١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
الثروة الأدبية عند العرب
لو رجعنا إلى المعاجم اللغوية لوجدنا أن كلمة بحث يدور معناها في اللغة حول معنيين؛ أولهما: طلب الشيء والتفتيش عنه، ففي (لسان العرب): "البحث طلبك الشيء في التراب". وفي كتاب الله عز وجل يقول سبحانه وتعالى: ((فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ)) [المائدة: ٣١] ((يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ)) أي: يحفر فيها بمنقاره كأنه يفتش, أو يطلب شيئًا في باطنها.
ومن ذلك البحث عن المعادن وغيره. أما الدلالة الثانية لهذه الكلمة: فتعني السؤال عن الشيء والاستخبار عنه. بحث عن الخبر أي: سأل وبحثه يبحثه بحثًا أي سأل، وكذلك استبحثه واستبحث عنه، وبين المعنيين ترابط واضح، فمن أراد أن يطلب شيئًا غاب عنه أو يفتش عن شيء لا يقع تحت إدراكه؛ فإنه يبدأ بالمرحلة الأولى من مراحل هذا الكشف وهو التفتيش، يبدأ بالتفتيش والبحث أو التنقيب، فإن تعذر على الإنسان إيجاده بواسطة التفتيش أو البحث أو التنقيب؛ يلجأ إلى المرحلة الثانية وهي السؤال عن ذلك الشيء؛ لكي يتعرف عليه ويدرك أبعاده.
من خلال هذا المدلول نعلم أن كلمة بحث تدل على أن هناك شيئًا ما غاب عن الإدراك، وإن كان موجودًا في الحقيقة، شيء يفترض وجوده، وهي عبارة عن الفرضية التي يفترضها الباحث في بداية بحثه، ويحاول الكشف عنها، هذا الشيء الذي غاب عن الإدراك هو الحقيقة التي يفترض الباحث وجودها، ويسعى جاهدًا للكشف عنها، سالكًا عدة طرق،..
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
معتمدًا على ما لديه من حجج تؤكد صحة نتائجه، ومن ثم فالباحث يبدأ من حيث انتهى الآخرون، ويأتي بنتائج جديدة وأفكار مبتكرة، أما إن اكتفى بنقل ما ذكره الآخرون في قضية ما فإن ذلك لا يسمى بحثًا، وإنما يسمى تلخيصًا أو تقريرًا، هذا ما يفيده مدلول كلمة بحث، فمن أراد أن يبحث عن شيء موجود, أو حقيقة علمية مقررة هذا لا يسمى بحثًا، يسمى تلخيصًا يسمى تقريرًا عن هذه الحقيقة.
أما في الاصطلاح فيمكن أن نعرف كلمة بحث بأنه: عبارة عن تقرير يكتبه الباحث في قضية من القضايا الأدبية، يتناول من خلاله دراسة أجزائها، موظفًا ما لديه من إمكانات علمية للوصول إلى غاية معينة يسعى إليها، أو رأي واضح يهدف إليه، هذا هو المفهوم الذي اصطلح عليه علماء البحث الأدبي، أوالبحث العلمي عامة، فالبحث العلمي لابد له من مجال علمي أو معرفي، يتحرك الباحث في إطاره -هذه حقيقة- يحلق في سمائه، ويدرك أبعاده ويستكشف كوامنه، فالبحث الجغرافي مثلًا مجاله علم الجغرافيا، والبحث الطبي مجاله العلوم الطبية، والبحث الأدبي مجاله الأدب بشعره ونثره، والدراسات التي دارت حولهما، وأعلام كل فن وقضاياه المختلفة، فالمجال المعرفي الذي يدور حوله البحث الأدبي هو الأدب.
