١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


زمان هذا الطور

يبدأ هذا الطور من عهد الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري المتوفى سنة مائة وسبعين أو خمس وسبعين من الهجرة، وأبي جعفر محمد بن الحسن الرؤاسي الكوفي المتوفى في عهد الرشيد، وينتهي عند أول عهد أبي عثمان المازني البصري وأبي يوسف يعقوب بن السكيت الكوفي، أو نقول: ينتهي برحيل أبي الحسن الأخفش المتوفى سنة مائتين وخمس عشرة, وأبي زكريا الفراء المتوفى سنة مائتين وسبع.
وفي هذا الطور يلتقي رجال الطبقة الثالثة والرابعة والخامسة من البصريين برجال الطبقة الأولى والثانية والثالثة من الكوفيين، فالطبقة الثالثة البصرية -بزعامة الخليل بن أحمد- تلتقي بالطبقة الأولى الكوفية -بزعامة أبي جعفر الرؤاسي- والطبقة الرابعة البصرية -بزعامة سيبويه المتوفى سنة مائة وثمانين من الهجرة- تلتقي بالطبقة الثانية الكوفية -بزعامة الكسائي المتوفى سنة مائة وتسع وثمانين- والطبقة الخامسة البصرية -بزعامة الأخفش الأوسط المتوفى سنة مائتين وخمس عشرة- تلتقي بالطبقة الثالثة الكوفية -بزعامة الفراء المتوفى سنة مائتين وسبع من الهجرة.
يقول الشيخ الطنطاوي -رحمه الله: فهذا الطور مبدأ الاشتراك بين البلدين -يعني: البصرة والكوفة- في النهوض بهذا الفن، والمنافسة في الظفر بشرفه؛ فقد تلاقت فيه الطبقة الثالثة البصرية -برياسة الخليل- والأولى الكوفية -بزعامة الرؤاسي- وكذا بعدهما طبقتان من كل من البلدين، فوثب هذا الفن وثبة حَيَّا بها حياة قوية أبدية بعد، وكان هذا الطور حريًّا أن يسمى طور النشوء والنمو.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


أبرز رجال طبقات هذا الطور من البصريين والكوفيين

أولًا: أبرز رجال مدرسة البصرة
أبرز رجال الطبقة الثالثة البصرية
الأخفش الأكبر
هو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد، كان إمامًا في العربية، لقي الأعراب فأخذ عنهم، وأخذ عن أبي عمرو بن العلاء وطبقته؛ قال ابن خلكان: كان نحويًّا لغويًّا، وله ألفاظ لغوية انفرد بنقلها على العرب، ولم يخلف الأخفش الأكبر وراءه شيئًا مكتوبًا، وإنما ترك آراءً لغوية تضمنتها كتب من أتوا بعده -وبخاصة كتاب سيبويه- وقد توفي سنة سبع وسبعين ومائة من الهجرة، ومن تلاميذه: يونس بن حبيب وأبو عبيدة وسيبويه والكسائي.

الخليل بن أحمد بن عبد الرحمن الفراهيدي الأزدي
وُلِدَ سنة مائة من الهجرة، وتوفي سنة خمس وسبعين بعد المائة على الأصح، ونشأ بالبصرة واختلف إلى كبار علمائها، وأخذ عن أَجَلِّ شيوخها؛ فأخذ اللغة عن أبي عمرو بن العلاء، والنحو عن عيسى بن عمر, ولما أتم علومه تصدر للتدريس بمسجد البصرة ومجالسها، وتتلمذ على يديه كثير من النابهين؛ كالأصمعي والنضر بن شميل وأبي فيد مؤرج السدوسي، وعلي بن نصر الجهضمي، وسيبويه.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


