأخرى غير مشروعة كالخمور، وما إليها.
وأما عن الأعياد: فقد أعاد المماليك الكرة مرة ثانية للاحتفالات الفاطمية بالأعياد التي أشرت إليها في مقدمة المحاضرة، الفاطميون وضعوا للناس ثلاثين عيدًا، وجاء الأيوبيون وأزالوا هذه الأعياد، أو قل: قللوا الاهتمام بهذه الأعياد إلى حد بعيد. أما المماليك فقد اهتموا بها اهتمامًا كبيرًا، وأنفقوا في سبيلها أموالًا عظيمة، بل أحدثوا كثيرًا من الموالد للأولياء والصالحين من وجهة نظرهم، فهناك مولد للسيد البدوي في طنطا، وهناك مولد للشيخ الإمبابي في إمبابة.
قال ابن تغري بردي: "وصار هذا الوقت عندهم من جملة النزه، يتواعدون عليه من قبل عمله بأيام، ويتوجهون إليه أفواجًا، وكأن هؤلاء يقصدون دينًا ولا صلاة ولا تبركًا، وما إلى ذلك، وإنما كانوا يقصدون اللهو والنزه.
فأعاد المماليك يوم النيروز حتى صار من أجل المواسم بالديار المصرية، وهو عيد فارسي كما نعلم، وكان المغنون والمغنيات والفساق يقومون بأعمال منكرة في هذه الأعياد، بل أعادوا الاحتفالات بأعياد النصارى، يقول المقريزي: "وأدركنا الميلاد بالقاهرة -عيد الميلاد- ومصر وسائر إقليم مصر موسمًا جليلًا، يباع فيه من الشموع المزهرة بالأصباغ المليحة والتماثيل البديعة بأموال لا تنحصر، فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى يشتري من ذلك لأولاده وأهله، وكانوا يسمونها الفوانيس، واحدها فانوس ويعلقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئًا يخرج عن الحد في الكثرة وفي الملاحة".

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


وأما عن المتنزهات في زمن المماليك: فكانت مصر -والقاهرة على سبيل التحديد- عامرة بأماكن النزهة، كبركة الحبش، وبركة الفيل، وبركة الرطلي، وكانت هذه الأماكن تمتلئ بالماء، ويعكف الناس حولها بألوان المنكرات والمسكرات، وكانت النساء الفاجرات يأتين إلى هذه البرك وكأنها حمامات السباحة في زماننا هذا، ويختلطن بالرجال من غير إنكار عليهن. يقول أحد الشعراء في وصف بركة الفيل:
انظر إلى بركة الفيل التي
اكتنفت بها المناظر كالأهداب بالبصر
كأنما هي والأبصار ترمقها
كواكب قد أداروها على القمر
ومن المنازه أيضًا أرض الطبالة، وكانت من أحسن متنزهات القاهرة، يقول فيها أحد الشعراء:
إلى طبالة يعزون أرضًا لها
من سندس الرياح بسط
وكتب الشقيق بها سطورًا
وأحسن شكلها للطل نقط
رياض كالعرائس حين تجلى
يزين وجهها تاج وقرط
وإلى جانب هذا وجدت مفاسد اجتماعية خطيرة، أشار إليها عدد من المؤرخين، منها الخلاعة والتهتك، وانتشار البغايا، وانتشار الخمر، وانتشار اللواط، وما إلى ذلك.

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


الخلفاء الأقوياء كانوا يمنعون هذا: الظاهر بيبرس على سبيل المثال، ذلك الرجل الديّن الصوام القوام اشتد على أهل البطالة والفساد من العواهر والشذاذ ومدمني الحشيش، وشاربي الخمر في سنوات حكمه، حتى قال المقريزي في كتابه (السلوك): "إن السلطان بيبرس أراق الخمور، وعف آثار المنكرات، ومنع الخواطي من الخانات بجميع أقطار المملكة بمصر والشام، وطهر البقاع من رجسهم".
وفشا في الناس شرب الخمر، ولكن المماليك الكبار المجاهدون كانوا يمنعون ذلك منعًا قاطعًا، الظاهر بيبرس كان من هؤلاء الكبار، حتى إنه شاهد رجلًا يسمى الكازوني، وهو سكران، ورأى أنه منكر لما هو معلوم من الدين بالضرورة ومجترأ على حرمات الله، ويفعل ذلك مجاهرة دون خوف، فأمر بقتله وصلبه، حتى قال أحد الشعراء:
لقد كان حد السكر من قبل صلبه
خفيف الأذى إذا كان في شرعنا جلدا
فلما بدا المصلوب قلت لصاحبي
ألا تب فإن الحد قد جاوز الحدا
وقال شاعر آخر:
ليس لإبليس عندنا أرب
غير بلاد الأمير مأواه
حرمته الخمر والحشيش معا
حرمته ماءه ومرعاه

٢.١ العوامل المؤثرة في الأدب في تلك الفترة


وقال أبو الحسين الجزار:
قد عطل الكوب من حبابه
وأخلي الثغر من رضابه
وأصبح الشيخ وهو يبكي
على الذي فات من شبابه
وهكذا كان الحكام من المماليك الأقوياء المجاهدين -وعلى قمتهم الظاهر بيبرس- يراقبون شريعة الله -سبحانه وتعالى- ويحفظون حدوده، ويمنعون أي تجاوز من تلك التجاوزات الاجتماعية الخطيرة التي سقط فيها أصحاب اللهو، وأصحاب الخلاعة وأصحاب المجون.
في العصر العثماني: استنزف العثمانيون ثروات البلاد، ونهبوهم أعسف نهب، وابتزوا أموالهم أسوأ ابتزاز، مما جعل الفلاحين يفرون من القرى إلى الجبال، ويتنازلون عن أملاكهم، ويفضلون أن يعيشوا فقراء على معيشة هذه الحرية التعيسة المنتكسة، ومن ثم سقطت الصناعة كما سقطت التجارة في مصر وفي الشام، وعم الكساد، بل عم البؤس والظلم والخراب والفوضى الإدارية في زمن العثمانيين حتى بداية القرن الثامن عشر الميلادي.