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
العرب والثروة الأدبية
هل يملك العرب ثروة من علم الأدب تمكننا من النظر فيه، واستكشاف حقائقه واستنباط مقاييسه والتعرف على قضاياه؟ هل يملك العرب ثروة من هذا المجال المعرفي تستحق الدراسة أو تستحق البحث؟ نعم لقد ترك العرب ثروة أدبية هائلة تفوقوا بها على سائر الأمم، وهي جديرة بالبحث للتعرف على ما فيها من قيم فنية وإنسانية، تؤكد عبقرية العربي، وقدرته على استيعاب الحياة، ومعايشتها فكريًا ووجدانيًا، والتعبير عنها في قالب فني.
وإذا نظرنا إلى هذا التراث أو هذه الثروة العظيمة التي تركها أو امتلكها العرب؛ نجد أنها قد تطورت بتطور حياتهم عبر العصور المختلفة حتى يومنا هذا، ففي العصر الجاهلي أَوْلى العرب الشعر كبير عنايتهم، فهو مصدر عزتهم وسِجِل مفاخرهم وأحسابهم وأنسابهم، وصورة صادقة لحياتهم، وفي صدر الإسلام واكب الأدب الحياة الجديدة، التي انعكست على موضوعاته وأفكاره ولغته وأخيلته، بل إن الإسلام أدى إلى قيام نهضة عامة في دنيا المعرفة والعلم، في ظلال الفكرة الإسلامية والمجتمع الذي آمن بها وهضمها، وسعى إلى تعزيزها ونشرها، ونتج عن ذلك ظهور حركتين أساسيتين في عصر صدر الإسلام: حركة دينية, وحركة ثقافية فكرية.
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
أما في عصر بني أمية -نحن نمر على الأدب مرورًا سريعًا؛ لكي نستكشف أو نتعرف على ما لحقه من تطور سريع، وفي نفس الوقت نتعرف على عناية العرب به- ظل الأدب وبخاصة الشعر محتفظًا بكثير من طوابعه البدوية، ومحافظًا على القالب الفني الموروث، ومع ذلك واصل السير في ميادين التطور السياسي والاجتماعي والديني والفكري، وأكبر دليل على ذلك أن الدكتور شوقي ضيف كتب كتابًا في هذا الشأن بعنوان (التطور والتجديد في الشعر الأموي)، كشف فيه عما لحق الشعر من تطور، وما طرأ عليه من جديد في ذلك العصر.
ثم جاء العصر العباسي ومنحت الدولة الحرية لرعاياها، وفتحت الباب على مصراعيه أمام الأجناس غير العربية، فاختلط العرب بغيرهم من الأعاجم، وامتزجت الأجناس واللغات والثقافات والحضارات، وذابت الفوارق بينها، وانصهرت جميعها في بوتقة عربية إسلامية، وتحولت إلى جنس عربي وثقافة عربية إسلامية، وحضارة عربية إسلامية، وشمل ذلك التغير والتطور والتجديد كل مناحي الحياة، وبالطبع لابد أن ينعكس على الأدب في ذلك العصر، فرأينا أدبًا مُجَدَّدًا، يعني أدبًا كان موجودًا في العصور السابقة، وأدخل العباسيون عليه بعض التجديدات، ثم رأينا أدبًا جديدًا في موضوعاته وأفكاره ولغته وموسيقاه.
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
فإذا وصلنا إلى العصر الحديث، ووقفنا على النهضة الأدبية التي تعددت أسبابها، وعرجنا على تأثر العرب بالغرب إبداعًا ونقدًا، ورأينا الأجناس الأدبية الجديدة التي جاءت نتيجة هذا التأثر، كالمسرحية, والملحمة, والقصة, والرواية، وغير ذلك مما أبدع العقل العربي، بالإضافة إلى النظريات والمذاهب النقدية الكثيرة؛ إذا عرفنا كل ذلك وغيره أدركنا قيمة هذا التراث، ووقفنا على قدرة العقل العربي على الإبداع، ومواكبة الأعصر في تطورها من خلال ما أنتجته عقولهم.