وكان يتمتع بحافظة قوية، وموهبة فذة مبتكرة، ولم يقف نبوغه عند النحو واللغة فحسب، بل كان ذا عقلية رياضية ظهرت بجلاء في تأليفه معجم (العين) الذي جمع فيه ألفاظ اللغة بطريقة حاصرة ابتكرها هو، وهي طريقة تقليبات حروف الكلمة، وقد خلف وراءه آثارًا جمة كانت محل تقدير العلماء والدارسين، ومناط اعتماد المؤلفين والمنصفين، منها مؤلفات مكتوبة، ومنها آراء وتوجيهات أدلى بها إلى تلاميذه.
ومن أهم جهود الخليل -رحمه الله: أنه كان يجوب بوادي الحجاز ونجد وتهامة, مواجهًا العرب في صحرائها، مستمعًا لأحاديثها، ثم يعود إلى البصرة، ويستجمع كل ما سمع، ويشحذ ذهنه الحادَّ، ويفرغ للبحث عن لآلئ هذا الفن من بحر علمه العميق، حتى جَمَعَ أُصُولَهُ، وفرع تفاريعه، وضم كل شيء إلى نظيره، وَسَاقَ الشَّوَاهِدَ، وَعَلَّلَ الْأَحْكَامَ، وَبَلَغَ فِي ذَلِكَ غَايَةً مَحْمُودَةً فَاتَتْ كُلَّ مَنْ سَبَقَهُ، بَيْدَ أَنَّهُ اكتفى عن تدوين موسوعة في النحو بطلبته الذين كان يملي عليهم.
وفي ذلك يقول أبو بكر الزبيدي: وهو الذي بسط النحو، ومد أطنابه، وَسَبَّبَ عِلَلَه، وَفتَّقَ مَعَانِيَه، وأوضح الْحِجَاجَ فيه، حتى بلغ أقصى حدوده، وانتهى إلى أبعد غاياته، ثم لم يرضَ أن يؤلف فيه حرفًا أو يرسم فيه رسمًا، واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه، ولقنه من دقائق نظره ونتائج فكره، ولطائف حكمته، فحمل سيبويه عنه ذلك وَتَقَلَّدَهُ، وألف فيه (الكتاب) الذي أعجز من تقدم عليه، كما امتنع على من تأخر بعده.
ويقول السيرافي: وعامة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل، وكلما قال سيبويه: وسألته, أو قال من غير أن يذكر القائل فهو يعني الخليل.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


وإذا تأملت فيما نقله سيبويه عن أستاذه, أدركت أن الخليل هو الذي رفع قواعد علمي النحو والصرف، وثبت أركانهما، وأقام صرحهما بما وضعه فيهما من مصطلحات، وما ضبطه فيهما من قواعد، وما شَعَّبَهُ فيهما من فروع، وما سماه فيهما من أبواب، وهو الذي ثبت نظرية العامل ومد فروعها وأحكامها، وهو الذي أرسى دعائم أصول النحو كالسماع والقياس, والتعليل والتأويل, وغيرها.

يونس بن حبيب الضبي
هو المولود سنة تسعين من الهجرة، والمتوفى سنة اثنتين وثمانين ومائة، أخذ علم اللغة عن أبي عمرو بن العلاء، وأخذ النحو عن حماد بن سلمة، وواجه الأعراب وسمع منهم، حتى صار مرجع الأدباء والنحويين، وكانت له حلقات دراسة بالبصرة، يؤمها القاصي والداني من فصحاء الأعراب وأهل العلم، وكانت له في النحو أقيسة ومذاهب تفرد بها، وممن سمعوا منه في حلقات درسه: الكسائي والفراء وسيبويه.
وقد روى عنه سيبويه كثيرًا في كتابه، لكن أغلب مروياته عنه كانت في شواهد اللغة، لا في قواعد النحو وأقيسته، وممن حضروا دروسه أيضًا: أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو زيد الأنصاري, وخلف الأحمر.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


يقول السيرافي في وصفه: وأما يونس بن حبيب فإنه بارع في النحو, من أصحاب أبي عمرو بن العلاء، وقد سمع من العرب كما سمع من قبله، وقد روى عنه سيبويه وَأَكْثَرَ، وله قياس في النحو ومذاهب يتفرد بها، وقد سمع منه الكسائي والفراء، وكانت حلقته بالبصرة ينتابها أهل العلم وطلاب الأدب وفصحاء الأعراب والبادية.
هذا, ومن أقيسته ومذاهبه التي تفرد بها مخالفًا الخليل وسيبويه ما يلي:
أنه كان يذهب إلى أن تاء "أخت" و"بنت" ليست تاء تأنيث؛ لأن ما قبلها ساكن، ولأنها لا تبدل هاء في الوقف، ومن ثم لا تُحْذَفُ في النسب، في حين يحذفها سيبويه والخليل.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


