٣.٢ عرض للمعلقات


معلقة امرئ القيس

بدأ امرؤ القيس معلقته بما ضرب بحسنه المثل، وعد أروع المطالع في الشعر العربي، وقيل فيه: "أحسن من قفا نبك"؛ لأنه وقف واستوقف وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل ووصفه وصفًا يهيج الذكرى ويبعث العبرة فقال:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها
لما نسجتها من جنوب وشمال
وقوفا بها صحبي على مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجمل



٣.٢ عرض للمعلقات


ثم أخذ يتحدث عن حبيبته ويوجه إليها الخطاب:
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرك مني أن حبك قاتلي
وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وما ذرفت عيناك إلا لتضر بي
بسهميك في أعشار قلب مقتل

وتحدث عن متعه ولذاته التي كان يقارفها في جرأة وإصرار بقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها
تمتعت من لهوبها غير معجل
تجاوزت أحراسها إليها ومعشرًا
على حراص لو يسرون مقتلي



٣.٢ عرض للمعلقات


ووصفها بالطيب والنعمة فقال:
تصد وتبدي عن أسيل وتتقي
بناظرة من وحش وجرة مطفل
وتضحي فنبت المسك فوق فراشها
نؤوم الضحى لم تنطق عن تفضل

ثم تطرق إلى وصف الليل الذي طال أوله ووسطه وآخره، وأخذ يتوسل إليه أن ينجلي، وإن كان الصبح الذي يعقبه ليس بأمثل منه:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه
وأردف أعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي


٣.٢ عرض للمعلقات


يصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليل كأن نجومه
بِأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْدَلِ

ووصف الفرس وصفًا لم يضارعه فيه شاعر بقوله:
وقد اغتدى والطير في وكناتها
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معًا
كجلمود صخر حطه السيل من عل



٣.٢ عرض للمعلقات


ووصف البرق والمطر وأخذ يسأل صاحبه هل ترى برقا يلمع بين السحاب المتراكم كلمع اليدين تتحركان في سرعة، أو كمصباح راهب أمال الزيت على فتيلته ليزداد ضوؤها ويعم جهات متعددة مترامية، فأيمنه على جبل قطن، وأيسره على جبل الستار ويذبل ويضحي يهطل بالماء حول كتيفة ويكب سيله الأشجار العظيمة رأسًا على عقب، وجعل الطيور وهي المكاكي من شدة سرورهن بصفاء السماء بعد المطر الذي غرقت في أقاصيه السباع، كأنّما شربن رحيقًا مفلفلا:

أصاح ترى برقًا أريك وميضه
كلمح اليدين في حبي مكلل
يضيء سناه أو مصابيح راهب
أمال السليط بالذبال المفتل
على قطن بالشيم أيمن صوبه
وأيسره على الستار فيذبل
فَأَضْحَى يَسُحُّ المَاءَ حَوْلَ كُتَيْفَةٍ
يَكُبُّ عَلَى الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ



٣.٢ عرض للمعلقات


معلقة طرفه بن العبد

وهي كذلك محتذاة في مطلعها على معلقة امرئ القيس:

لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

وقد وقع خاطره على ما سبق به امرؤ القيس من ذلك الأسلوب، الذي لم يقع لشاعرين -على ما نعلم- إلا لهما في هذا الأدب وهو قوله:

وقوفا بها صحبي على مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجلد



٣.٢ عرض للمعلقات


ولم يغير فيه سوى القافية، وهو وإن لم يكن من جمال الشعر بالمكان البعيد، أسلوب خاص بهما، وقد شبه حدوج المالكية بخلايا السفين وجعل يصف السفينة نفسها، وفعلها بالماء في شق حيزومها له، ثم وصف المرأة فشبهها بالظبي الشادن الأحوى، وشبه ثغرها بنور الأقاحي الندية، ثم دخل في بابه الذي لا ينازع فيه وهو وصف الناقة من قوله:

وإني لأمضي الهم عند احتضاره
بعوجاء مرقال تروح وتغتدي

إلى قوله:
على مثلها أمضي إذا قال صاحبي
ألا ليتني أفديك منها وأفتدي



٣.٢ عرض للمعلقات


وبدأ بعد ذلك في فخره وذكر فتوته، واندفاعه مع أسباب المجون واللهو في نداماه وقيانه قال:

إذا القوم من فتى خلت أنني
دعيت فلم أكسل ولم أتبلد
ولست بحلال التلاع مخافة
ولكن متى يسترقد القوم أرفد
فإن تبغني في حلقة القوم تلقني
وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني
إلى ذروة البيت الشريف المصمد
نداماي بيض كالنجوم وقينة
تروح علينا بين برد ومجسد
رحيب قطاب الجيب منها رفيقة