هذه لمحة سريعة عن ذلك التراث، أو عن ذلك المجال المعرفي الذي يدور حوله البحث الأدبي، وهو تراث عريق لأمة عريقة، وهو تراث جدير بالبحث، بل إنه في أشد الحاجة لاكتشاف عوالمه، والوقوف على جهود رجالاته، ويقوم بهذه المهمة رجال البحث العلمي والأدبي بوجه خاص، وإذا علمنا أن العرب في بداية حياتهم الفكرية لم يكن لديهم من وسائل الحفظ ما نملكه الآن، نحن الآن كما ترون في عصر المعرفة والتقنيات الحديثة، نمتلك كثيرًا من الوسائل المتقدمة في حفظ المعلومات ونشرها، مما يساعد على ذيوع كل معلومة في وقت قصير والاحتفاظ بها إلى أمد طويل.
أما العرب في حياتهم الأولى فلم تكن متوفرة لديهم مثل هذه الوسائل، التي يمكنهم من خلالها حفظ هذا التراث، سنون مضت وتقلبات حدثت وبلدان خربت على يد الأعداء، وكل ذلك كفيل بضياع ذلك التراث، حتى وإن كان العرب يمتلكون أدوات حفظه، فكيف وصل إلينا ذلك التراث؟ عصر الجاهلي ثم عصر صدر الإسلام ثم عصر بني أمية ثم العصر العباسي، حتى وصلنا إلى العصر الحديث، ونحن نعلم أن هذه العصور مر خلالها العرب بفترات ضعف وقوة، وحروب وتقلبات لا حصر لها، فكيف وصل إلينا ذلك التراث الذي هو جدير بالبحث كما قلت؟ وما الطرق التي ساعدتهم على حفظه وحمايته من الضياع.
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
وهناك شيء نود أن نلفت النظر إليه النظر إليه، ونحن نتحدث عن التراث الأدبي عند العرب الذي يمثل المجال المعرفي للبحث الأدبي، ذلك الشيء الذي أود الإشارة إليه هو: هناك من يظن أن هذا التراث من السهولة بمكان؛ لكثرة دورانه على الألسنة، وتردد مسمياته وأجناسه الأدبية على ألسنتنا، فكثير من الناس يعتقد أنه إذا استمع إلى بيت من الشعر، أو قرأ قصة أو رواية أو مقالة أو خطبة؛ يظن أنه بإمكان أي إنسان أن يتمعنها ويتذوق ما فيها من جماليات فنية، هذا ظن خاطئ، هذا ظن غير صحيح؛ الحقيقة أن الأدب فن وصنعة وثقافة، لا يعرفها إلا أهل العلم بالأدب وحدهم، كما أشار إلى ذلك ابن سلام في طبقاته، ومهما حَلَّق الإنسان حولها أو تعمق فيها فلا يمكنه سبر أغوارها؛ فهي في أشد الحاجة إلى البحث والتأمل والتذوق والتحليل، فالأديب ليس شخصًا عاديًا ولا يتحدث حديث الشخص العادي، وإنما يختلف حديثه باختلاف المواقف والمعاني والأحاسيس والمشاعر.
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
الطرق التي ساعدت العرب على حفظ تراثهم
بمقدار ما للتراث من قيمة وأهمية تكون عناية الأمم به، والعمل على صيانته وحفظه من الضياع، والتراث العربي روح الأمة وشريان حياتها النابض، ومن ثم أولته جل عنايتها، وسعت للحفاظ عليه بكل ما لديها من وسائل أو طرق، تتناسب مع حياتهم في كل عصر. ومن أهم الطرق التي استعان بها العرب في حفظ تراثهم: الرواية الشفوية، ويقصد بالرواية الشفوية السماع والحفظ، ثم الاستظهار والنقل، وتعد الرواية الشفوية أول وسيلة من وسائل حفظ التراث الأدبي لدى العرب، وخاصة الشعر، بالإضافة إلى حفظ الأنساب والأخبار، وتسجيل الوقائع التي كان الرواة يحرصون على تلقينها لمن يصغرهم، أو لأبنائهم، أو لمن يقوم بهذه المهمة في الأعصر التالية.
