١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


نهاية حكم الفاطميين في مصر والشام
مما لا شك فيه أن الأدب والأديب يتأثران بالحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية؛ فالأديب ابن طبيعي لبيئته، ومن ثَمّ يتلون أدبه بلون حياتها، وقد قال العرب: "الشعر ديوان العرب" فالشعر يتضمن ملامح الحياة العربية، فإذا ما أردنا أن نتعرف أحوال العرب فعلينا أن نولي وجهنا شطر الشعر من أجل أن نتبينها.


١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


أسباب سقوط الخلافة الفاطمية
نظام الحكم الوراثي: والوراثة عند الشيعة نصٌّ ووصية، فكل إمام عليه أن يوصي بالإمام من بعده؛ لأن هذا التعيين ركن من أركان الدين لهم، ومن ثم فإن الفاطميين قد عهدوا بالأمر إلى أناس لا خلاق لهم، منهم: الخليفة الحاكم الذي لم يكن سويًّا عقلًا، ولا نفسًا، قتل كثيرًا من القادة وأصحاب المناصب، وأمر بأن يكتب سبّ: أبي بكر، وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية، وعمرو بن العاص -رضي الله عنهم جميعًا- على أبواب المساجد، وتارة يمنع صلاة التروايح، وتارة يبيحها، وأحيانًا ينهى الناس عن بعض المأكولات، بل رأى منع بيع العنب، وقطع شجره، وأراق في النيل العسل خشية أن تصير نبيذًا، إلى غير ذلك من الأمور التي تدل على خبله وشذوذه، وفساد عقله.
ومن حكام الفاطميين من تولى وعمره سبع سنوات، كالخليفة المستنصر، والخليفة الأفضل الذي تولى وهو صغير، والخليفة الآمر الذي تولى وهو في الخامسة من عمره.

١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


ورأى ما تعيش فيه مصر من اضطراب ووهن، فأرسل أسد الدين شريكوه مع ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي من أجل إعادة الأمن إلى مصر؛ وجاء هذان البطلان إلى مصر ثلاث مرات، في كل مرة يعيدان الأمن إليها ، وبمجرد أن يرجعا إلى الشام تعود الحرب بين الوزيرين، وفي المرة الثالثة التي جاء فيها البطلان قُتِل شاور، فعيّن الخليفة العاضد -آخر الخلفاء الفاطميين- شريكوه وزيرًا له بدلًا مهنما.
وبعد أشهر معدودة حانت منية شريكوه، ولحق بالرفيق الأعلى، فتولى ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي الوزارة.
ولما توفي الخليفة العاضد عام ٥٦٧ هـ رفض صلاح الدين أن يُعيّن أحدًا من أبنائه أو من ذريته خليفة فاطميًّا من بعده، وقطع الخطبة للفاطميين، ودعا للخليفة العباسي المستضيء. وبهذا انتهى حكم الفاطميين في مصر الذي دام ما يزيد على مائتي سنة.

أعمال صنع صلاح الدين
أصلح صلاح الدين ما أفسده الفاطميون؛ أعاد مصر إلى السنة، وأغلق المدارس التي كان المذهب الشيعي يُدَرس فيها، وعلى رأسها الجامع الأزهر، فالأزهر بناه الفاطميون ابتداء من أجل تدريس المذهب الشيعي في الأراضي المصرية، وحط الضرائب عن المصريين، وأعاد العدل، وأعاد الأمن المفقود من زمن.

١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


وتوفي نور الدين محمود الذي كان يحكم في دمشق، وصار الأمر من بعده لابنه الملك الصالح إسماعيل، الذي كان عمره في تلك الفترة إحدى عشرة سنة، وهل ينهض غلام في هذه السن بمقاتلة الصليبيين؟!.
فرأى صلاح الدين ببصيرته أن يبدأ مشروعًا للوحدة العربية، فدخل دمشق، وأماط الملك الصالح إسماعيل عن الحكم هناك، وضمها إلى مصر، وأرسل أخاه "توران شاه" إلى بلاد اليمن، وأخذها من أيدي الفاطميين، وضمها إلى ملكه،وامتد غربًا حتى وصل إلى طرابلس في ليبيا، وإلى قفصة، وإلى غيرها من بلاد المغرب العربي.