٣.٢ عرض للمعلقات


بجس الندامى بضة المتجرد
إذا قلت هاتي أسمعينا أنبرت لنا
على رسلها مطروفة لم تشدد

ثم ساقته غرة الشباب وسكرة الصبا، إلى الاعتراف بمجونه والتحدث بأمانيه فقال:

وما زال تشرابي الخمور ولذاتي
وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلها
وأفردت إفراد البعير المعبد



٣.٢ عرض للمعلقات


ثم قال وهو في أمانيه هذه -على جاهليته- صادق النظر، ولو لم يحمل ما وصفه من الشراب

والمرأة على ما يحل دون ما يحرم:
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى
وعيشك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبق العاذلات بشربة
كميت متى ما تعل بالماء تزيد
وكري إذا نادى المضاف محنبا
كسيد الغضا نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب
ببهكنة تحت الخباء المعمد



٣.٢ عرض للمعلقات


ثم أفاق من هذه النشوة وصحا من تلك الغواية، فأخذ يذكر الموت واصطفاءه لعقلية الفاحش الحريص، ويستبكي حبيبته عليه يوم موته، استعزازا منه لنفسه، ثم انطلقت هذه النفس الشابة بفريدة من الحكمة لا تزال مثلا سائرا بين الأدباء لا يبلغ شأوه، قال:

أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي
عقلية مال الفاحش المتشدد
أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة
وما تنقص الأيام والدهر ينفد
لعمرك إن الموت ما اخطأ الفتى
لكالطول المرخى وثنياه باليد
إذا مت فابكيني بما أنا أهله
وشقي علي الجيب يا ابنة معبد



٣.٢ عرض للمعلقات


إلى قوله:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
معلقة زهير بن أبي سلمى

بدأها على سنة الشعراء من البدء بالتشبيب والوقوف بالدمن ووصفها وصفا بارعا بعد أن عفا عليها الدهر وأكل معالمها الزمن:

أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
بحومانة الدراج فالمتثلم
ودار لها بالرقتين كأنما
مراجيع وشم في نواشر معصم
بها العين والآرام يمشين خلفة
وأطلاؤها ينهض من كل مجثم



٣.٢ عرض للمعلقات


ثم استمر يصف الدار والظعائن:
فلما عرفت الدار قلت لربعها
ألا انعم صباحا أيها الربع واسلم
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن
تحملن بالعلياء من فوق جرثم
علون بأنماط عتاق وكلة
وراد حواشيها مشاكهة الدم
وفيهن ملهى للصديق ومنظر
أنيق لعين الناظر المتوسم



٣.٢ عرض للمعلقات


إلى أن تخلص إلى هدفه الأسمى، ومقصده الأعظم في هذه القصيدة، وهو مدح عظيمي غطفان: هرم بن سنان، والحارث بن عوف، الذين أصلحا بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء واحتملا ديات القتلى:

سعى ساعيًا غيظ بن مرة بعدما
تبزل ما بين العشيرة بالدم
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله
رجال بنوه من قريش وجرهم
يمينا لنعم السيدان وجدتما
على كل حال من سحيل ومبرم
تداركتما عبسا وذبيان بعدما
تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة



٣.٢ عرض للمعلقات


وذبيان هل أقسمتم كل مقسم
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم
ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر
ليوم الحساب أو يعجل فينقم

ثم وصف الحرب وصفا يثير الفزع والرعب، وفظع من شأنها وهول من خطبها وإفنائها للسادات، وطحنها للأشراف وإتيانها على الأخضر واليابس بقوله:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعوثها ذميمة
وتضر إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثفالها


٣.٢ عرض للمعلقات


وتلقح كشافا ثم تنتج فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم
كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم

وانتهى إلى حكمه البارعة وأمثاله السائرة التي سنها للشعراء من بعده بقوله:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولا لا أبالك يسأم
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
ولكنني عن علم ما في غد عم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
ومن لم يصانع في أمور كثيرة



٣.٢ عرض للمعلقات


يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه
يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن يغترب يحسب عدوا صديقه
ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم
معلقة لبيد بن الربيع العامري
هذه المعلقة قطعة من صميم البادية وقلب الصحراْء، نلمس فيها خشونة اللفظ ووعورة الأسلوب مما قد تجفوه الأذن وينفر منه السمع لأول وهلة، ولكن يتألف نافرها، ويروض شامسها، يجد المعاني الدقيقة والتشبيهات البارعة والأخيلة النادرة المنتزعة من صميم تلك الحياة.


