٤.٢ الشعراء الصعاليك


الصعلكة وأثرها في الشعر

سمدلولها

الصعلكة -في جملتها- ظاهرة غير صحية، دعا إليها الإحساس بالفقر، والضيق بالفروق الشاسعة بين الطبقات في المجتمع الجاهلي، والتنكر للفقراء أو السود.
والصعلوك في اللغة: هو الفقير الذي لا مال له يستعين به على أعباء الحياة وتبعاتها، وليس له من يعتد به في مجابهة مشكلاتها، فالفقر محدق به من كل جانب، وأبواب الحياة مغلقة في وجهه، فيبدو -حينئذ- هزيلا ضامرا بين أولئك الأثرياء المنعمين المترفين، وهذا المعنى يؤيده قول حاتم الطائي:
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى
فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر
فما زادنا بغيا على ذي قرابة
غنانا، ولا أزري بأحسابنا الفقر



٤.٢ الشعراء الصعاليك


فقد أطلق التصعلك وأراد به الفقر، وقابل بينه وبين الغنى في البيت الأول، وفي بيته الثاني ذكر الفقر مرادفا للتصعلك، مقابلا بينه وبين الغنى.
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي: يستنصر بفقرائهم.
وهذا هو المدلول اللغوي للكلمة، إلا أن هذا المدلول قد ضاق؛ إذ اتسعت دائرة الكلمة فخرجت إلى مدلول آخر هو المدلول الاجتماعي، وهو يعني رد الفعل الذي كان نتيجة الوقوع تحت وطأة هذا الإحساس المرير، والتبرم بالضنك وعدم النصير، والمتمثل في أن هؤلاء الصعاليك هم المغيرون الذين يتجردون للغارات، ويقطعون الطرق، ويمضون فحمة ليلهم في النهب والسلب والإغارة، وهذا يؤيده قول عمرو بن براقة الهمداني:
تقول سليمى: لا تعرض لتلفة
وليلك عن ليل الصعاليك نائم
وكيف ينام الليل من جل ماله
حسام كلون الملح أبيض صارم؟!
ألم تعلمي أن الصعاليك نومهم



٤.٢ الشعراء الصعاليك


قليل، إذا نام الخلي المسالم؟!
متى تطلب المال المقنع بالقنا
تعش ماجدا، أو تخترمك المخارم!
ويصف تأبط شرا نفسه قائلا:
قليل غرار النوم، أكبر همه
دم الثأر، أو يلقى كميا مسفعا
يبيت بمغنى الوحش حتى ألفته
ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا

ومن هنا نجد أن مدلول الكلمة اللغوي قد ضاق، فتطور إلى هذا المعنى الاجتماعي، وتبدو سمات هذا التطور في أن بعض اللغويين قد ربط بين الصعاليك وبين الذؤبان -أو الذئاب- من ذلك ما جاء في القاموس المحيط: "وذؤبان العرب: لصوصهم وصعاليكهم"، وفي النهاية لابن الأثير: "يقال لصعاليك العرب ولصوصها: ذؤبان؛ لأنهم كالذئاب".


٤.٢ الشعراء الصعاليك


فقد اتضح -إذن- أن لمادة الكلمة جانبين، أحدهما لغوي، والآخر اجتماعي.
ولعل عقد النقص تلك التي كانت تنيخ بكلاكلها على صدور الصعاليك، والإحساس بالألم والمعاناة، كانت الدافع إلى هذا الاتجاه، فنحن حينما نلقي الضوء عليهم نجدهم إما من الخلعاء الشذاذ الذين تفشت جرائمهم وكثرت جرائرهم، فلفظتهم قبائلهم وخلعتهم، فهاموا على وجوههم لا يلوون، ومن هؤلاء الخلعاء: حاجز الأزدي، وقيس بن الحدادية، وأبو الطمحان القيني -وهو من المخضرمين- أو من الذين نبذهم آباؤهم، وتنكروا لهم فلم يلحقوهم بهم، لا لشيء إلا لأنهم أبناء إماء حبشيات سود، ولسوادهم الذي لحقهم من أمهاتهم؛ ولهذا سماهم العرب ومن على شاكلتهم من السواد: أغربة العرب، ومن هؤلاء المنبوذين: السليك بن السلكة، والشنفرى، وتأبط شرا.
ولعلك تستشعر معي الآلام النفسية التي تختنق منها أنفاس هؤلاء، والمعاناة التي يعانونها كلما تحرك فيهم الشعور بالنقص، وأثر هذه السياط النفسية فيهم.
أما المجموعة الثالثة فليست من أولئك الخلعاء، ولا من أبناء الإماء، وإنما هي مجموعة احترف أفرادها الصعلكة وامتهنوها، مثل عروة بن الورد العبسي، والذي كان يلقب بعروة الصعاليك؛ لأنه كان يقوم بأمرهم ويأوي العاجزين منهم والذين أخفقوا في السلب والنهب، وكان يقسم فيهم ماله؛ رغبة في العدالة الاجتماعية والتوازن الاقتصادي، وفيه يقول عبد الملك بن مروان: من زعم أن حاتمًا أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد. وكان يقول أيضا: ما سرني أن أحدا من العرب ولدني ممن لم يلدني إلا عروة بن الورد؛ لقوله:


٤.٢ الشعراء الصعاليك


إني امرؤ عافي إنائي شركة
وأنت امرؤ عافي إنائك واحد
أتهزأ مني أن سمنت، وأن ترى
على شحوب الحق، والحق جاهد
أفرق جسمي في جسوم كثيرة
وأحسو قراح الماء، والماء بارد

فعروة -إذن- كان ينزع منزعا إنسانيا نبيلا، ويعبر عن مغزى كريم رفيع، يصور هذا عروة في قوله يخاطب صعاليكه:

فإني وإياكم كذي الأم أرهنت
له ماء عينيها تفدي وتحمل
فلما ترجت نفعه وشبابه
أتت دونها أخرى جديد تكحل



٤.٢ الشعراء الصعاليك


فباتت لحد المرفقين كليهما
توحوح مما نابها، وتولول
تخير من أمرين ليسا بغبطة
هو الثكل، إلا أنها قد تجمل

فقد رسم هنا صورة نفسية متكاملة، تجلت في هذه الأم التي وهبت وليدها حياتها وتعهدته، حتى إذا ما استوى عوده وتم شبابه تزوج، فغلبت الزوجة الأم على ابنها، فانكبت تبكي وتولول، وفي النهاية لا تملك إلا التجمل بالصبر، فعروة -كما يقرر- هو الإنسان الذي وهب حياته للعمل من أجل تلك العناصر الضعيفة في مجتمعه، وجعل من نفسه أبا للصعاليك، وها هو يقول:

وسائلة أين الرحيل؟ وسائل
ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه؟
فلا أترك الإخوان ما عشت للردى
كما أنه لا يترك الماء شاربه



٤.٢ الشعراء الصعاليك


إلا أن الصعاليك لم يكونوا جميعا على هذا المستوى من الخلق الرفيع والنزوع الإنساني السامي؛ فقد كان منهم الفاتك الفاجر الذي لا يتورع عن سفك الدماء دون وازع، أجل! لقد كانت حركة الصعلكة في جانب من جوانبها دموية، متمردة على الأعراف والقيم.

أبرز العوامل المؤثرة في الصعاليك

أثرت في هؤلاء عوامل، كان من أبرزها الفقر؛ فالصعاليك جميعا فقراء، ولا يشذ عن هذه القاعدة واحد منهم، حتى ولو كان سيدهم عروة، فقد كان يشكو الفقر والفاقة والعوز، ويكثر في شعره ذكر فقره، وما يعانيه من حرمان ومسغبة، وما يتكبده في سبيل الغنى، كقوله:

ومن يكُ مثلي ذا عيال، ومقترا
من المال؛ يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذرا، أو يصيب رغيبة
ومبلغ نفس عذرها مثل منجح



٤.٢ الشعراء الصعاليك


والجوع مطية من مطايا الفقر الذي استبد بحياة هؤلاء الصعاليك، وهو أوجع وأقسى ما يحمله الفقر إلى جسد الفقير؛ لأن الطعام ضرورة حيوية أولى يتطلبها الجسم، ويكون بها البقاء أو الحياة، وبدونه يكون الصراع بين الحياة والموت، فليس غريبا أن يكون الجوع دافعا إلى الصعلكة.
وقد قرر علماء الاجتماع أن الجوع أول الدوافع المسيطرة على حياة الإنسان، وليس ذلك بدعا؛ فقد كان من العرب من يغير على غيره من أجل الحصول على ما يقيم أوده، يقول الشنفرى في لاميته:

أديم مطال الجوع حتى أميته
وأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
وأستف ترب الأرض؛ كي لا يرى له
علي من الطول امرؤ متطول


٤.٢ الشعراء الصعاليك


ومن هنا نستطيع أن نقرر أن الصعاليك قد كوّنتهم -أو طحنتهم- مؤثرات كثيرة من أبرزها الفقر، الذي كان عاملا مشتركا بينهم جميعا، وأن هؤلاء الفقراء قد برموا بالفقر وضاقوا بالحرمان، فحقدوا على الأغنياء -وبخاصة البخلاء- فقد كانت نفوسهم تموج بثورة عارمة على الأغنياء الأشحاء، فنقموا عليهم وثاروا على النظام المالي وعدم توازنه.
وقد طحنهم -إلى جانب الفقر- إهدار آدميتهم وهوان أمرهم في مجتمعهم، ذلك الذي ظلمهم ولطمهم وحرمهم مما يطمح إليه كل فرد من عدالة اجتماعية، ففي أخبار الشنفرى أن قومه قتلوا رجلا في خفرة بعض الفهميين، فرهنوهم الشنفرى وأمه وأخاه، وأسلموهم ولم يفدوهم، فراحوا -لهذا وذاك- ينفسون عن أنفسهم بسلب ما حرموه عنوة، واغتصاب حقهم في مال الأغنياء اقتدارا، وبثهم الرعب والفزع في صفوف الأغنياء، ووجدوا راحة نفسية وسعادة لا تعدلها سعادة في ثأرهم -لأنفسهم ولمن هم على شاكلتهم من الفقراء المنبوذين- من ذوي اليسار والغنى -أو ظالميهم- وهذا ما يصوره الشنفرى حين ثأر من واتريه -بني سلامان- في قوله:

جزينا سلامان بن مفرج قرضها
بما قدمت أيديهم وأزلّت
وهُنِّي بي قوم، وما إن هنأتهم
وأصبحت في قوم، وليسوا بمنبتي



٤.٢ الشعراء الصعاليك


شفينا بعبد الله بعض غليلنا
وعوف لدى المعدى أوان استهلت
وإني لحلو، إن أريدت حلاوتي
ومر، إذا نفس العزوف استمرت
وهذا لون من شفاء النفس، وتشفيها من هؤلاء الموسرين الظالمين.

والكلمة على هذا قد اتسعت دائرتها، فشملت -بالإضافة إلى ما سبق- هذه الجوانب النفسية وأبعادها.

صفات الصعاليك
اتسم هؤلاء بالشجاعة والصبر عند البأس، وشدة المراس والمضاء، وقوة الشكيمة، وسرعة الحركة والخفة، والخبرة بدروب الصحراء ومجاهل المفاوز، وشدة العدو لدرجة أن أطلق عليهم العداءون، وضرب بهم المثل في ذلك، فيقال: أعدى من السليك، وأعدى من الشنفرى، ويقال: "إن تأبط شرا أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عينين، وكان إذا جاع لم تقم له قائمة، فكان ينظر إلى الظباء، فينتقي على نظره أسمنها، ثم يجري خلفه فلا يفوته، حتى يأخذه فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله"،..


٤.٢ الشعراء الصعاليك


وكانوا يجيدون ركوب الخيل والإغارة عليها؛ ولذلك كان لا يخيفهم التهديد أو الوعيد. وكانت الصعلكة موضع فخارهم؛ لأنها شيمة الشجعان وسمة الأقوياء، وكانت مغامراتهم موطن مباهاتهم، وكان الكرم والأنفة والمحبة أنغاما يتغنون بها، وقد وحد المبدأ صف الصعاليك، وألف الحرمان بينهم.

شعر الصعاليك

الناحية الموضوعية
شعر الصعاليك يمثل حياتهم وأحوالهم ونفوسهم من جميع الوجوه خير تصوير، إذ تتردد فيه صيحات الفقر والجوع والمسغبة، والتغني بالمغامرات تغني المؤمن بقيمتها في حياته، الفخور ببطولته فيها، يقول عروة في مدح الصعلوك المغامر:
ولله صعلوك صحيفة وجهه
كضوء شهاب القابس المتنور
فذلك إن يلق المنية يلقها
حميدا، وإن يستغن يوما فأجدر



٤.٢ الشعراء الصعاليك


وقد أكثر هؤلاء الذؤبان -من قطاع الطرق وقراصنة الصحراء- من التيه والإعجاب بمغامراتهم، وبمقدرتهم على النجاة من الأخطار والمآزق والشراك التي تنصب لهم، يصور هذا قول السليك في مقطوعة له عقب مغامرة:

وما نلتها حتى تصعلكت حقبة
وكدت لأسباب المنية أعرف
وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرني
إذا قمت تغشاني ظلال، فأسدف

وقول تأبط شرا في مقطوعة له، تصور نفسه أدق تصوير:

إذا المرء لم يحتل، وقد جد جده
أضاع وقاسى أمره، وهو مدبر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا
به الخطب، إلا وهو للقصد مبصر



٤.٢ الشعراء الصعاليك


فذاك قريع الدهر ما عاش حول
إذا سد منه منخر جاش منخر

ويتمدحون -أيضا- بالكرم والترفع، والبر بالأهل والأقارب، كما في قول خراش الهذلي:

وإني لأثوي الجوع حتى يملني
فيذهب، لم يدنس ثيابي ولا جرمي
وأغتبق الماء القراح فأنتهي
إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
أردّ شجاع البطن قد تعلمينه
وأوثر غيري من عيالك بالطعم
مخافة أن أحيا برغم وذلة
وللموت خير من حياة على رغم



٤.٢ الشعراء الصعاليك


وقول عروة الصعاليك:
دعيني أطوّف في البلاد لعلني
أفيد غنى فيه لذي الحق محمل

وكانوا كثيرا ما يتوعدون ويهددون، على غرار قول عروة بن الورد:
فإني لمستاف البلاد بسربة
فمبلغ نفسي عذره، أو مطوف


"فهو يصرح أنه لن يكف عن المغامرة، ومعه جماعة من الصعاليك الفرسان، حتى يحقق أهدافه أو يعذر نفسه".
والصعاليك بعد هذا كله يلحون باللائمة على أقوامهم الذين نبذوهم، وصبوا عليهم جام سخطهم وخلعوهم -ولعلهم بهذا يقدمون المعاذير على ما يصنعون، أو يحنون إلى بيئاتهم، فيذكرون أفرادها بما اقترفوا في حقهم؛ أملا في أن يعودوا إلى الصواب ويعيدوهم- من مثل قول قيس بن الحدادية:


٤.٢ الشعراء الصعاليك


جزى الله خيرا عن خليع مطرد
رجالا حموه آل عمرو بن خالد

وقول أبي الطمحان القيني، الذي يعلن فيه أنه نسي أهله في جوار من استجار بهم بعد خلعه:

وقد عرفت كلابهم ثيابي
بعد، كأني منهم ونسيت أهلي

الخصائص الفنية
هذه الناحية تتضح في شعر الصعاليك في مناحٍ كثيرة، منها:

أن هذا الشعر لا يعدو أن يكون -في معظمه- مقطوعات لا قصائد، إذ إن الباحث في هذا الشعر يجد أن المقطوعة ذائعة فيه أكثر من ذيوع القصيدة، ولعل مرد ذلك إلى طبيعة حياتهم، تلك التي لا تعرف الاستقرار أو الطمأنينة، ولا تؤهلهم ليفرغوا للفن؛ ليطولوا ويعيدوا النظر فيه ويجودوه، كما كان يفعل الشعراء القبليون من أمثال: زهير وأوس بن حجر والنابغة والأعشى.


٤.٢ الشعراء الصعاليك


وواقع الصعاليك يثبت أنهم ليسوا في حاجة -من قريب أو بعيد- إلى التنقيح والاستطراد، فهم ذوو خفة وسرعة واختلاس، لم يألفوا التمهل والتروي، فالشاعر الصعلوك ينفعل ويأتي رد الفعل المباشر في مقطوعة تعبر عن الموقف الذي أثار انفعاله.
وكأن القصيدة لم تسعفهم، أو تحقق لهم ما يصبون إليه من التعبير المباشر عن الفكرة الملحة التي تضغط على مشاعرهم وعواطفهم.
وإن التفسير الواقعي يثبت هذا، فما شعرهم إلا صدى لحياتهم القلقة المضطربة المحفوفة بالمخاطر.
تبرز في هذا الشعر: الوحدة الموضوعية، فمقطوعاته لم تخرج عن إطار الموضوع الواحد، بحيث يتسنى للباحث أن يضع عنوانا لكل مقطوعة، مطابقا لموضوعها تمام المطابقة، وهذا يتعذر في الشعر الجاهلي القبلي؛ لأن قصيدته رحلة تبدأ بالغزل أو الطلل، وتظل تنتقل من موضوع إلى موضوع حتى تصل إلى نهاية الرحلة، ولا يستجاد الشاعر الجاهلي أو يمدح ما لم يلتزم بهذه المقاييس الفنية.
وجدير بالذكر أن نشير إلى أن قصائد الصعاليك نفسها لم تشذ عن ظاهرة الوحدة الموضوعية -شأنها في ذلك شأن المقطوعات- فهي إن تعددت أغراضها، إلا أنها غالبا ما ترجع إلى أصل موضوعي واحد، ومن ثم فلم يحفل هذا الشعر بالمقدمة التقليدية الطللية التي عرفت عند شعراء الجاهلية، فليس فيه غزل، ولا بكاء ديار، ولا وقوف على أطلال، وكيف يتأنى هذا ممن يقضي نهاره مترقبا، وليله متربصا، لا يستقر في مقام، ولا يقر له قرار؟