الأيوبيون وفتح بيت المقدس
بدأ الحكم الأيوبي عام ٥٦٧ هـ، وبعد ستة عشر عامًا جهز صلاح الدين الجيش لتحرير الأقصى، وكانت معركة "حطين" الفاصلة، في هذا اليوم المشهود قام صلاح الدين بالانتصار الساحق على الصليبين، ثم دخل المسجد الأقصى وأسر عددًا كبيرًا من الصليبيين، فمن شاهد القتلى قال: ما هناك أسير، ومن شاهد الأسرى قال: ما هناك قتيل، وبيع العبد بثلاثة دنانير.
لكن صلاح الدين كان متسامحًا إلى حد بعيد، حتى إن هذه المسألة أخذها عليه المؤرخون غير المسلمين، فقد تسامح مع المهزومين حتى جمعوا فلولهم الهاربة، وجاءهم المدد، وقاموا بالاستيلاء على "عكا" بعد أن نقضوا العهد معه الذي اتفق معهم على أن يسلم المدينة...

١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


...لهم في مقابل حفظ دماء المسلمين المحاصرين فيها لمدة ثلاث سنوات، ولكنهم غدروا بهؤلاء المحاصرين، وقتلوا منهم ثلاثة آلاف بدم بارد، وبعدها مات صلاح الدين في عام تسع وثمانين وخمسمائة.
وبعد وفاة صلاح الدين قسمت مملكته بين أبنائه: العادل في الموصل، والعزيز في مصر، والأفضل في دمشق، وهكذا.
وقد تنازعوا فيما بينهم وتقاتلوا قتالًا مريرًا، بل إن من أبناء صلاح الدين من سلّم القدس للصليبيين مرة ثانية، ومنهم من هدم هذه الأسوار التي أنفق على تشييدها، وأنفق من قبل على تحريرها دماء ذاكية طاهرة، ولذلك لم يتمكن أبناء صلاح الدين على مدار ثمانين سنة من إحراز نصر جديد على الصليبيين، يعيد أمجاد حطين أو يخلص عكا من الصليبيين.
آخر حكام الأيوبيين هو نجم الدين أيوب: الذي حانت منيته ومعركة المنصورة دائرة، معركة المنصورة التي جاء فيها الصليبي "لويس التاسع" ملك فرنسا بجيوشه ووطأت قدماه مصر، وتوغل حتى وصل إلى المنصورة، وهناك مات الملك الصالح، فكتمت زوجته شجرة الدر خبر الوفاة؛ حتى لا يفت ذلك في عضد جنوده، وأرسلت إلى ابنه "توران شاه" الذي كان يتملك ديار بكر في شمال العراق وغيرها من الأماكن،الذي جاء ليكون حاكمًا لمصر، ولكن المماليك ثاروا عليه وقتلوه بسبب سوء معاملته لهم.
وكأن شجرة الدر قد انفردت بالحكم في مصر، فأرسل الخليفة العباسي رسالة إلى المصريين: "إن لم يكن عندكم رجل ليحكمكم فلنبعث لكم برجل من عندنا" فما كان من شجرة الدر التي تزوجت مملوكًا من مماليكها هو عز الدين أيبك، إلا أن تنازلت عن حكم مصر لزوجها التركماني، وبالتالي غربت شمس الدولة الأيوبية، وبدأ حكم المماليك في مصر عام ٦٤٨ هـ.

١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


المماليك والقضاء على التتار
تضطلع المماليك بصد هجمتين شديدتين على بلاد الإسلام؛ الحملات الصليبية الوافدة من الغرب، والهجمات التترية القادمة من الشرق، وشاء الله -عز وجل- أن يجعل مملوكًا من هؤلاء المماليك -هو قطز أن يتولى حكم البلاد.
ولما تولى سيف الدين قطز حكم مصر كان التتار قد دخلوا بغداد، عام ٦٥٦ هـ، وعاثوا فيها فسادًا، وقتلوا من المسلمين في بغداد على أقل تقدير ثمانمائة ألف، ثم دخلوا دمشق، وعاثوا فيها فسادًا، ونكلوا بالمسلمين في بلاد الشام والعراق تنكيلًا ما سمعوا بمثله من قبل، وأرسلوا رسالة إلى قطز من أجل أن يسلم أمر مصر إلى هؤلاء التتار حتى لا يفعلوا بالقاهرة كما فعلوا دمشق وبغداد، ولكن سيف الدين قطز حاربهم في رمضان عام ٦٥٨ هـ في معركة "عين جالوت" التي كسرت التتار كسرة لم تقم لهم قائمة بعدها.
ولكن مات قطز في طريق عودته من عين جالوت، وتولى الظاهر بيبرس، الذي قال عنه ابن الوردي: "كان السلطان الظاهر على قدر من الديانة، وكان ملازمًا للخمس في أوقاتها، وألزم حاشيته بها، وما شرب خمرًا قط، ومنع كل منكر، وكان يحصل من إنكار المنكر في مصر في كل يوم ألف دينار، ولما حج رئي بباب الكعبة محرمًا، يأخذ بأيدي ضعفاء الرعية ليصعدوا وعمل الستور والديباج للكعبة، وهو أول من عمل كسوة الكعبة التي كانت تنقل في حفل بهيج من مصر إلى مكة المكرمة، وظلت هذه السنة قائمة إلى عهد قريب".

