![]() |
بدأ امرؤ القيس معلقته بما ضرب بحسنه المثل، وعد أروع المطالع في الشعر العربي، وقيل فيه: "أحسن من قفا نبك"؛ لأنه وقف واستوقف وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل ووصفه وصفًا يهيج الذكرى ويبعث العبرة فقال: |
![]() |
ثم أخذ يتحدث عن حبيبته ويوجه إليها الخطاب: |
![]() |
وتحدث عن متعه ولذاته التي كان يقارفها في جرأة وإصرار بقوله: |
![]() |
ووصفها بالطيب والنعمة فقال: |
![]() |
ثم تطرق إلى وصف الليل الذي طال أوله ووسطه وآخره، وأخذ يتوسل إليه أن ينجلي، وإن كان الصبح الذي يعقبه ليس بأمثل منه: |
![]() |
ووصف الفرس وصفًا لم يضارعه فيه شاعر بقوله: |
![]() |
ووصف البرق والمطر وأخذ يسأل صاحبه هل ترى برقا يلمع بين السحاب المتراكم كلمع اليدين تتحركان في سرعة، أو كمصباح راهب أمال الزيت على فتيلته ليزداد ضوؤها ويعم جهات متعددة مترامية، فأيمنه على جبل قطن، وأيسره على جبل الستار ويذبل ويضحي يهطل بالماء حول كتيفة ويكب سيله الأشجار العظيمة رأسًا على عقب، وجعل الطيور وهي المكاكي من شدة سرورهن بصفاء السماء بعد المطر الذي غرقت في أقاصيه السباع، كأنّما شربن رحيقًا مفلفلا: |
![]() |
وهي كذلك محتذاة في مطلعها على معلقة امرئ القيس: |
![]() |
وقد وقع خاطره على ما سبق به امرؤ القيس من ذلك الأسلوب، الذي لم يقع لشاعرين -على ما نعلم- إلا لهما في هذا الأدب وهو قوله: |
![]() |
ولم يغير فيه سوى القافية، وهو وإن لم يكن من جمال الشعر بالمكان البعيد، أسلوب خاص بهما، وقد شبه حدوج المالكية بخلايا السفين وجعل يصف السفينة نفسها، وفعلها بالماء في شق حيزومها له، ثم وصف المرأة فشبهها بالظبي الشادن الأحوى، وشبه ثغرها بنور الأقاحي الندية، ثم دخل في بابه الذي لا ينازع فيه وهو وصف الناقة من قوله: |
![]() |
وبدأ بعد ذلك في فخره وذكر فتوته، واندفاعه مع أسباب المجون واللهو في نداماه وقيانه قال: |
![]() |
ثم ساقته غرة الشباب وسكرة الصبا، إلى الاعتراف بمجونه والتحدث بأمانيه فقال: |
![]() |
ثم قال وهو في أمانيه هذه -على جاهليته- صادق النظر، ولو لم يحمل ما وصفه من الشراب |
![]() |
ثم أفاق من هذه النشوة وصحا من تلك الغواية، فأخذ يذكر الموت واصطفاءه لعقلية الفاحش الحريص، ويستبكي حبيبته عليه يوم موته، استعزازا منه لنفسه، ثم انطلقت هذه النفس الشابة بفريدة من الحكمة لا تزال مثلا سائرا بين الأدباء لا يبلغ شأوه، قال: |
![]() |
بدأها على سنة الشعراء من البدء بالتشبيب والوقوف بالدمن ووصفها وصفا بارعا بعد أن عفا عليها الدهر وأكل معالمها الزمن: |
![]() |
ثم استمر يصف الدار والظعائن: |
![]() |
إلى أن تخلص إلى هدفه الأسمى، ومقصده الأعظم في هذه القصيدة، وهو مدح عظيمي غطفان: هرم بن سنان، والحارث بن عوف، الذين أصلحا بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء واحتملا ديات القتلى: |
![]() |
ثم وصف الحرب وصفا يثير الفزع والرعب، وفظع من شأنها وهول من خطبها وإفنائها للسادات، وطحنها للأشراف وإتيانها على الأخضر واليابس بقوله: |
![]() |
