![]() |
الصعلكة -في جملتها- ظاهرة غير صحية، دعا إليها الإحساس بالفقر، والضيق بالفروق الشاسعة بين الطبقات في المجتمع الجاهلي، والتنكر للفقراء أو السود. |
![]() |
والصعلوك في اللغة: هو الفقير الذي لا مال له يستعين به على أعباء الحياة وتبعاتها، وليس له من يعتد به في مجابهة مشكلاتها، فالفقر محدق به من كل جانب، وأبواب الحياة مغلقة في وجهه، فيبدو -حينئذ- هزيلا ضامرا بين أولئك الأثرياء المنعمين المترفين، وهذا المعنى يؤيده قول حاتم الطائي: |
![]() |
فقد أطلق التصعلك وأراد به الفقر، وقابل بينه وبين الغنى في البيت الأول، وفي بيته الثاني ذكر الفقر مرادفا للتصعلك، مقابلا بينه وبين الغنى. |
![]() |
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي: يستنصر بفقرائهم. |
![]() |
وهذا هو المدلول اللغوي للكلمة، إلا أن هذا المدلول قد ضاق؛ إذ اتسعت دائرة الكلمة فخرجت إلى مدلول آخر هو المدلول الاجتماعي، وهو يعني رد الفعل الذي كان نتيجة الوقوع تحت وطأة هذا الإحساس المرير، والتبرم بالضنك وعدم النصير، والمتمثل في أن هؤلاء الصعاليك هم المغيرون الذين يتجردون للغارات، ويقطعون الطرق، ويمضون فحمة ليلهم في النهب والسلب والإغارة، وهذا يؤيده قول عمرو بن براقة الهمداني: |
![]() |
ويصف تأبط شرا نفسه قائلا: |
![]() |
ومن هنا نجد أن مدلول الكلمة اللغوي قد ضاق، فتطور إلى هذا المعنى الاجتماعي، وتبدو سمات هذا التطور في أن بعض اللغويين قد ربط بين الصعاليك وبين الذؤبان -أو الذئاب- من ذلك ما جاء في القاموس المحيط: "وذؤبان العرب: لصوصهم وصعاليكهم"، وفي النهاية لابن الأثير: "يقال لصعاليك العرب ولصوصها: ذؤبان؛ لأنهم كالذئاب". |
![]() |
فقد اتضح -إذن- أن لمادة الكلمة جانبين، أحدهما لغوي، والآخر اجتماعي. |
![]() |
ولعل عقد النقص تلك التي كانت تنيخ بكلاكلها على صدور الصعاليك، والإحساس بالألم والمعاناة، كانت الدافع إلى هذا الاتجاه، فنحن حينما نلقي الضوء عليهم نجدهم إما من الخلعاء الشذاذ الذين تفشت جرائمهم وكثرت جرائرهم، فلفظتهم قبائلهم وخلعتهم، فهاموا على وجوههم لا يلوون، ومن هؤلاء الخلعاء: حاجز الأزدي، وقيس بن الحدادية، وأبو الطمحان القيني -وهو من المخضرمين- أو من الذين نبذهم آباؤهم، وتنكروا لهم فلم يلحقوهم بهم، لا لشيء إلا لأنهم أبناء إماء حبشيات سود، ولسوادهم الذي لحقهم من أمهاتهم؛ ولهذا سماهم العرب ومن على شاكلتهم من السواد: أغربة العرب، ومن هؤلاء المنبوذين: السليك بن السلكة، والشنفرى، وتأبط شرا. |
![]() |
ولعلك تستشعر معي الآلام النفسية التي تختنق منها أنفاس هؤلاء، والمعاناة التي يعانونها كلما تحرك فيهم الشعور بالنقص، وأثر هذه السياط النفسية فيهم. |
![]() |