١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


لقد حكم الظاهر بيبرس مصر عشرين سنة، تعد من أزهى أيام الحكم المملوكي، واستطاع أن يأخذ أنطاكية من الصليبيين، وهي من أقدم وأحصن القواعد التي أقاموها في بلاد المشرق، وفي يوم فتح أنطاكية أسر الظاهر بيبرس مائة ألف من النصارى.
وظل أحفاد هؤلاء المماليك يجاهدون الصليبين تارة، ويجاهدون التتار أخرى.
قلاوون: هاجم الصليبيين، وهاجم التتار في كل قاعدة لهم في بلاد الإسلام، وحسبه أن ابنه الملك الأشرف خليل بن قلاوون استرد عكا عام ٦٩٠ هـ.
وجاء من بعد قلاوون عدد كبير من الحكام، كان منهم ثمانية من أبناء الناصر محمد بن قلاوون، تولوا الحكم في مصر إحدى وعشرين سنة، وهذا يدل على اضطراب الأمن في البلاد، وأن المسألة لم يعد لها نظام من أجل الصمود والبقاء أمام الصليبيين، وبقايا التتار.
ونشط التتار وعاثوا فسادًا في دمشق، وجاء "تيمور لنك" ثالث قواد التتار الكبار إلى بلاد الشام وعاث في دمشق فسادًا.
وليس معنى ذلك أن جميع المماليك بعد بيبرس، وبعد قلاوون، وبعد الملك الأشرف كانوا من هؤلاء الفاسدين المتناحرين ، فقد ظهر منهم بعض الشجعان، من أمثال "برسباي" الذي استولى على قبرص، وكان القراصنة القبارصة يتعرضون للسفن المصرية، وينهبون ما فيها، فما كان "برسباي" إلا أن جرد حملة قوية، ذهب بها إلى قبرص، وعاد بحاكمها مقيدًا بالأغلال حتى قبل ذلك الحاكم الأرض بين يديه، وتعهد بأن تبقى قبرص تابعة للحكم المصري، وأن يدفع كل سنة عشرين ألف دينار جزية للمسلمين في مصر.

١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


وكان من أعظم سلاطين المماليك السلطان "قايتباي"، الذي حكم قرابة ثلاثين سنة، وسهر على حماية البلاد سهرًا محمودًا.
لكن دبّ الضعف في أوصال الدولة المملوكية: وصار الأمر بعد ذلك إلى "قنصوه الغوري" وكان رجلًا صالحًا، و شاعرًا، وله مجالسه الأدبية، وشعره يدل على ذوق مرهف وحس فنان، وكان طاعنًا في السن، وقد واجه مشكلتين كبيرتين.
اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح: وكان هذا الاكتشاف بمثابة تحول خطير لا في الموازيين التجارية، فقد ضيق الخناق على مصر، وأصبحت لا تجد الأموال التي تحصلها في مقابل انتقال التجارة من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط والعكس عبر أراضيها، وكان مقدمة لتطويق بلاد الإسلام عبر السواحل الممتدة من أول المغرب العربي حتى جزر أندونيسيا وماليزيا والفلبين، ولم يستطع السلطان "قنصوه الغوري" أن ينهض في سبيل درء هذه المفسدة.
أن آخر سلاطين المماليك السلطان "قنصوه الغوري" كان على ولاء وصلح مع إسماعيل الصفوي: حرر السلطان العثماني محمد الفاتح وفتحها تحقيقًا لنبوءة النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي بشر بفتح روميا وبفتح القسطنطينية ونبأ -صلى الله عليه وسلم- بأن مدينة هرقل -القسطنطينية- ستفتح أولًا، وأثنى على الجيش الذي يفتحها وعلى قائد ذلك الجيش.
فتح السلطان محمد الفاتح القسطنطينية عام ٧٥٨ هـ، وبدأ العثمانيون ينشطون لمحاربة الصفويين، هؤلاء الصفويون سفكوا دماء أهل السنة في بغداد مدرارًا ومغزارًا ومكثارًا، ونشروا التشيع في إيران، كانت إيران معقلًا من معاقل السنة قبل حكم هؤلاء الصفويين، ونكلوا بأهل السنة...