وخلاصة ما بذله هؤلاء من جهود في خدمة النحو ما يلي:
إقامة الدرس حوله، والعمل على نشره وتعليمه، وهذا ما اقتصر عليه أبو الخطاب الملقب بـ"الأخفش الأكبر".
مواجهة الأعراب والسماع منهم، ثم وضع القواعد والقوانين واستخدام الشواهد والأدلة على صحة ما يستنبطونه منها.
وضع المصطلحات النحوية والصرفية، وتحديد أبواب النحو والصرف، وابتكار نظرية العامل وفروعها وأحكامها، والعمل بأصول النحو كالسماع والقياس والتعليل والتأويل، وكل ذلك من جهود الخليل بالدرجة الأولى.

أبرز رجال الطبقة الرابعة البصرية
سِيبَوَيْهِ
هو عمرو بن عثمان بن قنبر، المكنى بأبي بشر، المتوفى سنة ثمانٍ وثمانين بعد المائة من التاريخ الهجري؛ ولد بالبيضاء -وهي قرية من قرى شيراز ببلاد فارس- وقدم البصرة مع أسرته، فتلقى علوم اللغة عن الأخفش الأكبر، وأخذ النحو عن الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب وعيسى بن عمر، وروى عن أبي عمرو بن العلاء، وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، والرؤاسي شيخ الطبقة الأولى الكوفية، ولم يؤثر عنه أن تصدر للتدريس؛ لأنه كان في لسانه حُبْسَة، وكان هذا سببًا في قلة تلاميذه، وممن أخذوا عنه: الأخفش الأوسط وقطرب والناشئ.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


وقد وصفه أبو الطيب اللغوي بأنه أعلم الناس بالنحو بعد الخليل، ووصفه أبو سعيد السيرافي بأنه أبرع أصحاب الخليل في النحو، وكانت لسيبويه مقدرة ذهنية مَكَّنَتْهُ من تفسير ظواهر اللغة وقياس بعضها على بعض، وكانت لديه مَلَكَةُ التصنيف والتنسيق، فأبدع كتابه على مثال لم يُسْبَقْ إليه، ولم يَدَعْ للمتأخرين استدراكًا عليه؛ فقد ذلل له شيخه الخليل كل صعب وفتح أمامه سبلًا واسعة في القياس والتعليل والتأويل.

أبو محمد يحيى بن المبارك
وهو المعروف باليزيدي، المتوفى سنة اثنتين ومائتين من الهجرة؛ نشأ بالبصرة، وأخذ اللغة والقراءة عن أبي عمرو بن العلاء، وأخذ النحو والعروض عن الخليل بن أحمد، كما أخذ عن عبد الله بن أبي إسحاق ويونس بن حبيب، واشتهر باللغة والنحو، وذاع صيته بالبصرة ثم بغداد، وكان ثقة صدوقًا، وكان الخليل بن أحمد يُجِلُّهُ وَيُقَدِّرُهُ لسعة علمه وكريم خلقه.
وقد اشتغل بالتدريس في البصرة وبغداد، وخلف مصنفات نافعة في اللغة والنحو، منها: كتاب "النوادر في اللغة", وكتاب "المقصور والممدود", وكتاب مختصر في النحو، وكتاب "النقط والتشكيل".