وقد فرضت البيئة الجاهلية على العرب استخدام الرواية كوسيلة لحفظ تراثهم ونشره، بمعنى أن العرب في العصر الجاهلي -خاصة- لم يكن لديهم من الوسائل المتاحة غير وسيلة الرواية الشفوية، صحيح الكتابة كانت موجودة لكنها نادرة، ومن الصعب الحصول على أدواتها التي يستعان بها في الكتابة، كان ذلك صعبًا، وكان الله سبحانه وتعالى قد منح العربي قدرة على الحفظ، هذه طبيعة العربي وتلك عاملًا مساعدًا، كون الله -سبحانه وتعالى- ميز الأعرابي بهذه الذاكرة القوية، وذلك القدر من الذكاء وصفاء الذهن، مكن العربي من الاستعاضة عن الكتابة بهذا القدر من الحفظ والاستذكار والنقل.
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
والعرب كانوا يحرصون على ذلك حرصًا شديدًا، فيقول ابن رشيق القيرواني في كتاب (العمدة): "كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم، وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج". إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على عناية العرب بهذا التراث الأدبي؛ لأنه يسجل أحسابهم وأنسابهم ومفاخرهم ومآثرهم ومثالب أعدائهم.
كان الرواة في الجاهلية طبقات:
الطبقة الأولى
وهم الشعراء، ومنهم الشعراء المحترفون الذين تجمع بينهم حرفة الفن الشعري، يعني يمتلكون الموهبة الشعرية, وهي التي تجمع بينهم. فكان هؤلاء الشعراء المحترفون يلزمون شاعرًا بعينه أو غيره من الشعراء، ويروون عنهم حتى ينفتق لسانهم ويسيل عليه ينبوع الشعر، يعني يتعلمون كيفية النظم واختيار الكلمات والأوزان والقوافي من خلال الحفظ.
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
ويمثل هؤلاء الشعراء المحترفون: أوس بن حجر التميمي، وزهير بن أبي سلمى، والحطيئة، وهدبة بن خشرم، وغيرهم كثير من الشعراء في ذلك العصر، ومن هذه الطبقة أيضًا -طبقة الشعراء المحترفين- شعراء لكنهم ليسوا محترفين، جمع بينهم النسب، يعني ينتمون إلى قبيلة واحدة، يروي خلفهم شعر سلفهم، حتى يظل شعر القبيلة محفوظًا لديهم؛ لأنه -كما أشار ابن رشيق- يحمل مفاخرهم وأخبارهم وأحسابهم وأنسابهم ويخلد مآثرهم، فكانوا يروون الشعر لخلفهم جيلًا بعد جيل، ويمثل هؤلاء الشعراء: الأعشى، الذي كان يروي شعر خاله المسيب بن عَلَس، وأبو ذؤيب الهذلي الذي كان راوية لساعدة بن جؤية الهذلي، وطرفة بن العبد الذي كان يروي للمرقش الأصغر عمه وخاله المتلمس.
ومن هذه الطبقة الأولى -أي طبقة الشعراء- شعراء لم يجمع بينهم نسب، ولم تجمع بينهم حرفة الفن الشعري، وإنما جمع بينهم سلوك معين في الحياة، فكان يروي بعضهم عن بعض، كالشعراء الصعاليك مثلًا، حيث كان يأخذ بعضهم عن بعض، كما نلاحظ عند تأبَّطَ شرًا والشنفرى وأبي دؤاد الأيادي وزيد الخيل.
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
الطبقة الثانية
الطبقة الثانية من طبقات الرواة الذين قاموا بدور كبير في حفظ ذلك التراث الأدبي: هم أفراد القبيلة أنفسهم، أفراد كل قبيلة كانوا يحرصون على حفظ أشعار الشعراء، الذين ينتمون إلى هذه القبيلة وروايتها؛ لأنها تسجل مناقب قومهم وانتصاراتهم في حروبهم، كما تسجل مثالب أعدائهم، فكان أفراد القبيلة جميعًا -شعراء وغير شعراء- يحفظون هذه الأشعار، وتنتقل من جيل إلى جيل عبر الأجيال المختلفة.
