..٨.٢ ملاحظات استخدام المنهج المتكامل، وقيمة المنهج المتكامل


ملاحظات استخدام المنهج المتكامل
ينبغي للباحث الأدبي إذا استخدم المنهج المتكامل أن يستخدمه استخدامًا واعيًا، بحيث نلمسه في كل خطوة من خطواته، هذه ملاحظات مهمة أردت أن أنبه عليها الباحث الذي يود استخدام المنهج التكاملي ينبغي أن يستخدمه استخدامًا واعيا بحيث نلمسه في كل خطوة من خطوات بحثه، فلا يوزع المناهج على أبواب بحثه أو فصوله، بحيث نرى المنهج النفسي في فصل، والتاريخي في فصل، والجمالي في فصل ثم يسمي هذا منهجًا متكاملًا، لا المنهج المتكامل: هو منهج تجتمع، تتداخل، تمتزج فيه مجموعة من المناهج، لكن الذي يستخدم منهجًا في فصل، ثم منهجًا آخر في فصل ثم منهجًا ثالثًا في فصل، هذه مناهج متجاورة المنهج المتكامل تتداخل فيه المناهج، وتمتزج، فإذا استخدم المنهج المتكامل بطريقة صحيحة، فإننا نراه في حديثه عن البيئة، وعن الأغراض، وعن الخصائص الفنية، كما نراه في كل قضية من قضايا البحث، ففي حديثه عن البيئة.

مثلًا: قد يقول باحث كيف أستخدم منهجًا فنيًّا في الحديث عن البيئة؟ بإمكاننا ذلك جيدًا في حديث الباحث عن البيئة مثلًا يتحدث عنها من الناحية التاريخية، هذا منهج تاريخي، ثم يوضح الارتباط النفسي بينها وبين الشاعر، ويكشف عن انعكاسات البيئة على فنه مستدلًا بنماذج، هذا منهج نفسي وفني في نفس الوقت. وعند الحديث عن الخصائص يكشف لنا عنها من الناحية الفنية أولا، ثم يوضح مدى دلالتها على نفس صاحبها، أو مبدعها، وعلى البيئة كما صنعنا في تحليل النموذجين السابقين.


..٨.٢ ملاحظات استخدام المنهج المتكامل، وقيمة المنهج المتكامل


وهكذا ينبغي أن يكون البحث، لابد أن يتحول عقل الباحث إلى ما يشبه المرآة تعكس أضواء تلك المناهج، كما تعكس فكرة الفردية، والأصالة، والمدرسة الفنية، وأفكار البيئة، والعصر، ورواسب اللاشعور الفردي والجماعي، وعناصر الجمال الفني في التعبير وموسيقاه، كما تعكس انطباعات الباحث الممتعة، وصلة الأديب بالتراث الفني.

وللمنهج الفني قيمة عظيمة، ينبغي أن نشير إليها، فالمنهج المتكامل له قيمة عظيمة، وفائدة كبيرة في مجال البحث الأدبي، تبدو قيمته في أنه يتناول العمل الأدبي من جميع زواياه، ويتناول صاحبه كذلك، يعني: يكشف لنا عن المبدع وعن الإبداع، بجانب تناوله للبيئة والتاريخ، وفي نفس الوقت لا يغفل القيم الفنية الخالصة، ولا يهملها في غمار البحوث التاريخية، أو الدراسات النفسية. وهذه ميزة لا تحقق في أي من المناهج، كما يجعلنا نعيش في جو الأديب والأدب الخاصين، دون أن نسى مع هذا أنه أحد مظاهر النشاط النفسي، وأحد مظاهر المجتمع التاريخية.

المنهج المتكامل أيضًا يجنب الباحث الوقوع في المآخذ التي تؤخذ على المناهج الأخرى، وقد أشرنا إليها، فهو لا يقيد الباحث أو الأديب ببيئة معينة، أو عصر معين، ولا يتجاهل المواهب الفردية الفذة والعبقريات الذاتية، كما أنه لا يهمل النص -كما رأيت-، وإنما يصل إلى تلك النتائج من خلال النص ذاته.


..٨.٢ ملاحظات استخدام المنهج المتكامل، وقيمة المنهج المتكامل


ومما يؤكد قيمة هذا المنهج، وأنه أصح المناهج في مجال البحث الأدبي: أن جميع كتب التراث التي شهد بقيمتها العلماء على مر العصور جاءت على هدي هذا المنهج، واحتلت مكانة خالدة، ولازلنا نتعلم منها إلى الآن. وقد ظهر هذا المنهج في طائفة كثيرة من الدراسات الحديثة -هو منهج مستخدم وعلى نطاق واسع دراسات حديثة كثيرة- رأيناها تقوم على منهج متكامل، بدأت بمناهج فردية سابقة، لكنها لا ترفض الإفادة من غيره من المناهج التي تتكامل بها جوانبها المختلفة، فمثلًا: كتاب "العصر الجاهلي" للدكتور شوقي ضيف، قام هذا الكتاب في أساسه على منهج تاريخي، لكنه استضاء بدارسات النفسيين والاجتماعيين. مثلًا: كتاب "مع المتنبي" للدكتور طه حسين، نرى المنهج التاريخي هو المحور الأساسي الذي تدور حوله الدراسة، لكننا نراه قد أفاد من المنهج الجمالي، والمنهج النفسي. كتاب مثلًا: "الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي" للدكتور يوسف خليف، الذي قام على المنهج النفسي والجمالي بجانب المنهج الاجتماعي. وهكذا، توجد عندنا كثير من الدراسات التي قامت على أساس هذا المنهج، كما عند سيد قطب، زكي مبارك، العقاد، محمد مندور. ونرى هذا المنهج المتكامل في كثير من الدراسات الأسلوبية الحديثة التي اتجه فيها أصحابها اتجاهًا معتدلًا، أما التي ينجح فيها أصحابها نحو الغموض والفلسفة الغربية المعقدة، فإنها لا تندرج تحت هذا الصنف الدراسات المقبولة، ولا يخرج القارئ منها بشيء سوى الجهد الذي بذله، لكن الدراسات الأسلوبية الحديثة التي اتجه أصحابها اتجاهًا معتدلًا.