١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


أبو زيد الأنصاري
هو سعيد بن أوس بن ثابت، المشهور بأبي زيد النحوي، المتوفى سنة أربع عشرة ومائتين من الهجرة، وصفه القفطي بأنه صاحب النحو واللغة، وقال في وصفه أيضًا: كان ثقة وكان عالمًا بالنحو، ولم يكن مثل سيبويه والخليل، وكان يونس أعلم منه في النحو، وكان مثله في اللغات، وكان أبو زيد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وكان يقال له: أبو زيد النحوي.
وله كتاب في تخفيف الهمز على مذهب النحويين، وفي كتبه المصنفة في اللغة وشواهد النحو عن العرب ما ليس لغيره، وكان كثير السماع عن العرب. انتهى.
وقد تلقى عنه كثيرون، منهم: سيبويه، والجرمي، والمازني، وأبو حاتم، والتَّوَّزِي، والزِّيَادِي، وذكر له علماء التراجم كتبًا كثيرةً ألفها، منها: كتاب (الإبل) وكتاب (النبات والشجر) وكتاب (الوحوش), ومنها كتاب (الغرائز) وكتاب (الصفات), ومنها كتاب (معاني القرآن) وكتاب (قراءة أبي عمرو), ومنها كتاب (الجمع والتثنية) وكتاب (المصادر) وكتاب (فَعَلْت وَأَفْعَلْت) وكتاب (النحو الكبير), ومن كتبه المطبوعة المفيدة: كتاب (النوادر في اللغة) وكتاب (المطر) وكتاب (الهمز).

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


وقد تحدث الدكتور محمد عبد القادر في مقدمة كتاب (النوادر) عن منزلة أبي زيد العلمية، فقال: كان أبو زيد الأنصاري إمامًا من أكبر أئمة اللغة والنحو والشعر والأدب في العصر العباسي الأول، وكان وقورًا محترمًا، يختلف إلى مجلسه كثير من رُوَّاد العلم، فيأخذون عنه، ويعترفون له بالتقدم والفضل، وكانت حلقته بالمسجد الجامع بالبصرة يدرس فيها الشعر والأخبار وعلوم اللغة العربية والحديث والقراءات.
وقال أيضًا: كانت حلقة أبي زيد واحدة من أقبل الحلقات العلمية في مدينة البصرة, يَؤُمُّهَا النَّاس من كل مكان، كان فيها المازني، والتوزي، والجاحظ، والجرمي، وأبو حاتم السجستاني، وخلف الأحمر، والزيادي، وأبو عبيد، وعمرو بن شبة، وأبو العيناء، وأبو فيد مؤرج السدوسي، واللحياني، وغير هؤلاء كثير.
وتردد على هذه الحلقة الكبيرة -بجانب العلماء الذين ذكرناهم- كثير من أعراب البادية، فمنهم من كان يأتي ليعرض بضاعته من الشعر والأخبار، ومنهم من كان يأتي للسماع، خاصة وقد توفر لدروس هذه الحلقة التنوع، ومن هنا كانت مقصد فئات كثيرة من الناس -كما وصفها المؤرخون- وكان أبو زيد يجاذب الأعراب الذين يقصدونه الحديث، ويسألهم بغية استرسالهم والاستفادة منهم، فإذا أعجبه قولهم طَلَبَ من تلاميذه أن يسجلوه.
وخلاصة ما بذله رجال الطبقة الرابعة البصرية من الجهود في خدمة النحو ما يلي:
إقامة الدرس حوله, والاشتغال بتدريسه في الحلقات العلمية الكبيرة.
الاستفادة من حضور الأعراب إلى تلك الحلقات, والاستماع إليهم والتسجيل عنهم.
كثرة التأليف والتصنيف في اللغة والنحو، ويأتي على رأس القائمة من ذلك كتاب سيبويه الذي جمع كل شاردة وواردة في علمي النحو والتصريف.
أسهم كلٌّ من سيبويه واليزيدي في مناظرات نحوية مع الكسائي -شيخ الطبقة الثانية الكوفية- وكان من أشهرها مناظرة سيبويه والكسائي حول ما يعرف بالمسألة الزنبورية، وسيأتي الحديث عنها.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


