١.٢ البحث العلمي وأدواته عند العرب


البحث العلمي وأدواته عند العرب
عرف العرب البحث العلمي منذ فترة مبكرة من حياتهم، لا أقول: إنهم عرفوه في العصر الجاهلي مثلًا، لا فإن البيئة التي عاشوها لم تكن لتؤهلهم إلى معرفة هذه النهضة العلمية، التي رأيناها في العصور التالية، ولكنهم عرفوها إبان نهضتهم وحضارتهم الإسلامية، عندما جاء الإسلام ولفت أنظارهم إلى البحث والتأمل والنظر، وأطلق لها الحرية في التأمل ومعرفة ما وراء الكونيات، فقد انطلق العرب -من خلال فهمهم لهذا الدين الإسلامي- يمهدون الطريق في هذا المجال أمام الغربيين، الذين أفادوا منهم إفادة عظيمة باعتراف المنصفين منهم، الغربيون أنفسهم يعترفون بفضل الحضارة والعلماء العرب على الحضارة الغربية مثل: "برنارد لويس" "سيديو" وغيرهما كثير. وعندنا كتب كثيرة تحدثت عن هذه القضية، عندنا كتاب (قصة الحضارة) لـ "ديوران"، (الإسلام والحضارة العربية) لـ "وثوب"، (حضارة العرب) "جوستاف لوبون"، فضل العرب على حضارة الغرب كثير، عندنا كثير من المؤلفات موجودة، وفيها اعترافات من الغرب أنفسهم بأن العرب قد تفوقوا عليهم، وأنهم أفادوا منهم إفادة كبيرة في مجال البحث العلمي.


١.٢ البحث العلمي وأدواته عند العرب


ولم يكن تفوق العرب في مجال البحث الأدبي فحسب، صحيح هم اتجهوا إلى جمع التراث الأدبي وبخاصة الشعر، ولكن بحثهم وانطلاقاتهم العلمية تجاوزت حدود الأدب، فكانت لهم أبحاث في العلوم، كان تفوقهم في شتى مجالات البحث العلمي، وأصبحوا في القرن التاسع الميلادي حراس العلم، وسدنة المعرفة والمهيمنين على معظم مراكز الثقافة والبحث العلمي، في الوقت الذي كان العلم في أوربا في سبات عميق، وأصبحت اللغة العربية هي لغة العلم والثقافة والحضارة.

هذا الكلام لا أدعيه، وإنما هناك أدلة كثيرة عليه تؤكده وتثبت صحته، ويكفي أن نذكر من هذه الأدلة عرض بعض الأسماء لعلماء العرب الذين لا يوجد قرين لهم بين أبناء الغرب، من أمثال: جابر بن حيان، والكندي، والخوارزمي، والرازي، وثابت بن قرة، وحنين بن إسحاق، والفارابي، والطبري، وابن البيطار، والبيروني، وابن سينا، وابن الهيثم، وغيرهم كثير ممن ذاع صيته وعمت شهرته الآفاق، هؤلاء العلماء عرفوا بما قدموه للعلم والعلماء، وقاموا بدور واضح في ازدهار الحضارة الإنسانية عامة، حتى صار الشرق الإسلامي في العصور الوسطى مهدًا للعلم والفكر، وأصبحت اللغة العربية لغة الحضارة، ونمت في أحضانها فروع العلم المختلفة، هذه حقيقة قررها الغربيون أنفسهم، وأكدها تراث هؤلاء العلماء الموجود الآن، والذي يلقى العناية والرعاية من الغربيين قبل العرب أنفسهم.


١.٢ البحث العلمي وأدواته عند العرب


كانت النتيجة الطبيعية لعناية العرب بالبحث العلمي واهتمامهم به أن نمت العلوم الإسلامية، ونشأ العديد من العلوم الإنسانية ومن بينها: علوم الأخلاق والفلسفة، وآداب السلوك، وسياسة الملك وغيرها، واتسع مجال البحث في العلوم التطبيقية، مِن طب وهندسة وفلك وطبيعة وكيمياء وحساب وجبر ومنطق إلى غير ذلك، واتسعت بذلك مجالات الابتكار العلمي أمام الجميع، ولا شك في أن دعوة العقيدة الإسلامية إلى البحث والتأمل، وتشجيعها للعلم والعلماء وتنظيمها للعقل وحرية الفكر، لا شك في أن ذلك جعل العلماء يتقدمون في طريق البحث العلمي بخطى واثقة، وانطلقوا يدرسون شتى ظواهر الكون بعقلية متحررة، ويؤيدون النظريات العقلية بالعديد من التجارب العلمية، هذه حقيقة، فالإسلام له الفضل الأكبر في تحرير هذه العقول، وفي دفعها دفعًا إلى البحث العلمي، ولم يمض قرن من الزمان على تعريب التراث العلمي للأمم الأخرى، مِن فرس وهند ويونان وأتراك وغيرهم، هذه حقيقة.

