٤.١ مصطلح "عبيد الشعر"، ومدلوله
 |
اهتم العرب في جاهليتهم بالشعر، وقد شمل الشعر ذكر المفاخر ووصف المعارك وتسجيل الحوادث، حتى أصبح خليقا بأن يطلق عليه "ديوان العرب" وسجلهم الحافظ لأيامهم وأخبارهم وتاريخهم، وقد اقتضى ذلك أن تنشد الأشعار في المحافل والمجتمعات، ومن ثم شرع الشعراء يؤمّون الأسواق الخاصة منها والعامة على السواء؛ ليذيع كل منهم محامد قومه وفضائلهم من جهة، وليدل على براعته الفنية وقوة شاعريته من جهة أخرى. |
 |
ولقد كان لعرب الجاهلية أسواق تجارية يعرضون فيها سلعهم وتجارتهم، ثم اتخذوا منها مواسم أدبية، ومنتديات لشعرائهم وخطبائهم، وحلقات لمفاخراتهم ومنافراتهم، وميادين لتهذيب اللغة وتقويم المنطق وسموّ البيان؛ لاجتماع الأقوام فيها، فقد كانت موئلا يغشاها العرب من كل صوب وحدب، على اختلاف طبقاتهم وثقافاتهم؛ ليشهدوا منافع لهم، ويتناشدوا الأشعار، ويذيعوا الخطب، ويتحاكموا في خصوماتهم، ويتفادوا الأسرى، ويعقدوا الصلح، ويتفاخروا بالأحساب والأمجاد والمناقب. |
 |
وكانت هذه الأسواق صغيرة وكبيرة، فالصغيرة تنتشر في الأحياء، وكانت أسبوعية أو شهرية، وأما الكبيرة فكانت مؤقتة بوقت، واشتهر من هذه الأسواق ثلاث: ذو المجاز، والمجنة، وعكاظ، وهي أشهر الأسواق، وكان العرب إذا فرغوا من سوق انتقلوا إلى الأخرى، فكانوا يأتون عكاظ -وهي موضع نخلة والطائف شرق مكة- وكانت تبدأ مع مطلع هلال ذي القعدة وتستمر عشرين يوما منه، ثم ينتقلون منها إلى المجنة -وهي موضع قرب مكة بمر الظهران- ثم إلى ذي المجاز -وهي على بعد فرسخ من عرفة- فيكونون بها إلى أيام الحج،.. |
٤.١ مصطلح "عبيد الشعر"، ومدلوله
|
وكان الأشراف يحضرون الأسواق القريبة من أحيائهم، ولا يحضرون الأسواق البعيدة عنهم إلا عكاظ، فإنهم كانوا جميعا يتوافدون إليها. |
 |
وعكاظ مأخوذة من: تعكظ القوم؛ إذا اجتمعوا لينظروا في أمورهم، وقيل: سميت عكاظ؛ لأن قبائل العرب تجتمع فيها فيتعاكظون، أي: يتفاخرون ويتناشدون.. يقول شاعرهم: |
أوَكلما وردت عكاظ قبيلة
بعثوا إلي عريفهم يتوسم
 |
ومن هنا كانت لهذه السوق شهرة خاصة، وآثار عامة في حياة العرب المادية والأدبية والاجتماعية، وفي عكاظ أنشد عمرو بن كلثوم معلقته، وفيها خطب قسّ بن ساعدة خطبته المشهورة، وقد شهدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على جمل له أورق -ما فيه من بياض إلى سواد- فيُرغّب ويرهب، ويحذر وينذر. |
 |
وكان للنابغة الذبياني قبة حمراء تُضرَب له، يتحاكم إليه فيها الشعراء، وليست قصته مع الأعشى والخنساء وحسان بعازبة عن الشهرة والذيوع، وكان لهذا المؤتمر العام مظهره الحضاري الذي يلح على تجويد المنطق وتقويم اللسان والمبالغة في إتقان الكلام، والاجتهاد في مقاربة العذوبة في لغة قريش. |
٤.١ مصطلح "عبيد الشعر"، ومدلوله
 |
وهكذا دعت الشعراء حياتهم الجاهلية الواعية، والأسماع والأذواق من حولهم، إلى تجويد الشعر وتحكيكه وتنقيحه، والتفوق فيه والسبق والتقدم، فما كانت منتدياتهم وأسواقهم التي كانوا يقيمونها للاستماع والتقويم والنقد، وتكريم المبرزين، وتعليق القصائد التي حازت قصب السبق، إلا بمثابة صوت جهوري ينادي الشعراء بالتجويد، ويدعوهم إلى التهذيب. |