أبرز رجال الطبقة الخامسة البصرية
بو الحسن الأخفش سعيد بن مسعدة
المتوفى سنة خمس عشرة ومائتين من الهجرة, ولد ببلخ، وأقام بالبصرة لطلب العلم، وشارك سيبويه في التلقي عن جل شيوخه سوى الخليل، ثم أخذ عن سيبويه رغم أنه أسن منه، فكان أنحى تلاميذه، وكان من أخص أصحاب سيبويه وأسبقهم ويوصف بأنه الطريق الوحيد إلى كتاب سيبويه؛ لأنه لا يعلم أحد قرأ الكتاب على سيبويه، إنما قرئ على الأخفش بعد وفاته، وأول من قرأه عليه أبو عمر الجرمي وأبو عثمان المازني،
كما قرأه عليه الكسائي سرًّا.
وأجمع العلماء على وصف الأخفش بقوة الذكاء، ونفاذ البصيرة في اللغة والنحو، كما أجمعوا على سعة علمه وفطنته،
وقد وصفه السيرافي بأنه أحدق أصحاب سيبويه، ووصفه ثعلب بأنه كان أوسع الناس علمًا.
وقد أمده عقله الخصب بما لا يحصى من الآراء الجديدة التي خالف بها أستاذه سيبويه في كثير من مسائل النحو والصرف الفرعية, وهو الذي فتح باب الخلاف على سيبويه وأستاذه الخليل، وتابعه الكوفيون في كثير من ذلك الخلاف، وقد وصفه بعض العلماء بأنه إمام الخلاف في النحو والصرف ومسائلهما، كما وصفوه بأنه المؤسس الأول لمدرسة الكوفة النحوية؛ لأن إماميها الكسائي والفراء تتلمذا له، وتابعاه في كثير من آرائه التي حاول بها نقد طائفة من آراء سيبويه والخليل.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


وقد خَلَّفَ كثيرًا من الكتب النافعة في النحو واللغة والعروض وغيرها، ومن مؤلفاته: (الأوسط) في النحو، و(المقاييس) في النحو، و(المسائل الكبير) و(المسائل الصغير) و(الاشتقاق) و(الأصوات) و(وقف التمام) و(معاني القرآن) و(معاني الشعر) و(العروض والقوافي).

أبو علي قطرب محمد بن المستنير
وهو المتوفى سنة ست ومائتين من الهجرة، ولد ونشأ بالبصرة، وأقبل مبكرًا على دراسة اللغة والنحو، فتلقى عن عيسى بن عمر ويونس بن حبيب وسيبويه، إلا أن اتصاله بسيبويه كان أكثر، وكان كلما خرج سيبويه من بيته سَحَرًا وجده على بابه، فقال له: إنما أنت قطرب ليل, فأطلق الناس عليه اسم "قطرب"، ولصق به هذا الاسم، والقطرب: دابة صغيرة تَدِبُّ كثيرًا ولا تفتر.
وقد برع في النحو وغريب اللغة ونوادرها، حتى ذاعت شهرته، فاتخذه الرشيد مؤدبًا لولده الأمين، ثم صار مؤدبًا لأولاد أبي ذلف العجلي -أحد قواد الرشيد- والمأمون.
وخلاصة ما بذله رجال الطبقة الخامسة البصرية من الجهود في علم النحو ما يلي:
إقامة الدرس حوله، والعمل على إذاعته ونشره، كما صنع الأخفش بتدريس كتاب سيبويه؛ فلم يُدْرَسِ الكتاب إلا على يديه.
كثرة التأليف في النحو, وفي غيره من العلوم التي تخدمه كعلم اللغة.
الاتجاه إلى خدمة القرآن الكريم كله بالنحو، من جهة إعراب آياته وتوجيهها، كما أُثِرَ ذلك عن الأخفش وقطرب، وقد وصل إلينا كتاب الأخفش في هذا المجال.
استعمال العقل في دراسة مسائل النحو, وعدم الركون إلى التسليم بما توارثوه عن المتقدمين، كما رأينا عن الأخفش وقطرب.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


وَقَدْ تَفَرَّدَ بِآرَاء في النحو والصرف خالف فيها كلًّا من سيبويه والخليل والأخفش، ومن آرائه التي تفرد بها:
أن واو العطف تفيد الترتيب

هذا, وقد خلف قطرب العديد من المصنفات في النحو واللغة وعلوم القرآن وغيرها، نذكر منها: كتاب (العلل) في النحو, وكتاب (المثلث)
في اللغة, وكتاب (الأضداد) وكتاب (فَعَلَ وأَفْعَل) وكتاب (الفرق), وكتاب (معاني القرآن) وكتاب (إعراب القرآن), وكتاب (الرد على الملحدين في متشابه القرآن) وكتاب (القوافي).

