٣.١ الآراء في سبب تسمية المعلقات، وفي أصحابها


كان الشعر في الجاهلية قوة ضاربة في أعماق الناس وحياتهم، ولما كان الشعر قد استولى على قلوب الجاهليين، وجميع معاقدها في يديه، فقد عنوا بهذا الشعر، واحتفوا بروائعه، وتوجوا بضع قصائد هي من أجود الشعر الجاهلي وأبرعه وأوسعه خيالًا بأكاليل الغار، وهى التي سميت بـ"المعلقات" فهي الصورة الناضجة الكاملة التي انتهت إليها تجارب الجاهليين في التعبير الأدبي، وأضحت لميزاتها وشهرتها مثلا يحاكيه الشعراء حين ينظمون.
والمعلقات: جمع معلقة، وهي القصائد التي حكم لأصحابها بالسبق والتفوق في سوق عكاظ، التي كان الشعراء يتبارون فيها ويتنافسون.
وتمتاز المعلقات عن الشعر الجاهلي: بصدق دلالتها على أسلوب هذا الشعر ومنهاجه، وامتداد القوافي، وتنوع الأغراض، وكثرة الاختراع، والسبق والأولية، والأسلوب الجامع بين البداوة والجزالة والرقة، والمعاني الكثيرة، ورفعة الأدب الشعري، وتوفرها على حظ أوفر من الحفظ والعناية، ويجمع أكثر الرواة والمؤرخين على أن المعلقات سبع، وهى: معلقة امرئ القيس الكندي (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)، ودالية طرفة بن العبد البكري (لخولة أطلال ببرقة ثهمد)، وميمية زهير بن أبى سلمى المزني (أمن أم أوفى دمنة لم تكلم)، ونونية عمرو بن كلثوم التغلبي (ألا هبي بصحنك فاصبحينا)، وطويلة لبيد بن ربيعة العامري (عفت الديار محلها فمقامها)، وميمية عنترة بن شداد العبسى (هل غادر الشعراء من متردم؟!)، وهمزية الحارث بن حلزة اليشكرى (آذنتنا ببينها أسماء)، ويوافق أبو زيد القرشي صاحب جمهرة أشعار العرب على أن المعلقات سبع، إلا أنه يسقط منها ميمية عنترة، وهمزية ابن حلزة،..


٣.١ الآراء في سبب تسمية المعلقات، وفي أصحابها


ويثبت مكانهما رائية النابغة (عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار)، ولامية الأعشى (ما بكاء الكبير بالأطلال)، أما التبريزي شارح المعلقات، فقد بلغت المعلقات عنده عشرًا، حيث جمع بين رأي الكثرة الكاثرة ورأي القرشي، ثم أضاف إلى أصحاب المعلقات عبيد بن الأبرص في قصيدته البائية: (أقفر من أهله ملحوب فالقطبيات فالذنوب).
ومعنى هذا أن أصحاب المعلقات عنده هم: امرؤ القيس، وطرفة، وزهير، وعمرو، ولبيد، وعنترة، والحارث، والنابغة، والأعشى، وعبيد، فالتبريزي وحده هو من أضاف عبيد بن الأبرص.
والتبريزى الذي أخذ بقول القرشي في جعل النابغة والأعشى ضمن شعراء المعلقات، وهو نفسه الذي اختلف معه في قصيدتيهما، فبينما أبو زيد القرشي يعد من المعلقات رائية النابغة (عوجوا فحيوا)، ولامية الأعشى (ما بكاء الكبير بالأطلال) إذا بالتبريزي يضمن المعلقات دالية النابغة الذبياني:
يا دار مية بالعلياء فالسند
أقوت وطال عليها سالف الأمد
ولامية الأعشى:
ودع هريرة إن الر كب مرتحل
وهل تطيق وداعا أيها الر جل؟!


٣.١ الآراء في سبب تسمية المعلقات، وفي أصحابها


فعلماء الشعر بصدد عدد المعلقات بين مقلل ومكثر.
وقد اختلف العلماء في سبب تسمية هذه القصائد المختارة المستجادة بالمعلقات، إلا أن اختلافهم حول تفسير التعليق لا يجافي كثيرا المعنى اللغوي للتعليق، فأما الذين يفسرونه في ضوء المحسوسات فيقولون بالتعليق على أستاذ الكعبة، أو في سقف أو جدار، أو في خزائن الملك الذي يقول إذا استجاد قصيدة لشاعر: علقوا لنا هذه، وأما الذين يفسرونه في ضوء المعنويات فيرون أن العرب كانوا يعدون القصيدة المختارة (علقًا)؛ أي: شيئًا نفيسًا، ولذا سميت المعلقات بالسموط، وهي العقود النفسية التي تحلى بها الجياد وتعلق في أعناق الغيد الحسان، أو أنّها لجودتها ورفعتها تعلق في الأذهان، أو أنَّ الإنسان يعلق بها، بمعنى الوعي والحفظ عن ظهر قلب.
على أن أقدم العلماء الذين قالوا بالتعليق على الكعبة صراحة هو "ابن الكلبي"، "ت ٢٠٤هـ"، فقد صرح قائلا: "أول شعر علق في الجاهلية شعر امرئ القيس، علق على ركن من أركان الكعبة أيام الموسم، حتى نظر إليه ثم أحدر، فعلقت الشعراء بعده، وكان ذلك فخرًا للعرب في الجاهلية، وعدوا من علق شعره سبعة نفر"، وابن عبد ربه صاحب العقد، وابن رشيق صاحب العمدة، وابن خلدون صاحب المقدمة يؤكدون على أن ذلك منتزع من تعلقها على الكعبة، فلقد بلغ من كلف العرب بالشعر وتفضيلها له، أن عمدت إلى سبع قصائد تخيرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة -وهي ثياب كانت تنسج في مصر- وعلقتها بأستار الكعبة، فمنه يقال: مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير، والمذهبات سبع يقال لها المعلقات، ويوافقهم في هذا الرأي المؤرخ الفرنسي سيديو في كتابه: (خلاصة تاريخ العرب)، وعلى هذا فلفظة مذهبة مرادفة للفظة معلقة.