وانتهى إلى حكمه البارعة وأمثاله السائرة التي سنها للشعراء من بعده بقوله: |
![]() |
بدأها بالغزل والتشبيب بحبيبته نوار وعفاء ديارها ودروس أطلاها: |
![]() |
ثم وصف ناقته فشبهها تارة بالأتان الوحشية بقوله: |
![]() |
ثم فخر بنفسه ومقامرته لإخوانه وإكرامه لضيوفه، وهو في هذا يتوجه بالحديث إلى حبيبته نوار: |
![]() |
ومن الغريب أن يكون عنترة، وهو في نشأته راع طريد، وفي شبابه فارس مقدم، يتجلى عن هذه الشيمة الكريمة، ويتبين في قوله ذلك الطبع السهل الذي بدا منه على هذه المعلقة، في غير موضع أثر من السلاسة ورقة الحاشية، وإن لم تخرج عن أدب العصر بالانحراف عن الغريب، والخشونة في الجملة، قال العبسي: |
![]() |
وبعد ذكر حبه لعبلة وقتاله لقومها، وأنه على هذه الحال كالطامع في السراب، جعل يصف حلاوتها وثغرها، فشبه طيبة مرة بفأرة المسك، وأخرى بالروضة الأنف، واستطرد إلى ذلك التشبيه الدقيق التصوير في قوله: |
![]() |
وجهابذة البيان لا يزالون يستجيدون هذا التشبيه ويقرون حسنه ويعدونه من التشبيهات العقم، ثم عاد يصف تنعمها وشقاءه وأنهما كما يقول: |
![]() |
ثم جعل يصف الناقة على مثال طرفة، ولم يسرف، وتخلص إلى ذكر كرمه وإبائه وكراهة ظلمه، قال: |
![]() |
وقد أسلفنا شيئًا من وصفه لنجدته، وحديثه عن منازلته قرنه، وشكوى أدهمه، ولم يلهه ذلك عن العودة إلى الغزل، إذ قال بعد ذلك وهو من رقيق الكلام وحلو القريض: |
![]() |
ثم ختم طويلته بما ساقه من الوعيد لابني ضمضم، وكان قتل أباهما فتوعداه ونذرا دمه، قال: ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر |
![]() |
وكان السبب في ارتجالها أن دماء كانت بين بكر وتغلب، اختلفوا عليها وترافعوا فيها إلى عمرو بن هند ليحكم بينهم، وعلم الحارث أن ضلع الملك على رهطه من بكر مع تغلب، فوقف -وكان به وضح- فألقى الملك بينه وبينه سترًا، ثم جعل يعجبه قوله حتى رفع الستر عنه وأدناه فأجلسه معه وحكم لبكر على تغلب: |
![]() |
وبعد أن مضى قليلا في هذا التشبيب، أخذ يصف الناقة ويشبهها بالنعامة في الإسراع والخفة، ثم تركها مكانها وجعل يذكر تجني تغلب على قومه، ويرد عليهم ويذكر ما لقومه من المنعة والأيام والمآثر، واتصل من ذلك بمدح الملك، وتذكيره بأياديهم عنده، وتعييره تغلب باستخذائها له، وهو في هذا أشبه بمن كان يهدد الملك ويتوعده، لا بمن كان يمدحه ويتزلف إليه. قال: |
![]() |
ثم مضى بعد ذلك يذكر أياديهم على عمرو بن هند، ثم حجر أم قطام وعلى امرئ القيس من بعده، وغيره من الملوك والأشراف الذين نصروهم في الحرب، ثم جعل يذكر تغلبًا بما كان بينهما من الحلف، وانتهى من ذلك إلى العتاب الممزوج بالإنكار، والغرابة لما تريدهم عليه تغلب من الهوان والتسليم، قال: |
![]() |
والقصيدة كلها من هذا النمط القوى، وفيها من أثر الارتجال الإقواء في قوله: |
![]() |
هكذا بالجر، والقافية كلها مرفوعة، على أننا نرجح أن هذه القصيدة غير مرتجلة، وإنّما هي محبرة فكر فيها الشاعر وأعدها إعدادًا لهذا المقام، الذي لم يكن مفاجئًا ولا معجلا عن الروية كما هو ظاهر. |