٣.٢ عرض للمعلقات


بدأها بالغزل والتشبيب بحبيبته نوار وعفاء ديارها ودروس أطلاها:

عفت الديار محلها فمقامها
بمنى تأبد غولها فرجامها
فمدافع الريان عرى رسمها
خلقا كما ضمن الوحي سلامها

ثم وصف ناقته فشبهها تارة بالأتان الوحشية بقوله:
أو ملمع وسقت لأحقب لاحه
طرد الفحول وضربها وكدامها
يعلو بها حدب الأكام مسحج
قد رابه عصيانها ووحامها
وتارة بالبقرة الوحشية بقولة:



٣.٢ عرض للمعلقات


أفتلك أم وحشية مسبوعة
خذلك وهادية الصوار قوامها
خنساء ضيعت الفرير فلم يرم
عرض الشقائق طوفها وبغامها

ثم فخر بنفسه ومقامرته لإخوانه وإكرامه لضيوفه، وهو في هذا يتوجه بالحديث إلى حبيبته نوار:

أولم تكن تدري نوار بأنني
وصال عقد حبائل جذامها
تراك أمكنة إذا لم أرضها
أو يعتلق بعض النفوس حمامها
بل أنت لا تدرين كم من ليلة
طلق لذيذ لهوها وندامها



٣.٢ عرض للمعلقات


أغلى السباء بكل أدكن عاتق
أو جونة فدحت وفض ختامها

إلى آخر هذه القصيدة القوية النسيج، المتوعرة اللفظ، الغنية بمعانيها وانتزاعاتها البعيدة.

معلقة عنترة العبسي

ومن الغريب أن يكون عنترة، وهو في نشأته راع طريد، وفي شبابه فارس مقدم، يتجلى عن هذه الشيمة الكريمة، ويتبين في قوله ذلك الطبع السهل الذي بدا منه على هذه المعلقة، في غير موضع أثر من السلاسة ورقة الحاشية، وإن لم تخرج عن أدب العصر بالانحراف عن الغريب، والخشونة في الجملة، قال العبسي:
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفت الدار بعد توهم
يا دار عبلة بالجواء تكلمي
وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي



٣.٢ عرض للمعلقات


وتحل عبلة بالجواء وأهلنا
بالحزن فالصمان فالمتلثم
دار لآنسة غضيض طرفها
طوع العناق لذيذة المتبسم
فوقفت فيها ناقتي وكأنها
فدن لأقصي حاجة المتلوم

وبعد ذكر حبه لعبلة وقتاله لقومها، وأنه على هذه الحال كالطامع في السراب، جعل يصف حلاوتها وثغرها، فشبه طيبة مرة بفأرة المسك، وأخرى بالروضة الأنف، واستطرد إلى ذلك التشبيه الدقيق التصوير في قوله:
وحلا الذباب بها فليس ببارح
غردا كفعل الشارب المترنم
هزجا يحك ذراعه بذراعه
قدح المكب على الزناد الأجذم



٣.٢ عرض للمعلقات


وجهابذة البيان لا يزالون يستجيدون هذا التشبيه ويقرون حسنه ويعدونه من التشبيهات العقم، ثم عاد يصف تنعمها وشقاءه وأنهما كما يقول:
تمسي وتصبح فوق ظهر حشية
وأبيت فوق سراة أدهم ملجم
وحشيتى سرج على عبل الشوى
نهد مراكله نبيل المحزم

ثم جعل يصف الناقة على مثال طرفة، ولم يسرف، وتخلص إلى ذكر كرمه وإبائه وكراهة ظلمه، قال:
أن تغدفي دوني القناع فإنني
طب بأخذ الفارس المستلئم
أثني علي بما علمت فإنني
سهل مخالفتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل



٣.٢ عرض للمعلقات


مر مذاقته كطعم العلقم
ولقد شربت من المدامة بعدها
ركد الهواجر بالمشوف المعلم
فإذا شربت فإنني مستهلك
مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى
وكما علمت شمائلي وتكرمي

وقد أسلفنا شيئًا من وصفه لنجدته، وحديثه عن منازلته قرنه، وشكوى أدهمه، ولم يلهه ذلك عن العودة إلى الغزل، إذ قال بعد ذلك وهو من رقيق الكلام وحلو القريض:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل
مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها



٣.٢ عرض للمعلقات


لمعت كبارق ثغرك المتبسم!