الطبقة الثالثة
أما الطبقة الثالثة فيمكن تسميتها: طبقة الحفظة، وهم الذين كانوا يرتادون المحافل والأسواق، وينشدون الأشعار التي يروونها عن جميع الشعراء، لا يلزمون شاعرًا بعينه ولا قبيلة بعينها، وإنما كانوا يحفظون عن كل الشعراء، ويؤثرون الأشعار التي تسجل المآثر والمثالب والأحساب والأنساب والأيام والأخبار، وكان هذا شاغلهم ولم يكن لهم شاغل سواه، وهم الذين قال عمر بن الخطاب فيهم: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه"، فكانوا يحرصون -هذه الطبقة من الرواة- على إذاعة هذه الأشعار، ونقلها من بيئة إلى بيئة ومن قبيلة إلى قبيلة ومن بلد إلى بلد، فذاعت وانتشرت، وتنوقلت على الألسن، وحفظتها الذاكرة عبر الأجيال المختلفة.
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
هذا بالنسبة للعصر الجاهلي، وظلت هي الأداة المستخدمة كما رأينا في حفظ الأشعار، أو التراث الأدبي عمومًا، ثم ظهر الإسلام وبعد ظهوره استمرت رواية الشعر، وأجاز النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، وكان كثيرًا ما يستنشد الصحابة شعرًا -رضي الله عنهم-، كما شجع عليه صحابةُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكان أبو بكر النسابة -رضي الله عنه- وكان راوية للشعر، وكذلك كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ثم زادت الحاجة إلى الرواية بعد إنشاء الدواوين في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؛ إذ كانوا يرجعون إلى الرواة لمعرفة الأنساب؛ لأنها كانت تقوم بدور مهم في رواتب الجند الفاتحين، وفي مراكز القبائل بالمدن الجديدة مثل: البصرة والكوفة، ولم تعد الرواية قاصرة على الشعر فقط في عصر صدر الإسلام، وإنما اتسعت لتشمل القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، معنى ذلك أن الرواية كانت تمثل أداة مهمة في حفظ التراث الأدبي في عصر صدر الإسلام، بالإضافة إلى حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
وظل الحال على ذلك طوال عصر صدر الإسلام، ثم قامت الدولة الأموية وكانت نزعتها عربية خالصة، فعملت جاهدة على حفظ هذا التراث، واستخدمت الرواية وسيلة لهذا الحفظ، واهتم خلفاء بني أمية بذلك اهتمامًا لا حد له، كما فعل معاوية وعبد الملك بن مروان وغيرهما من الخلفاء، إذ كانوا كثيرًا ما يسألون وفود القبائل التي تفد عليهم عن بعض شعرائها، وكانوا إذا اختلفوا في بيت من الشعر أبردوا بريدًا إلى العراق، يعني أرسلوا بريدًا إلى العراق يسألون علماءها عن صحة ذلك البيت، وإن دل ذلك فإنما يدل على شدة حرصهم ودقة روايتهم، كما اهتموا بتأديب أبنائهم من خلال مؤدبين يروونهم أشعار الجاهلية وأيامها وأخبارها.
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
ومما ساعد على ازدهار الرواية في ذلك العصر أيضًا: ظهور طائفة القصاص، الذين كانوا يجلسون للعظة في المساجد الجامعة، وكانوا كثيرًا ما يروون الأشعار وينثرونها للإفادة بما فيها في وعظهم، كما ظهرت جماعة في ذلك العصر أيضًا عنيت بغزوات الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما قيل فيها من أشعار، ومن هؤلاء: أبان بن عثمان بن عفان وعروة بن الزبير.