أما المجموعة الثالثة فليست من أولئك الخلعاء، ولا من أبناء الإماء، وإنما هي مجموعة احترف أفرادها الصعلكة وامتهنوها، مثل عروة بن الورد العبسي، والذي كان يلقب بعروة الصعاليك؛ لأنه كان يقوم بأمرهم ويأوي العاجزين منهم والذين أخفقوا في السلب والنهب، وكان يقسم فيهم ماله؛ رغبة في العدالة الاجتماعية والتوازن الاقتصادي، وفيه يقول عبد الملك بن مروان: من زعم أن حاتمًا أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد. وكان يقول أيضا: ما سرني أن أحدا من العرب ولدني ممن لم يلدني إلا عروة بن الورد؛ لقوله: |
![]() |
فعروة -إذن- كان ينزع منزعا إنسانيا نبيلا، ويعبر عن مغزى كريم رفيع، يصور هذا عروة في قوله يخاطب صعاليكه: |
![]() |
فقد رسم هنا صورة نفسية متكاملة، تجلت في هذه الأم التي وهبت وليدها حياتها وتعهدته، حتى إذا ما استوى عوده وتم شبابه تزوج، فغلبت الزوجة الأم على ابنها، فانكبت تبكي وتولول، وفي النهاية لا تملك إلا التجمل بالصبر، فعروة -كما يقرر- هو الإنسان الذي وهب حياته للعمل من أجل تلك العناصر الضعيفة في مجتمعه، وجعل من نفسه أبا للصعاليك، وها هو يقول: |
![]() |
إلا أن الصعاليك لم يكونوا جميعا على هذا المستوى من الخلق الرفيع والنزوع الإنساني السامي؛ فقد كان منهم الفاتك الفاجر الذي لا يتورع عن سفك الدماء دون وازع، أجل! لقد كانت حركة الصعلكة في جانب من جوانبها دموية، متمردة على الأعراف والقيم. |
![]() |
أثرت في هؤلاء عوامل، كان من أبرزها الفقر؛ فالصعاليك جميعا فقراء، ولا يشذ عن هذه القاعدة واحد منهم، حتى ولو كان سيدهم عروة، فقد كان يشكو الفقر والفاقة والعوز، ويكثر في شعره ذكر فقره، وما يعانيه من حرمان ومسغبة، وما يتكبده في سبيل الغنى، كقوله: |
![]() |
والجوع مطية من مطايا الفقر الذي استبد بحياة هؤلاء الصعاليك، وهو أوجع وأقسى ما يحمله الفقر إلى جسد الفقير؛ لأن الطعام ضرورة حيوية أولى يتطلبها الجسم، ويكون بها البقاء أو الحياة، وبدونه يكون الصراع بين الحياة والموت، فليس غريبا أن يكون الجوع دافعا إلى الصعلكة. |
![]() |
وقد قرر علماء الاجتماع أن الجوع أول الدوافع المسيطرة على حياة الإنسان، وليس ذلك بدعا؛ فقد كان من العرب من يغير على غيره من أجل الحصول على ما يقيم أوده، يقول الشنفرى في لاميته: |
![]() |
ومن هنا نستطيع أن نقرر أن الصعاليك قد كوّنتهم -أو طحنتهم- مؤثرات كثيرة من أبرزها الفقر، الذي كان عاملا مشتركا بينهم جميعا، وأن هؤلاء الفقراء قد برموا بالفقر وضاقوا بالحرمان، فحقدوا على الأغنياء -وبخاصة البخلاء- فقد كانت نفوسهم تموج بثورة عارمة على الأغنياء الأشحاء، فنقموا عليهم وثاروا على النظام المالي وعدم توازنه. |
![]() |