٣.١ الآراء في سبب تسمية المعلقات، وفي أصحابها


والبغدادي منصاع إلى هذا الرأي، إلا أنه يقرر: أنَّ العرب إنَّما كانوا يعلقون هذه القصائد على ركن من أركان الكعبة، في موسم الحج، ريثما ينظر الناس إليها، وينكر أبو جعفر النحاس -في شرحه للمعلقات-خبر تعليقها في الكعبة، إذ لا يعرفه أحد من الرواة، ويرجع تسميتها بالمعلقات إلى: أن العرب كانوا يجتمعون في عكاظ يتناشدون الأشعار، فإذا استحسن الملك قصيدة قال: علقوا لنا هذه، وأثبتوها في خزانتي، غير أنه لم يشر إلى ماهية هذا الملك، ولعله النعمان بن المنذر الذي كان لديه ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح به..كما يقول ابن سلام الجمحي.
كذلك فإنَّ بعض المستشرقين، من أمثال: المستشرق الألماني نولدكي، والمستشرق الفرنسي كليمان هيار، وبعض الأدباء المحدثين، من أمثال: الشيخ أحمد السكندري، والأستاذ مصطفي الرافعي، ينكر تعليق هذه الأشعار على الكعبة، بغير دليل قائم ولا حجة مقنعة، لقد قامت شبهتهم على أن العرب كانوا يوقرون البيت الحرام ويعظمونه، وهذا يجعلهم يأنفون من تدنيس أركانه بمثل مجون امرئ القيس وفسوق طرفة، ويرون -لهذا- أن هذه التسمية "المعلقات" مصنوعة في عصر التدوين أو قبله بقليل، ونحن لا نرى مانعًا من تدوين هذه القصائد وتعليقها في الكعبة، جريًا على سنة الجاهليين وعادتهم -تلك التي بقي أثرها في الإسلام- في كتابة عهودهم ومواثيقهم، وتعليق مثل هذه الصحائف الخطيرة في الكعبة لتوثيق أمرها وتوكيد عهدها، والاحتشاد لها،..


٣.١ الآراء في سبب تسمية المعلقات، وفي أصحابها


من ذلك: تعليق قريش الصحيفة التي كانت تقضي بمقاطعة بني هاشم والمطلب لحمايتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليعظموا أمرها، وليحملوا أنفسهم على تنفيذها والوفاء بما جاء فيها، وتعليق الرشيد لعهده بالخلافة من بعده إلى ولديه: الأمين فالمأمون، ليزيد بذلك نفاذًا وهيبة، أما وللشعر عندهم من المنزلة والمكانة والتأثير ما له، فليس هنالك إذن ما يحول بينهم وبين هذا الفعل "التعليق" لفرط شغفهم بهذه القصائد، وحمل الناس على روايتها وتفخيم أمرها، "على أن لهذا الأمر نظائر في أدب الإغريق"، ومما يدحض شبهة هؤلاء المتأخرين -من مستشرقين وعرب- أن عبد الله بن عباس كانت به مجالس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسمع فيها شعر عمر بن أبي ربيعة في دبيبة إلى معشوقاته وغزله فيهن، وما كان لابن عباس مع إسلامه وورعه وفقهه وقرابته ومكانه من صاحب هذه الروضة الشريفة أن يسمع مثل هذا الدبيب والغزل في هذا المكان، لولا أن استجادة العرب للشعر لم تكن تتوقف على شرف معناه، كما يزعم أصحاب هذه الشبهة الواهية التي يقوضها المنطق، ويلفظها العقل، ولا ريب أن شعراء المعلقات من أشعر شعراء الجاهلية.
وقد عني العلماء بجمع المعلقات وشرحها، وأكثر هذه الشروح عظيم القيمة نفيس بما فيه من شروح لغوية ومسائل نحوية وإيضاحات تاريخية، ومنها: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات لمحمد بن قاسم "ابن الأنباري" "تـ ٣٢٨هـ"، وقد حققه العالم المدقق عبد السلام هارون، وشرح السبع الطوال لأبي جعفر النحاس "تـ ٣٣٨هـ" وشرح المعلقات السبع للزوزني "تـ ٤٨٦هـ"، وشرح القصائد العشر للتبريزي أبي زكريا يحيى بن علي "تـ٥٠٢هـ".


٣.١ الآراء في سبب تسمية المعلقات، وفي أصحابها


كذلك كان لكثير من المستشرقين السبق إلى العناية بهذه المعلقات، فطبعوها ودرسوها وعلقوا عليها وترجموها إلى لغات مختلفة في وقت مبكر، كهذه الترجمة الإنجليزية للادي آن بلنت، والترجمة اللاتينية عن شرح الزوزني لبيبس، وترجمة دي ساسي معلقة لبيد إلى الفرنسية، وهذه العناية تؤكد إقرار هؤلاء العلماء -من عرب ومستشرقين- بالقيمة الفنية والإبداعية لهذه المعلقات، وبإنزالهم مبدعيها منازلهم الجديرة بهم من الإعجاب والتقدير والإكبار، فالمعلقات ومبدعوها في الذروة من التراث العربي الإبداعي.