نحن نعلم أنه البيئة العباسية كانت عبارة عن محطة كبيرة، التقت فيها جميع الأجناس والثقافات والحضارات واللغات، الفرس والهنود والترك واليونان، كل أمة من هذه الأمم لها ثقافتها ولها فكرها ولها حضارتها، لها خصائصها التي تتميز بها، التقت كل هذه الأشكال والأصناف في البيئة العباسية فذابت الفوارق، وتحولت إلى الخصيصة العربية في اللغة وفي الحضارة، في كل شيء، الثقافة أصبحت عربية إسلامية، الحضارة أصبحت عربية إسلامية، الدين أصبح عربيًا، وهذا حقيقي، لم يمض قرن من الزمان على تعريب هذا التراث العلمي للأمم، الفرس كانوا يستخدمون العربية، والهنود كانوا يستخدمون العربية، واليونان والأتراك وغيرهم.


١.٢ البحث العلمي وأدواته عند العرب


وقدم العلماء المسلمون كل جديد في العلوم الطبيعية والرياضية، ودخلوا التاريخ العلمي روادًا لآفاق لم يصل إليها أحد من قبل، وإليهم يرجع الفضل في تأصيل مبادئ المنهج التجريبي الاستقرائي، هذه حقيقة لابد أن نعترف بها، المنهج التجريبي الاستقرائي الذي يدعي كثير من الغربيين أن الفضل يرجع إليهم في تأصيله، الحقيقة أننا إذا نظرنا إلى ما قدمه علماؤنا العرب في هذه الأعصر الأولى؛ نجد أنهم هم الذين قاموا بالتأصيل لهذا المنهج التجريبي الاستقرائي، ووضعوا أوليات الكتب التجريبية في الطب وفي التشريح وفي الصيدلة وفي الكيمياء، وفي الطبيعة, وفي النجوم والفلك والملاحة والجغرافيا، وغيرها من المؤلفات، منطلقين من حيث انتهى إليه الأمم التي سبقتهم، وهذا منهج علمي دقيق، يعني لم يكونوا عالة على الهنود أو اليونان أو الفرس إطلاقًا، وإنما كانت لهم رؤيتهم المستقلة.

وكتبهم في هذا المجال تشهد بعبقريتهم، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر (المختصر في حساب الجبر والمقابلة) الخورازمي، وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية، وله رسالة أخرى تسمى (الرسالة المنهجية في الحساب الرياضي)، وترجمت إلى اللاتينية أيضًا، وكتاب (الحركات السماوية وجوامع علم النجوم) الفرغاني، وترجم أيضًا إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي، وكتاب (القانون المسعودي في الهيئة والنجوم) للبيروني، وكذا كتابيه (الآثار الباقية) و(الجماهر في معرفة الجواهر)، في هذه الكتب حديث عن الفلك وحساب المثلثات وحساب التوقيت والرياضة والجغرافيا، وكل هذه المعلومات وغيرها تؤكد عمق فكره ومتانة منهجه، بالإضافة إلى ما كتبه الكندي في المد والجزر، وابن سينا في علم الطبيعة والنبات والحيوان والمجال الطبي.


١.٢ البحث العلمي وأدواته عند العرب


وكانت براعتهم في الجانب الأدبي لا تقل عن براعتهم في الجانب العلمي التطبيقي والتجريبي، هذه حقيقة، وكتب التراث التي نحن الآن ننظر إليها ونتعامل معها، ونحاول فهم ما جاء بها تعلمًا وتذوقًا؛ لأكبر دليل على أن تفوقهم لم يكن في الجانب العلمي، أو التجريبي أو التطبيقي فحسب، وإنما كان في الجانب الأدبي قبل أن يكون في هذه الجوانب العلمية الأخرى، وجدير بالذكر أن هؤلاء العلماء الذين كتبوا في الفلك، أو في الجغرافيا أو في الطب أو في النبات أو في الحيوان أو غيرها من العلوم، كانوا أدباء في المقام الأول، ومنهم من نظم الشعر، فكانوا علماء يتصفون بالموسوعية.