وقد طحنهم -إلى جانب الفقر- إهدار آدميتهم وهوان أمرهم في مجتمعهم، ذلك الذي ظلمهم ولطمهم وحرمهم مما يطمح إليه كل فرد من عدالة اجتماعية، ففي أخبار الشنفرى أن قومه قتلوا رجلا في خفرة بعض الفهميين، فرهنوهم الشنفرى وأمه وأخاه، وأسلموهم ولم يفدوهم، فراحوا -لهذا وذاك- ينفسون عن أنفسهم بسلب ما حرموه عنوة، واغتصاب حقهم في مال الأغنياء اقتدارا، وبثهم الرعب والفزع في صفوف الأغنياء، ووجدوا راحة نفسية وسعادة لا تعدلها سعادة في ثأرهم -لأنفسهم ولمن هم على شاكلتهم من الفقراء المنبوذين- من ذوي اليسار والغنى -أو ظالميهم- وهذا ما يصوره الشنفرى حين ثأر من واتريه -بني سلامان- في قوله: |
| والكلمة على هذا قد اتسعت دائرتها، فشملت -بالإضافة إلى ما سبق- هذه الجوانب النفسية وأبعادها. |
![]() |
شعر الصعاليك يمثل حياتهم وأحوالهم ونفوسهم من جميع الوجوه خير تصوير، إذ تتردد فيه صيحات الفقر والجوع والمسغبة، والتغني بالمغامرات تغني المؤمن بقيمتها في حياته، الفخور ببطولته فيها، يقول عروة في مدح الصعلوك المغامر: |
![]() |
وقد أكثر هؤلاء الذؤبان -من قطاع الطرق وقراصنة الصحراء- من التيه والإعجاب بمغامراتهم، وبمقدرتهم على النجاة من الأخطار والمآزق والشراك التي تنصب لهم، يصور هذا قول السليك في مقطوعة له عقب مغامرة: |
![]() |
وقول تأبط شرا في مقطوعة له، تصور نفسه أدق تصوير: |
![]() |
ويتمدحون -أيضا- بالكرم والترفع، والبر بالأهل والأقارب، كما في قول خراش الهذلي: |
![]() |
وقول عروة الصعاليك: |
![]() |
وكانوا كثيرا ما يتوعدون ويهددون، على غرار قول عروة بن الورد: |
![]() |
"فهو يصرح أنه لن يكف عن المغامرة، ومعه جماعة من الصعاليك الفرسان، حتى يحقق أهدافه أو يعذر نفسه". |
![]() |
والصعاليك بعد هذا كله يلحون باللائمة على أقوامهم الذين نبذوهم، وصبوا عليهم جام سخطهم وخلعوهم -ولعلهم بهذا يقدمون المعاذير على ما يصنعون، أو يحنون إلى بيئاتهم، فيذكرون أفرادها بما اقترفوا في حقهم؛ أملا في أن يعودوا إلى الصواب ويعيدوهم- من مثل قول قيس بن الحدادية: |
![]() |
وقول أبي الطمحان القيني، الذي يعلن فيه أنه نسي أهله في جوار من استجار بهم بعد خلعه: |
![]() |
أن هذا الشعر لا يعدو أن يكون -في معظمه- مقطوعات لا قصائد، إذ إن الباحث في هذا الشعر يجد أن المقطوعة ذائعة فيه أكثر من ذيوع القصيدة، ولعل مرد ذلك إلى طبيعة حياتهم، تلك التي لا تعرف الاستقرار أو الطمأنينة، ولا تؤهلهم ليفرغوا للفن؛ ليطولوا ويعيدوا النظر فيه ويجودوه، كما كان يفعل الشعراء القبليون من أمثال: زهير وأوس بن حجر والنابغة والأعشى. |
![]() |
وواقع الصعاليك يثبت أنهم ليسوا في حاجة -من قريب أو بعيد- إلى التنقيح والاستطراد، فهم ذوو خفة وسرعة واختلاس، لم يألفوا التمهل والتروي، فالشاعر الصعلوك ينفعل ويأتي رد الفعل المباشر في مقطوعة تعبر عن الموقف الذي أثار انفعاله. |
![]() |
وكأن القصيدة لم تسعفهم، أو تحقق لهم ما يصبون إليه من التعبير المباشر عن الفكرة الملحة التي تضغط على مشاعرهم وعواطفهم. |
![]() |
وإن التفسير الواقعي يثبت هذا، فما شعرهم إلا صدى لحياتهم القلقة المضطربة المحفوفة بالمخاطر. |