وهناك جماعة أخرى اهتمت بأخبار العرب الماضين، وما كان يجري على ألسنة شعرائهم، كل هؤلاء كانوا يستخدمون الرواية في حفظ هذا التراث وفي نقله إلى غيرهم، كما ظهرت طائفة أخرى من الرواة لم يكونوا يحسنون نظم الشعر، فهم لا يروونه لغرض تعلمه، وإنما يروونه لنشره بين الناس، وهؤلاء يشير إليهم جرير بقوله:
خروج بأفواه الرواة كأنها قَرَى هندواني إذا هُز صَمما
هذه هي وظيفتهم، يحفظون أشعار الشعراء ويروونها وينشرونها بين الناس، هذا ديدنهم، كان ذلك في عصر بني أمية، وكما رأينا اتسع مجال الرواية، واتسع أصناف الرواة وتعددت غاياتهم المختلفة، وكلهم يعتمد على الرواية، أي الحفظ والنقل والاستظهار.
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
ثم جاء العصر العباسي، ونشأت طبقة من الرواة المحترفين، الذين يتخذون رواية الشعر عملًا أساسيًا لهم، فيهم عرب وفيهم موال، فيهم قراء للقرآن وغير قراء، وهم جميعًا حضريون، يعني كانوا يعيشون في البصرة والكوفة، وكانوا يضيفون إلى رواية الأشعار كثيرًا من الأخبار عن الجاهلية وأيامها، ومن هؤلاء الرواة: أبو عمرو بن العلاء، وحماد الراوية، وخلف الأحمر، ومحمد بن السائب الكلبي، والمفضل الضبي، وكانوا يرحلون إلى القبائل والأعراب في البادية وإلى نجد أحيانًا؛ ليأخذوا الأشعار والأخبار من ينابيعها الصحيحة، هذا في بداية العصر العباسي.
 |
ولا نكاد نمضي في ذلك العصر حتى يكون هؤلاء الرواة مدرستين متقابلين: مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة، واستطاع رواة هاتين المدرستين جمع مادة كثيرة من الأشعار والأخبار وأيام العرب، اعتمد عليها المدونون فيما بعد. أخذوا هذه الأشعار والأخبار من ينابيعها الصحيحة، هكذا قامت الرواية الشفوية بدور كبير في حفظ التراث الأدبي للعرب، منذ العصر الجاهلي وحتى سنوات عدة من بداية العصر العباسي، وهذه الرواية الشفوية تمثل وسيلة مهمة في حفظ ذلك التراث، وهي الوسيلة الأولى. |
 |
أما الوسيلة الثانية من طرق حفظ التراث عند العرب فهي التدوين، بمعنى الكتابة، أي تسجيل ذلك التراث، بمعنى نقله من الذاكرة إلى كلام مكتوب مدون. |
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
بدأ التدوين الفعلي للنصوص في فترة مبكرة من حياة العرب، ففي عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- جمع القرآن الكريم ودون في كتاب واحد، بعد أن كان مفرقًا في صدور الحفظة، وفي النصف الثاني من القرن الأول الهجري عرف العرب بدايات التدوين، حيث يطالعنا عدد كبير من الرواة العلماء والأدباء من العرب والموالي على حد سواء، يعيشون في الحضر، وهم على دراية كاملة ومعرفة واسعة بالبادية، يرحلون إليها ويلتقون بأهلها أو يلقونهم في الحواضر والأسواق؛ ليجمعوا ما لديهم من أشعار وأخبار، ثم يقومون بتدوينها ويعملون على حفظها مدونة أي مكتوبة، ودرسها وشرحها لتلاميذهم وإذاعتها على الناس.
وما إن استكملت الحياة الثقافية في كل من مدينتي البصرة والكوفة، حتى اشتد التنافس بين علماء ورواة المدرستين في سبيل جمع وتدوين التراث العربي القديم، بدءوا يرحلون إلى البوادي، لكن ليس من أجل الحفظ فحسب، وإنما من أجل الحفظ للتدوين، وبخاصة حفظ الأشعار والشعر الجاهلي. ومن علماء مدرسة البصرة الذين كان ذلك هدفهم: الأصمعي، الذي نقل الكثير عن فصحاء الأعراب الذين كانوا يفدون إلى البصرة، كما أكثر الخروج إلى البادية وشافه أهلها ونقل عنهم، ودون ما تجمع لديه، وله مجموعة شعرية منتقاة من الشعر الجاهلي سميت باسمه (الأصمعيات).