١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


...في إيران وفي العراق وفي غيرها من البلاد التي تحت أيديهم، فما كان من السلطان العثماني سليم الأول إلا أن نهض لمحاربة الصفويين، ونكل بهم، وأماط كثيرًا من الظلم الذي فعلوه في بلاد الإسلام.
المشكلة: أن "قنصوه الغوري" كان على ولاء وصلح مع إسماعيل الصفوي، فما كان من السلطان سليم الأول إلا أن صمم على محاربة "قنصوه الغوري" وبالفعل وقعت معركة "مرج دابق" عام ٩٢٢ هـ بين الجيش المصري المملوكي، وبين جيش العثمانيين بقيادة سليم الأول، هزم فيها الجيش المصري هزيمة منكرة، وقتل "قنصوه الغوري" وجاء الأتراك ومعهم مدافعهم التي لم يعرف المصريون لها مثيلًا حتى ذلك الوقت.
وصار الحكم في مصر بعد "قنصوه الغوري" إلى ابنه "طومانباي" فعرض عليه سليم الأول الصلح وأن يترك له مصر، فأبى "طومانباي" فما كان من سليم الأول إلا أن دخل في مصر عام ٩٢٣ هـ، في يوم الجمعة الأولى من شهر المحرم قام بشنق "طومانباي" على باب زويلة، وبالتالي انتهى حكم المماليك في مصر، وبدأنا في مرحلة أخيرة هي مرحلة الحكم العثماني لمصر.

حكم العثمانيين
الدولة العثمانية دولة مجاهدة، كان جهدهم في الحقيقة امتدادًا لجهد الصحابة والتابعين الذين حاولوا فتح القسطنطينية أول مرة على عهد الأمويين، ويكفيهم في ميزان الله أنهم توغلوا في أوربا الصليبية ما توغلوا، وفتحوا للإسلام ما فتحوا من أراض وقلوب، فدخل الناس في...

١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


...الإسلام بعشرات الملايين، ويكفيهم في ميزان الله أنهم حموا العالم الإسلامي من غارات الصليبين خمسة قرون متوالية، فلم يجرؤوا أن يتجهوا مرة أخرى نحو الشرق للاستيلاء على بيت المقدس، كما فعلوا أول مرة حتى زالت الدولة العثمانية من الوجود.
ويكفيهم في ميزان الله أنهم قد منعوا قيام الدولة اليهودية على أرض الإسلام، ولم يتمكن شذاذ الآفاق من التجمع لإقامة دولتهم إلا بعد أن زالت دولة الخلافة من الوجود، كما أن احترامهم للعلم وللعلماء مما يحسب لهم في ميزان الله تعالى.
إن السلطان العثماني قد استغل حالة الوهن التي استشرت في جسم دولة المماليك في مصر والشام وزحف بجيشه الجرار على الشام، والتقى بمماليك المصريين في غير معركة حتى بسط سلطانه على مصر والشام والمغرب : ليبيا وتونس والجزائر باستثناء مراكش ومكة والمدينة.
وقد أضحت هذه الدولة القوية التي لا تغيب الشمس على أراضيها رمزًا لوحدة الأمة الإسلامية وقوتها وحازت اسم الخلافة، وأضحى السلطان العثماني خليفة للمسلمين.
وتوفرت لهذه الدولة أسباب الوهن، ودخلت في مرحلة الشيخوخة، وأطلق المؤرخون عليها اسم الرجل المريض، وباتت عاجزة عن التصدي للأخطار الداخلية والمؤامرات الداخلية، وبدأ الصليبون الإغارة على أطراف الدولة وانتزاع الدول الأوروبية الدول المنخرطة في عقد الخلافة الإسلامية دولة بعد دولة حتى الحرب العالمية الأولى فشهدت وفاة الخلافة العثمانية، واقتسم الحلفاء المنتصرون إرثها.
ووقعت الدول العربية تحت نير الاحتلال الأجنبي، وأعلن رسميًّا نهاية العصر العثماني عام ١٣٥١ هـ، وهو ما يساوي عام ١٩٢٣ م.