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


ثانيًا: أبرز علماء طور النشوء والنمو في مدرسة الكوفة
أبرز رجال الطبقة الأولى الكوفية
أبو جعفر الرؤاسي محمد بن الحسن
وهو المتوفى في عهد هارون الرشيد؛ كانت نشأته بالكوفة لكنه ورد البصرة، فأخذ العربية عن عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء، ثم رجع إلى الكوفة؛ حيث اشتغل بالنحو مع عمه معاذ بن مسلم الهراء.
قال القفطي: وتقدم في النحو حتى قال الكسائي: ما وجدت في الكوفة أحدًا أعلم بالنحو من أبي جعفر الرؤاسي، ومن تلاميذه: الفراء والكسائي، وذكر ثعلب وغيره أنه أول من وضع كتابًا في النحو من الكوفيين، وأنه صنف فيه كتاب (الفيصل) وهو أول كتاب صُنِّفَ في نحو الكوفة، وذكر ابن النديم في (الفهرست) كتبًا أخرى له، وهي: كتاب (التصغير), وكتاب (معاني القرآن), وكتاب (الوقف والابتداء الكبير), وكتاب (الوقف والابتداء الصغير).
ويحكى عنه أنه قال: أرسل إليّ الخليل بن أحمد يطلب كتابي، فبعثته إليه فقرأه, فوضع كتابه.
وقد سئل الفراء عن الرؤاسي فأثنى عليه, وقال: قد كان دخل البصرة دخلتين، وقل مقامه في الكوفة؛ فلذلك قل أخذ الناس عنه.
وخلاصة ما بذله الرؤاسي, ومعاذ بن مسلم ما يلي:
وضع اللبنة الأولى في نحو مدرسة الكوفة, بعد تتلمذهما على علماء مدرسة البصرة.
إقامة الدرس حول علمي النحو والتصريف، والعمل على نشرهما وتعليمهما للناس.
وضع المؤلفات المفيدة في النحو, والتصريف, وغيرهما.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


أبو مسلم معاذ بن مسلم الهراء
وهو المتوفى سنة سبع وثمانين ومائة من الهجرة؛ نشأ بالكوفة لكنه كان يختلف إلى نحاة البصرة، ويأخذ عنهم النحو والصرف، وقد اشتغل مع ابن أخيه أبي جعفر الرؤاسي في النحو, لكن لم يوقف له على مصنف فيه، ولم تروِ له كتب النحو أقوالًا أو آراء نحوية.
وتفيد الروايات أنه كلف بالبحث عن الأبنية والتمارين، وغلبت عليه الناحية الصرفية، ومع ذلك لم يؤثر عنه أنه رأى رأيًا في التصريف أو أنه صنف فيه كتابًا، بل كان جل اهتمامه تعليم الدارسين ما يعرف بمسائل التدريب أو مسائل التمرين، ويروى عنه أنه عمل مؤدبًا
لأولاد الخليفة عبد الملك بن مروان.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


أبرز رجال الطبقة الثانية الكوفية
أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي
وهو المتوفى سنة تسع وثمانين بعد المائة من الهجرة، ولد بالكوفة واتجه إلى تعلم النحو بها، فاختلف إلى حلقات معاذ بن مسلم الهراء وأبي جعفر الرؤاسي، ولم يجد عندهما ما يشفي غليله، فرحل إلى البادية رحلته الأولى، ثم عاد إلى الكوفة، ثم أدرك أنه لن يحسن العربية إلا إذا استمع إلى معلميها بالبصرة، فرحل إليهم، وأخذ ينتقل بين حلقات عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب، ولَزِمَ حلقة الخليل بن أحمد، وأعجبته رواية الخليل لأشعار العرب وأقوالهم، فسأله عن ينابيع تلك الرواية، فأخبره الخليل بأنها من مشافهته لأهل البوادي في الحجاز ونجد وتهامة، فمضى إلى أهل البوادي في رحلة ثانية، وحمل معه خمس عشرة قنينة حبر، وظل يكتب ما يسمعه منهم ويدونه في صحفه حتى نفد ما معه من الحبر, ورجع إلى البصرة، فوجد الخليل قد انتقل إلى جوار ربه، وخلفه يونس بن حبيب فلزمه، ودارت بينهما مسائل اعترف له يونس فيها بالتقدم والتفوق، فعاد إلى مسقط رأسه الكوفة لنشر علمه الذي استقاه من علماء البصرة، وسرعان ما عظم شأنه، وذاع صيته حتى وصل إلى مسامع الخليفة المهدي في بغداد، فاستقدمه ورأى فيه عالمًا متبحرًا، فاستبقاه في بغداد، واتخذه مؤدبًا لابنه هارون الرشيد، ثم آلت الخلافة إلى الرشيد فاستبقاه، واتخذه مؤدبًا لابنه الأمين والمأمون، وكان لاحتضان الخليفة المهدي وابنه الرشيد للكسائي أبلغ الأثر في ظهور المذهب الكوفي في النحو؛ حيث تكاثر أتباعه وعزّ علماؤه.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