وقد شهد بعبقرية هؤلاء العلماء "دوزي"، شهد بهذا التقدم العلمي للعرب، فله كتاب يسمى (تاريخ المسلمين في أسبانيا)، ذكر فيه أن الأوروبيين في العصور الوسطى كانوا يقعون تحت سيطرة البابوات، وكانوا تائهين في ظلام الجهالة، لا يرون النور إلا من سم الخياط، وكان النور لا يسطع إلا من جانب المسلمين، من علوم وآداب وفلسفة وصناعات، وكانت بغداد والبصرة والقاهرة ودمشق وفارس وقرطبة -كل هذه بلدان إسلامية كان المسلمون حكامها وتقع تحت إمرتهم- تمثل المراكز العظيمة للعلوم والمعارف، في وقت كانت فيه العواصم الأوروبية أشبه بالقرى الخالية من كل ما يشد الناس إليها، ويربطهم بها. فالعرب كان لهم السبق في مجال البحث العلمي لا شك في هذا، وأنهم أصلوا المناهج التجريبية التطبيقية.


١.٢ البحث العلمي وأدواته عند العرب


أدوات البحث العلمي عند العرب
إذا ثبت لدينا أن العرب كان لهم باع في مجال البحث العلمي، ونحن نعلم أن البحث العلمي لابد له من أدوات بحثية، الآن البحث العلمي صار علمًا وله مناهج، فهل كان العرب ينطلقون في بحثهم هذا من خلال معرفة بمجموعة من الأدوات ؟ ثبت لدينا حقيقة أنه كانت لهم تجارب بحثية رائعة، أفاد منها الغرب قبل العرب، فهل كان العرب يمتلكون أدوات البحث العلمي التي تؤهلهم لأن يكونوا أساتذة وروادًا في هذا المجال؟ من الأسباب التي مكنت العلماء العرب من الوصول إلى هذا المستوى في مجال البحث العلمي: دقة الأداة، وصحة المنهج، فقد استخدموا عدة أدوات تتفق مع بيئتهم وثقافتهم، يمكن إجمالها فيما يلي:

الأداة الأولى التي استخدمها العرب في مجال البحث العلمي، ومكنتهم من التفوق في هذا المجال على غيرهم: هي الروح العلمية، التي تتسم بالحيدة ونزاهة العقل، فقد أقبلوا على البحث بروح علمية واثقة وثابة وفكر واع مستنير، مستعد لقبول الحق واعتقاده، متجرد من تأثير الأحكام المسبقة، وهذه مهمة جدًا، هذه الأداة لابد أن يتصف بها كل باحث علمي مدقق حصيف واع، أن يمتلك الروح العلمية المحايدة والعقل النزيه، يقبل على البحث في ثقة وفكر واع، ويكون عنده استعداد لقبول الحقيقة أيًا كانت، طالما أن الحجة قد قامت عليها لابد أن يقبلها، بهذا استطاع العرب أن يبحثوا وأن يستنتجوا وأن يتفوقوا، وأن يسيطروا على العالم كله في مجال البحث العلمي عندما اتصفوا بهذه الصفة.


١.٢ البحث العلمي وأدواته عند العرب


الأداة الثانية التي استخدمها العرب في بحوثهم: الشك في الموضوع، والشك قائم منذ أن تبدأ البحث في الأدب، أن هناك حقيقة مفترض وجودها، هي موجودة لكنك لا تدركها، فأنت تشك هل هي موجودة حقيقة؟ فإن كانت موجودة فعليك أن تأتي بالدليل، وتقيم الحجة على وجودها، فأنت تبدأ بالشك ثم تأتي بالأدلة حتى يتحول الشك إلى يقين.
فالشك في الموضوع، أو في هذه الحقيقة المفترضة التي يتتبعها الباحث في بحثه؛ هذه أداة أخرى من أدوات البحث العلمي، وقد استخدمها العرب قديما، وكانت ضمن الوسائل التي مكنتهم من التفوق في هذا المجال، فادعى الآن في العصر الحديث "بيكون" و"ديكارت" أن الشك، أو المنهج الشكي من ابتكارهما، وهذا ادعاء خاطئ، والحقيقة أنهما كانا في ذلك تلميذين للباحثين العرب، وبخاصة النَّظَّام والجاحظ والغزالي والخوارزمي والبيروني، وعلماء كثر من المسلمين العرب وغير العرب، كان الشك أساسًا من أسس البحث العلمي عندهم.
فنأخذ مثلًا الغزالي أوضح في كتابه (المنقذ من الضلال)، هذا دليل نستطيع أن نثبت من خلاله أن أداة الشك، أو هذا المنهج العلمي دليل أكيد على أن العرب قد سبقوا "ديكارت" و"بيكون" بأزمان طويلة، فيقول الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) أنه مر بمرحلة الشك في الأمور حتى يقوم الدليل على صحتها، فيقول: "إن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين فهو علم لا ثقة به، ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني".وعند النظام وعند الجاحظ كثير،وهذا معروف في كتب النظام والجاحظ