٤.٢ الشعراء الصعاليك


لا يحرص الصعاليك على التقفية في بداية مقطوعاتهم أو قصائدهم، ولعل مرد هذه الظاهرة إلى تلك الثورة العارمة التي كانت تموج بها نفوسهم، وتغلي منها أفئدتهم، على مجتمعهم وأوضاعه من جانب، وإلى ذلك الانطلاق الذي كانوا يعيشون فيه من جانب آخر، فمن الممكن أن تكون تلك الثورة وذلك الانطلاق قد أثرا -عن طريق العقل الباطن، أو اللاشعور- في نتاجهم الأدبي، فجاء شعرهم ثائرا على السمات الفنية في الشعر الجاهلي القبلي، غير مقيد في أوضاعه الفنية.
وكان الصعاليك قد صرخوا في وجه قبائلهم، وصرخ شعرهم -تبعا لهم- في وجه شعر هذه القبائل، وكأنهم من زاوية أخرى قد اختطوا لأنفسهم طريقا في الشعر، كما اختطوا لأنفسهم طريقا في الحياة!!
موسيقى هذا الشعر لا تخرج عن موسيقى الشعر الجاهلي، فقد استعملوا البحور التي ترددت فيها أنغام الشعر الجاهلي، فلم يشذوا عن الأوزان، ولم يندوا عن القوافي، غير أنهم قد أكثروا من الرجز وخاصة قبيل مصارعهم، فالناظر في شعر الصعاليك الذي قيل قبيل مصارعهم يجد أن معظمه من بحر الرجز.
ولعل سر ذلك يرجع إلى طواعية هذا اللون الشعري إلى الارتجال، وسهولة هذا الوزن وسيرورته -وشعبيته- وإلى ملاءمته لحركات القتال ومنازلة الأبطال.


٤.٢ الشعراء الصعاليك


وبعد، فإن شعر الصعاليك يصور لونا من ألوان الحياة العربية، ويسجل أعمالهم ونفسياتهم وخواطرهم بكل لمحة وكل خاطرة، ويظل لونا متميزا من ألوان الشعر الجاهلي في ارتباطه الوثيق بالبيئة الصحراوية المكانية، التي تعد مصدرا مهما من مصادر صورهم وأخيلتهم ومعجمهم اللفظي، وإليك أبياتا من لامية العرب للشنفرى:

أقيموا بني أمي صدور مطيكم
فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حُمّت الحاجات، والليل مقمر
وشُدّت لطيات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
وفيه لمن خاف القلى متعزل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ
سرى راغبا، أو راهبا وهو يعقل



٤.٢ الشعراء الصعاليك


ولي دونكم أهلون سيد عملس
وأرقطه زهلول، وعرفاء جيئل
هم الأهل لا مستودع السر ذائع
لديهم، ولا الجاني بما جرّ يخذل

ولا ريب أن كثيرا من أولئكم الصعاليك قد سقط تحت سنابك الخيل، شهيد الفكرة التي خرج وعاش من أجلها، والمبدأ الذي اعتنقه، والذي عبر عنه في الإسلام الأحيمر السعدي حين قال -مقررا مبدأ الصعاليك:

وإني لأستحيي من الله أن أرى
أجرر حبلا ليس فيه بعير
وأن أسأل النذل البخيل بعيره
وبعران ربي في البلاد كثير
عوى الذئب، فاستأنست بالذئب إذ عوى
وصوت إنسان فكدت أطير