![]() |
تبرز في هذا الشعر: الوحدة الموضوعية، فمقطوعاته لم تخرج عن إطار الموضوع الواحد، بحيث يتسنى للباحث أن يضع عنوانا لكل مقطوعة، مطابقا لموضوعها تمام المطابقة، وهذا يتعذر في الشعر الجاهلي القبلي؛ لأن قصيدته رحلة تبدأ بالغزل أو الطلل، وتظل تنتقل من موضوع إلى موضوع حتى تصل إلى نهاية الرحلة، ولا يستجاد الشاعر الجاهلي أو يمدح ما لم يلتزم بهذه المقاييس الفنية. |
![]() |
وجدير بالذكر أن نشير إلى أن قصائد الصعاليك نفسها لم تشذ عن ظاهرة الوحدة الموضوعية -شأنها في ذلك شأن المقطوعات- فهي إن تعددت أغراضها، إلا أنها غالبا ما ترجع إلى أصل موضوعي واحد، ومن ثم فلم يحفل هذا الشعر بالمقدمة التقليدية الطللية التي عرفت عند شعراء الجاهلية، فليس فيه غزل، ولا بكاء ديار، ولا وقوف على أطلال، وكيف يتأنى هذا ممن يقضي نهاره مترقبا، وليله متربصا، لا يستقر في مقام، ولا يقر له قرار؟ |
![]() |
لا يحرص الصعاليك على التقفية في بداية مقطوعاتهم أو قصائدهم، ولعل مرد هذه الظاهرة إلى تلك الثورة العارمة التي كانت تموج بها نفوسهم، وتغلي منها أفئدتهم، على مجتمعهم وأوضاعه من جانب، وإلى ذلك الانطلاق الذي كانوا يعيشون فيه من جانب آخر، فمن الممكن أن تكون تلك الثورة وذلك الانطلاق قد أثرا -عن طريق العقل الباطن، أو اللاشعور- في نتاجهم الأدبي، فجاء شعرهم ثائرا على السمات الفنية في الشعر الجاهلي القبلي، غير مقيد في أوضاعه الفنية. |
![]() |
وكان الصعاليك قد صرخوا في وجه قبائلهم، وصرخ شعرهم -تبعا لهم- في وجه شعر هذه القبائل، وكأنهم من زاوية أخرى قد اختطوا لأنفسهم طريقا في الشعر، كما اختطوا لأنفسهم طريقا في الحياة!! |
![]() |
موسيقى هذا الشعر لا تخرج عن موسيقى الشعر الجاهلي، فقد استعملوا البحور التي ترددت فيها أنغام الشعر الجاهلي، فلم يشذوا عن الأوزان، ولم يندوا عن القوافي، غير أنهم قد أكثروا من الرجز وخاصة قبيل مصارعهم، فالناظر في شعر الصعاليك الذي قيل قبيل مصارعهم يجد أن معظمه من بحر الرجز. |
![]() |
ولعل سر ذلك يرجع إلى طواعية هذا اللون الشعري إلى الارتجال، وسهولة هذا الوزن وسيرورته -وشعبيته- وإلى ملاءمته لحركات القتال ومنازلة الأبطال. |
![]() |
وبعد، فإن شعر الصعاليك يصور لونا من ألوان الحياة العربية، ويسجل أعمالهم ونفسياتهم وخواطرهم بكل لمحة وكل خاطرة، ويظل لونا متميزا من ألوان الشعر الجاهلي في ارتباطه الوثيق بالبيئة الصحراوية المكانية، التي تعد مصدرا مهما من مصادر صورهم وأخيلتهم ومعجمهم اللفظي، وإليك أبياتا من لامية العرب للشنفرى: |
![]() |
ولا ريب أن كثيرا من أولئكم الصعاليك قد سقط تحت سنابك الخيل، شهيد الفكرة التي خرج وعاش من أجلها، والمبدأ الذي اعتنقه، والذي عبر عنه في الإسلام الأحيمر السعدي حين قال -مقررا مبدأ الصعاليك: |