وكان للكسائي نشاطٌ كَبِيرٌ في التَّصْنِيفِ؛ فَقَدْ صَنَّفَ كِتَابًا في معاني القرآن، وصنف كتاب (القراءات) وكتاب (مختصر النحو) وكتاب (الحدود) في النحو، وكتاب (العدد) وكتابي (النوادر الكبير) و(الصغير)، وألف في أغلاط العامة كتابًا سماه (ما تلحن فيه العوام)، وهو مطبوع.
ومن أسباب نبوغه: قراءته لكتاب سيبويه سرًّا على يد أبي الحسن الأخفش الذي بعث فيه روح المخالفة لسيبويه والخليل، ونمى رغبته الملحة في مخالفة النحو البصري مخالفة تقوم على التوسع في الرواية والقياس, وأدى ذلك إلى قيامه بتأسيس مدرسة نحوية جديدة يُعِينُهُ في ذلك تلاميذه -وخاصة الفراء.
فالكسائي بحق هو إمام مدرسة الكوفة، وهو الذي وضع رسومها ووطأ منهجها، وأرسى دعائمها، وفيه يقول أبو الطيب اللغوي: كان عالم أهل الكوفة وإمامهم، إليه ينتهون بعلمهم، وعليه يعولون في روايتهم.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


وخلاصة جهود أبي الحسن الكسائي الذي يمثل وحده الطبقة الثانية من الكوفيين في طور نشوء النحو ونموه ما يلي:
أنه راعى نبتة النحو الكوفي التي نبتت على يد أبي جعفر الرؤاسي ومعاذ بن مسلم، وتعهدها بالرعاية والعناية، حتى صارت شجرة باسقة، وتكونت على يده مدرسة النحو الكوفي بمنهجها الخاص بها.
أنه في سبيل ذلك شافه أعراب البوادي وسمع منهم, وتتلمذ على أئمة البصريين، وقرأ كتاب سيبويه حتى استقامت له فصاحته، ونما عقله وفكره.
أنه أسهم في خدمة النحو العربي, بما وضعه من مصنفات في اللغة والنحو وعلوم القرآن.
تذكر الروايات أنه شارك في مناظرات مع غيره من العلماء، وعلى رأسهم سيبويه؛ بغية ترسيخ قدم الدراسات النحوية ونشرها بين الناس.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