١.٢ البحث العلمي وأدواته عند العرب


الأداة الثالثة من أدوات البحث العلمي التي استخدمها العرب: التجربة، التجربة تبدأ بالملاحظة ثم بعد ذلك الاستقراء ثم الموازنة ثم التركيب، ثم الاستنباط القائم على المقدمات للوصول إلى نتيجة ثابتة، وهي النتيجة التي يظل الباحث يسعى وراءها، حتى تثبت لديه بالأدلة اليقينية، بعد مرحلة طويلة من الشك والتجريب ومحاولة الموازنة ومحاولة الاستنباط، هذا المنهج التجريبي كان من المناهج التي اعتمد عليها الجاحظ في بحوثه، وتحصيل العديد من معلوماته، اعتمد عليه اعتمادًا يكاد يكون كليًّا بالإضافة إلى الشك.
وكان دائمًا يدعو الناس إلى أن يجربوا بأنفسهم، ويعد ذلك تأصيلًا لهذا المنهج، ومحاولة لزرع هذه الأداة في نفوس كل من يطلب العلم، فكانت المعاينة عنده تشكل العنصر الأول من عناصر البحث العلمي، يضم إليها التجربة والعرض والمقابلة والتصنيف، ومن ثم فإنه يعد أحد أعمدة علم الأحياء العرب، ومن أهم كتاباته في ذلك المجال كتاب (الحيوان)، الذي أكد فيه وحدة الطبيعة، وأوضح العلاقة بين المخلوقات المختلفة، وظلت آراؤه في التجربة منهجًا علميًا مقررًا لدى الباحثين من بعده.


١.٢ البحث العلمي وأدواته عند العرب


وهو بهذا في الحقيقة يسبق "بيكون" الذي توفي سنة ألف وستمائة وست وعشرين، و"بيكون" هذا هو الذي نادى بأنه يجب علينا ألا نستند إلى أحكام المتقدمين ونسلم بآرائهم؛ لأنهم لا يعاينون الأمور عيانًا كافيًا، فما ينبغي لنا أن نكون أصحاب أفكار مسبقة نؤمن بها، بل يجب علينا أن نلجأ إلى المعاينة وإلى التجربة، ثم إلى استنباط النتائج العامة من الأمور التي نعاينها ونجربها، هذا كلام "بيكون"، و"ديكارت" له كلام يشبه هذا الكلام، فلسفته كانت تقوم على العقل. يقول: "لا تصدقوا إلا ما كان واضحًا"، فالوضوح إنما هو أصل الأمر في اليقين، فما ينبغي لقوة من القوى الظاهرة أن يكون لها سلطان على حرية تفكيرنا.

هذا الكلام الذي قاله "بيكون" و"ديكارت" في القرن السابع عشر الميلادي –أي بعد الجاحظ بمئات السنين- ليس جديدًا في مجال البحث العلمي، هذه هي الحقيقة، ولكن إذا تأملنا كلام الجاحظ لوجدنا أنهما عالة على الجاحظ في أفكاره هذه، فمن كلام الجاحظ في كتاب (الحيوان): "لا أجعل الشيء الجائز كالشيء الذي تثبته الأدلة ويخرجه البرهان من باب الإنكار". الشيء الجائز هو الشيء الذي فيه احتمالان: احتمال أن يكون هو أو لا يكون، يعني الذي فيه شك، لم تقم عليه الحجة.


١.٢ البحث العلمي وأدواته عند العرب


هذا كلام الجاحظ ولو تأملناه لوجدنا أنه أكثر دقة من كلام "بيكون" و"ديكارت"، فهو صاحب المنهج التجريبي فعلًا القائم على التجريب. هذه مجموعة من الأدوات والأسس التي اعتمد عليها علماء العرب في بحثهم العلمي، بالإضافة إلى أداتين مهمتين كانتا ضمن أدوات حفظ التراث الأدبي لدى العرب، وهما أيضًا أداتان مهمتان من أدوات البحث العلمي عند العرب؛ وهما: الرواية ثم الكتابة، نعم في المراحل الأولى اعتمد علماء العرب على الرواية في بحوثهم العلمية، ثم في مرحلة تالية اعتمدوا على الكتابة. إذن اتضح أن العرب كانوا أصحاب سبق في مجال التأليف العلمي، وكان لهم سبق أيضًا في معرفة الأدوات العلمية، أو أدوات البحث العلمي التي ينبغي أن يستخدمها الباحث حين بحثه.