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
ومن رجال مدرسة الكوفة المبرزين في ذلك المجال: المفضل الضبي، وهو عربي صميم أسهم بشكل واضح في حركة التدوين، وقام بجمع كثير من أشعار العرب وأخبارهم، وتتلمذ على يديه مجموعة من العلماء والرواة منهم: أبو عمرو إسحاق الشيباني، وابن الأعرابي، والفراء، وأبو زيد القرشي، وغيرهم من أعلام اللغة والأدب، وخلال عملية البحث والتدوين هذه حرص هؤلاء العلماء على أن يلتزموا في عملهم هذا منهجًا محددًا، وقائمًا على أصول ثابتة، مما يجعلنا نطمئن لمنهجهم في جمع هذا التراث وتدوينه، ومدى الاهتمام به، ونثق في صحته وسلامة ما وصل إلينا منه عن طريق هؤلاء الرواة.
أقول هذا حتى لا يؤثر فينا ما نسمعه من كلام في مثل هذه القضية، وهي قضية نسبة الأشعار إلى غير أصحابها، أو ما يعرف بقضية الانتحال، هذا المنهج الذي حرص عليه هؤلاء العلماء منهج دقيق، يتلخص في نقطتين مهمتين:
 |
المنهج الأول: تحديد مصادر هذا التراث وتعيين أماكن وجوده، كانوا يحددون المصدر أين يوجد وفي أي مكان، ثم يشدون الرحال إلى هذه الأماكن، إلى تلك البوادي والمناطق المعزولة، نعم كانت معزولة نسبيًا عن اختلاط اللغة في العصر العباسي بالذات؛ لأن العرب اختلطوا بالموالي وظهر اللحن، فكان هؤلاء الرواة يفضلون أن يذهبوا إلى هذه المناطق المعزولة نسبيًا؛ حتى تكون اللغة لغة بعيدة وصحيحة وخالية من اللحن؛ ليأخذوا اللغة من أفواه الأعراب الذين لم تفش فيهم عجمة أو لحن، هذا هو المنهج الأول. |
١.١ الثروة الأدبية عند العرب والطرق التي ساعدت على حفظ تراثهم الأدبي
 |
المنهج الثاني: فحص ما جمعه الرواة من نصوص فحصًا دقيقًا؛ لتوثيق مصدره ومتنه على أيدي خبراء ذوي بصر باللغة والشعر، فكشفوا عن زائفه ومنحوله، وميزوا الرواة الذين عرفوا بالضبط والثقة من الذين لم يعرفوا بهذا، مِن الذين اشتهروا بالوضع والنحل فجرَّحوهم ونبهوا وأشاروا إليهم، ولم يكونوا يتهاونوا في ذلك على الإطلاق، ونحن نعلم أنه بمقدار تراث الأمة -كما قلت- وأهميته بالنسبة لهم يكون الاهتمام بهذا التراث رواية وتدوينًا وتمحيصًا، فكانوا جادين في عملهم، كانوا جادين في فحص الروايات، كانوا جادين في امتحان الرواة والتشدد في ذلك تشددًا واضحًا، وكانت نتيجة هذه الحركة النشطة أن وصل إلينا كم ضخم من هذا التراث، عكف عليه الدارسون كل يعمل في مجال تخصصه، فاللغويون يستخلصون منه معجم ألفاظ اللغة، ويميزون قواعد نحوها من صرفها وضوابط شعرها، وخصائصها الأسلوبية والبيانية، وآخرون منهم اختصوا بدراسته وتحليله، فشرحوا ألفاظه وفسروا غريبه، واهتم غيرهم بتذوقه ونقده، كما اتجه آخرون إلى تراجم الشعراء وجمع المرويات عنهم. |
وهكذا نحن الآن صرنا ضمن هؤلاء الباحثين، ننظر في هذا التراث ونبحث فيه؛ لنستكشف عوالمه ونستنبط المقاييس الفنية، والأجناس الأدبية التي ابتكروها وتوصلوا إليها.