أبرز علماء الطبقة الثالثة الكوفية
أبو الحسن الأحمر علي بن الحسن
وهو المتوفى سنة أربع وتسعين ومائة من الهجرة، كان رجلًا من الجند يعمل حارس نوبة على باب الرشيد في بغداد، وكان يحب العربية، ولا يستطيع أن يجالس الكسائي إلا في غير أيام نوبته، وكان الكسائي يأتي إلى قصر الرشيد لتأديب ابنيه الأمين والمأمون، فكان أبو الحسن الأحمر يرصده كل يوم؛ فإذا أقبل تلقاه وأخذ بركابه، وماشاه وسأله المسألة بعد المسألة، إلى أن يبلغ الكسائي الستر، فيرجع هو إلى مكانه في الحراسة، فإذا خرج الكسائي فعل به مثل ذلك، حتى قوي وتمكن في علم العربية على المذهب الكوفي.
ولما أصيب الكسائي بالبرص, طلب منه الرشيد أن يختار لتأديب أولاده من ينوب عنه، فاختار لذلك الأحمر، والتزم معه أن يلقنه كل يوم مسألتين في النحو وبيتين من معاني الشعر وأحرفًا في اللغة حتى يستطيع القيام بهذه المهمة، فلم يزل الأحمر كذلك حتى صار نحويًّا، وارتفع شأنه، وكان يحفظ أربعين ألف شاهد في النحو، وكان مقدمًا على غيره من أصحاب الكسائي، وأملى شواهد النحو، وصنف مقاييس التصريف، وتَفَنُّن البلغاء.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء
وهو المتوفى سنة سبع ومائتين للهجرة، ولد بالكوفة من أصل فارسي عام أربعة وأربعين ومائة، وتتلمذ في اللغة والنحو على يد أبي جعفر الرؤاسي وأبي الحسن الكسائي، وذهب إلى البصرة بعد وفاة الخليل بن أحمد، وتصدر يونس للتدريس فجلس إلى يونس، وأخذ عنه اللغة والنحو، وروى عنه الكثير من لغات العرب وأشعارهم.
وكان حادَّ الذهن، خارق الذكاء، حاضر البديهة، دقيق النظر، خصب التفكير، وقد ساعدته هذه المواهب على اتساع ثقافته، وإلمامه بعلوم عصره، وتعمقه في علوم القراءات والفقه والفلسفة، وحذقه علوم اللغة والنحو، حتى وصف بأنه أمير المؤمنين في النحو، وكان شديد العصبية على سيبويه، مغرمًا بمخالفته رغم أنه لما مات وجد كتاب سيبويه تحت وسادته.
وقد سار على نهج أستاذه الكسائي في إقامة صرح النحو الكوفي حتى أعطاه صورته النهائية، وهي صورة تقوم على جملة أمور, هي:

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


الخلاف مع نحاة البصرة في كثير من الأصول، وفي تحليل بعض الأدوات والكلمات، وفي كثير من العوامل والمعمولات.
وقد خَلَّفَ الفراء العديد من الكتب النافعة، منها ما هو مطبوع، ومنها المخطوط أو المفقود، وأهم هذه الكتب: (معاني القرآن) و(المصادر في القرآن الكريم), و(الجمع والتثنية في القرآن الكريم) و(الوقف والابتداء في القرآن الكريم), و(الحدود في النحو) و(الكتاب الكبير) في النحو، و(المذكر والمؤنث), و(المقصور والممدود), وكتاب (الواو), و(مشكل اللغة) و(النوادر), و(البهي فيما تلحن فيه العامة).

أبو عبد الله هشام بن معاوية الضرير
وهو المتوفى سنة تسع ومائتين من الهجرة، يوصف بأنه أنبه تلاميذ الكسائي بعد الفراء، وقد قضى حياته في التدريس والإملاء على الطلاب، كما كان مؤدبًا لبعض أبناء الأثرياء، وعُني بالتصنيف في النحو، وَذَكَرَ له العلماء ثلاثة كتب، هي: (الحدود) و(المختصر) و(القياس)، وقال السيوطي: له مقالة في النحو تُعْزَى إليه.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله


وآراؤه مبثوثة في كتب النحو تدل على مذهبه الكوفي، وتدل على اقتفائه أثر الكسائي.

اللحياني
وهو أبو الحسن علي بن المبارك المتوفى سنة عشرين ومائتين، من تلاميذ الكسائي، كما أخذ عن أبي زيد وأبي عمرو الشيباني والأصمعي وأبي عبيدة، وكانت له حلقة تدريس، ومن تلاميذه: القاسم بن سلام، ومن مصنفاته:كتاب (النوادر).
وخلاصة ما بذله علماء الطبقة الثالثة الكوفية للنحو ما يلي:
العمل على إذاعة النحو, ونشره بما قاموا به من جهود في التدريس.
الإسهام في خدمة العربية, بما وضعوه من مصنفات في اللغة والنحو والتصريف, وغيرها.
إقامة صرح النحو الكوفي وتثبيت دعائمه، كما صنع الفراء.
بداية التأليف في علم الصرف, مستقلًّا عن النحو.
الاهتمام بالحدود النحوية, وإفرادها بالتأليف.

١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله



١.٣ زمان هذا الطور, وأبرز رجاله