ثم ختم طويلته بما ساقه من الوعيد لابني ضمضم، وكان قتل أباهما فتوعداه ونذرا دمه، قال: ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر

للحرب دائرة على ابني ضمضم
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما
والناذرين إذا لم ألقهما دمي
إن يفعلا فلقد تركت أباهما
جزر السباع وكل نسر قشعم
معلقة عمرو بن كلثوم
لم يعرف من الشعر لهذا الشاعر إلا هذه القصيدة التي قالها في ملاحاة وقعت بينه وبين الحارث بن حلزة اليشكري في مجلس الملك عمرو بن هند يصف فيها حديثه مع الملك، ويفتخر بأيام قومه وغاراتهم المشهورة، وكانت تغلب تعظمها، وتحتفل لإنشادها وتفتخر بها. وأولها في وصف الخمر والحديث عن محبوبته:


٣.٢ عرض للمعلقات


ألا هبي بصحنك فاصبحينا
ولا تبقي خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحص فيها
إذا ما الماء خالطها سخينا
إلى أن يقول موجهًا قوله لابن هند:
أبا هند فلا تعجل علينا
وأنظرنا نخبرك اليقينا
بأنا نورد الرايات بيضًا
ونصدرهن حمراء قد روينا
وأيام لنا غر طوال
عصينا الملك فيها أن ندينا
وسيد معشر قد توجوه



٣.٢ عرض للمعلقات


بتاج الملك يحمي المحجرينا
تركنا الخيل عاكفة عليه
مقلدة أعنتها صفونا
إذا بلغ الرضيع لنا فطامًا
تخر له الجبابر ساجدينا

وهذه من المعاني التي جمع فيها خياله وأغرق تفكيره.

معلقة الحارث بن حلزة اليشكري
وكان السبب في ارتجالها أن دماء كانت بين بكر وتغلب، اختلفوا عليها وترافعوا فيها إلى عمرو بن هند ليحكم بينهم، وعلم الحارث أن ضلع الملك على رهطه من بكر مع تغلب، فوقف -وكان به وضح- فألقى الملك بينه وبينه سترًا، ثم جعل يعجبه قوله حتى رفع الستر عنه وأدناه فأجلسه معه وحكم لبكر على تغلب:


٣.٢ عرض للمعلقات


آذنتنا ببينها أسماء
رب ثاو يمل منه الثواء
بعد عهد لنا ببرقة شما
ء فأدنى ديارها الخلصاء

وبعد أن مضى قليلا في هذا التشبيب، أخذ يصف الناقة ويشبهها بالنعامة في الإسراع والخفة، ثم تركها مكانها وجعل يذكر تجني تغلب على قومه، ويرد عليهم ويذكر ما لقومه من المنعة والأيام والمآثر، واتصل من ذلك بمدح الملك، وتذكيره بأياديهم عنده، وتعييره تغلب باستخذائها له، وهو في هذا أشبه بمن كان يهدد الملك ويتوعده، لا بمن كان يمدحه ويتزلف إليه. قال:

غير أني قد أستعين على الهم
إذا خف بالثوي النجاء


٣.٢ عرض للمعلقات


ثم مضى بعد ذلك يذكر أياديهم على عمرو بن هند، ثم حجر أم قطام وعلى امرئ القيس من بعده، وغيره من الملوك والأشراف الذين نصروهم في الحرب، ثم جعل يذكر تغلبًا بما كان بينهما من الحلف، وانتهى من ذلك إلى العتاب الممزوج بالإنكار، والغرابة لما تريدهم عليه تغلب من الهوان والتسليم، قال:
واذكروا حلف ذي المجاز وما قد
م فيه العهود والكفلاء
واعلموا أننا وإياكم في
ما اشترطنا يوم اختلفنا سواء
أعلينا جناح كندة أن يغنم
غازيهمو ومنا الجزاء

والقصيدة كلها من هذا النمط القوى، وفيها من أثر الارتجال الإقواء في قوله:
فملكنا بذلك الناس حتى
ملك المنذر بن ماء السماء


وهذه هي القصائد السبع، ممتازة عن سائر الشعر الجاهلي، بأوليتها وسعة قوافيها، وتلك الأغراض المتنوعة، وبهذا الأسلوب البدوي المشتمل على أثارة من الحسن في الجزالة والرقة، مع المعاني الكثيرة والأدب الشعري الذي كانت هذه القصائد خير مثال منه مضي في أثره الشعراء من بعد.

٣.٢ عرض للمعلقات


هكذا بالجر، والقافية كلها مرفوعة، على أننا نرجح أن هذه القصيدة غير مرتجلة، وإنّما هي محبرة فكر فيها الشاعر وأعدها إعدادًا لهذا المقام، الذي لم يكن مفاجئًا ولا معجلا عن الروية كما هو ظاهر.