١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


مساوئ الحكم العثماني في البلاد الإسلامية أو في البلاد العربية وتحديدًا في مصر والشام:
فقد أذاقوا المصريين ألوان الظلم، وأثقلوا كواهلهم بضرائب فادحة، ونقلوا العلماء وأصحاب المهن من الشام ومصر إلى القسطنطينية ونقلوا نفائس التراث العربي الإسلامي من هذه البقاع إلى إسطنبول وإلى غيرها من مدنهم الكبرى، ولا تزال مخطوطات كثيرة موجودة في هذه البلاد التركية إلى يومنا هذا.
وكان العثمانيون يعينون ولاة من قبلهم على البلاد الإسلامية، وكان الوالي يسمى "الباشا"، وكان لهم ملتزمون، وكان للملتزمين سلطة واسعة على الفلاحين، فهم يعتصرونهم اعتصارًا دون شفقة أو رحمة، والفلاحون يتصببون عرقًا لكي ينعم الملتزم ويؤدي ما عليه من التزامات للخليفة العثماني، وما زال الملتزمون يثقلون كواهل المصريين بالضرائب والإتاوات، ويرهقونهم من أمرهم عسرًا حتى أصبحوا يعانون ما لا يطاق من البؤس والفاقة، وبالتالي كسدت الزراعة في مصر بسبب الضرائب، كما كسدت التجارة بسبب اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح.
وزادت الأمور سوءًا بسبب أن العثمانيين اتبعوا سياسة معينة تقوم على أن يظل الوالي في مصر إلا مدة قليلة قد تكون عامًا، أو أقل وهذا جعلهم لا يشعرون بشيء من الاستقرار، وكأنهم يجيئون ليدخروا لأنفسهم لا لإصلاح الأمور في البلاد.
ويكفي أن نعرف أنه قد حكم مصر حتى مجيء نابليون مائة وخمسون من الولاة حكموا مصر في ثلاثمائة عام.

١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


وكانت الدولة العثمانية قد أخذت تضعف شيئًا فشيئًا حتى إن بعض الولاة فكروا في الاستقلال عن الحكم العثماني، من هؤلاء علي بك الكبير ، وكان من المماليك، خلع الوالي التركي من مصر، وأعلن استقلال مصر عن الدولة العثمانية في عام ١١٨٣، وضرب السكة باسمه، وفتحت جيوشه معظم جزيرة العرب، ونادى به شريف مكة سلطان مصر وخاقان البحرين، بل أرسل محمد بك أبو الدهب لفتح سوريا، وفتحت له دمشق أبوابها، وفتحت له مدن كثيرة في الشام أبوابها.
غير أن الباب العالي العثماني لم يلبث أن استغواه، فقد وعده بالولاية على مصر فانقلب على سلطانه علي بك الكبير، ونشبت بين علي بك الكبير وبين محمد بك أبو الدهب حروب سقط في ميدانها علي بك الكبير قتيلًا عام ١١٨٧، وبذلك أضاع محمد بك أبو الدهب على مصر فرصة استقلالها وحريتها.
وظل العثمانيون يعينون من يشاءون ويعزلون من يشاءون حتى جاءت الحملة الفرنسية على مصر، ولما نزلت الحملة الفرنسية، وجاهدها المصريون جهادًا عنيفًا مريرًا على مدار ثلاث سنوات، وأقام نابليون مجالس شورى ألفها من بعض شيوخ الأزهر، وكبار التجار، وكبار الأعيان، وجعل لها النظر في الضرائب وفي شئون الحكم.
لكن المصريين قاوموا الحملة الفرنسية مقاومة باسلة حتى اضطروها إلى مبارحة البلاد سريعًا بعد ثلاث سنوات، وهكذا أذكت هذه المسألة في المصريين الشعور بالحرية، والشعور بالنهضة، وبدأت مصر تخط طريقها بقدم راسخة في طريق التقدم والرقي.

١.١ ملامح الحياة السياسية من أواخر العصر الفاطمي حتى نهاية العصر العثماني


الدولة العثمانية دولة لها محاسنها: أهمها: فتح القسطنطينية، ومحاربة الصفويين.
ولها مساوئها: أن الأدب قد انحدر في العصر العثماني انحدارًا لم يسبق له مثيل في تاريخه كله، وما ذاك إلا بسبب سوء سيرة هؤلاء الحكام العثمانيين مع العلماء ومع الشعراء ومع الأدباء.
الدولة العثمانية دولة مجاهدة ناهضة، ولكنها نقلت العلماء، وأذلت العلماء، وفرضت اللغة التركية لغة رسمية للبلاد مما أدى إلى انحدار الأدب العربي.