 |
لهذا كله حرص الشعراء على تجويد أشعارهم والتفنن في تحبيرها؛ لينفذوا إلى القلوب، ويستولوا على أقطارها، ويصيبوا المرمى والهدف، إذ إنهم -لا شك- كانوا يتفاوتون في الجودة، يقول الجاحظ: يقولون: أصاب الهدف؛ إذا أصاب الحق في الجملة، ويقولون: أصاب القرطاس؛ إذا كان أجود إصابة من الأول، فإذا قالوا: رمى فأصاب الغرة وعين القرطاس، فهو الذي ليس فوقه أحد. |
 |
ومن هنا أطلق العرب على القصائد التي بذل فيها أصحابها الجهد، ونمقوها وجودوها أسماء تصور مهارتهم وبراعتهم وسبقهم، وتضع أعمالهم في مكانها اللائق بها، من أمثال: الحوليات والمقلدات والمنقحات والمحكمات والمجمهرات واليتيمة، وأطلقوا على الشعراء المجودين أسماء تدل على مقدرتهم الفنية وتفوقهم، من ذلك تسميتهم عدي بن ربيعة: المهلهل؛ لأنه أول من رقق الشعر وحسنه، وإطلاقهم على طفيل الغنوي: المحبر؛ لتحسينه شعره، وعلى النمر بن تولب: الكيس؛ لحسن شعره، وسموا ربيعة بن سعد بن مالك: المرقش؛ لتزيينه شعره وتأنقه في صوغه، وزياد بن معاوية: النابغة؛ لنبوغه في الشعر، وسموا علقمة بن عبدة: الفحل؛ لجودة شعره، وأطلقوا على الأعشى: صناجة العرب؛ لروعة جرسه الموسيقي. |
٤.١ مصطلح "عبيد الشعر"، ومدلوله
 |
وقد ظهرت -تبعا لهذا- كوكبة من الشعراء ذهبوا في تنقيح شعرهم كل مذهب، ولم يدخروا من أجل هذه الغاية جهدا، فكانوا يتروون وينقحون، ويجودون ويحككون، ويثقفون شعرهم ويهذبونه، حتى عرفوا بـ "عبيد الشعر" من أمثال: زهير والنابغة والأعشى، فما استعبد الشعر هؤلاء الأعلام العماليق إلا بفرط ما أرهقهم في التنقيح والتهذيب والتثقيف؛ استجابة إلى نقد أدبي داخلي أو خارجي. |
 |
ومنهم من كانت القصيدة تستغرق في إعدادها وتنسيقها حتى تخرج إلى حيز الوجود حولا كاملا، مثلما كان يصنع زهير؛ ولهذا سميت قصائده بالحوليات، واعتبر الحطيئة "خير الشعر الحولي المحكك". |
 |
إن هذه الجودة الفنية ظلت تحبو حينا، وتسير أحيانا حتى بلغت كمالها على يد زهير، الذي حفلت مدرسته البيانية بالمُثُل الفنية، واحتضنت القيم، وأمعنت في التجويد والتحبير، يقول أبو عبيدة -ويحكي ذلك عن يونس: ومن تكسب بالشعر والتمس به صلات الأشراف والقادة، وجوائز الملوك والسادة، في قصائد السماطين، وبالطوال التي تنشد يوم الحفل؛ لم يجد بدا من صنيع زهير والحطيئة وأشباههما، لقد اهتدى ديوان العرب إلى عيونه المستجادة، وسَحَرَه احورارها، وفتنه حسنها، فأبرزها وجعلها قبالته، ووجدناه يهتاج طربا عندما تميس في دلها ودلالها لتسكب في سمعه شدوا كشدو البلابل بين أفنانها، وتصب في أقداحه الخمر والسحر الحلال، وفي لحاظه الرقة والجمال، فحفل بها ديوان العرب، وسماها تارة "المعلقات"، وأخرى "المنتقيات"، وطورا "المجمهرات"، وروائع شعرنا العربي الجاهلي كُثْر، ومنتخباته لا تعد؛ وإلى البيئة العربية يرجع الفضل، فقد دفعت شاعرها إلى التفوق فتفوق، وإلى السبق فسبق. |