٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
|
 |
والطور الثالث: طور النضوج والكمال، وهو طورٌ بصريٌّ كوفيٌّ أيضًا. |
|
 |
والطور الرابع: طور الترجيح والبسط في التصنيف، وهو طورٌ بغداديٌّ وأندلسيٌّ ومصريٌّ وشاميٌّ. |
 |
وتحديد هذه الأطوار تقريبي؛ إذ ليس في الاستطاعة وضع حدٍّ توقيتي ينفصل به كل طور عمّا يسبقه أو يعقبه؛ لأنها أطوارٌ متداخلة يسري بعض أحكام سابقها على لاحقها، ولا مناص من تسرب شيء من السابق إلى اللاحق، ولا يمكن أن يُوجد الطور دفعة واحدة، بل تلده المؤثرات التي تسبقه وتمهد له وهي بالطبع في غيره, إلا أنها لما تكاثرت وتزايدت حتى ظهر للعلم بمقتضاها طابع آخر؛ استوجبت جعله في طور جديد، ولا يمكن التمييز بين الطورين إلا بعد انقضاء زمن المداخلة، وفيما يلي تفصيل القول في هذه الأطوار: |
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
الطور الأول: طور الوضع والتكوين
وقته ومكانه
 |
يبدأ هذا الطور من عصر واضع النحو أبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة تسعٍ وستين من الهجرة، ويمتد إلى أول عصر الخليل بن أحمد الفراهيدي أستاذ سيبويه، والمتوفى سنة مائة وسبعين من الهجرة، وقد استأثرت بهذا الطور مدينة البصرة وعلماؤها أصحاب الفضل في وضع البذور الأولى لعلم النحو وتعهده في نشأته، بينما كانت الكوفة منصرفة عنه بما شغلها من رواية الأشعار والأخبار والنوادر قرابة قرنٍ كامل، وقد نبه العلماء على أقدمية البصرة وتقدمها على الكوفة في هذا المضمار، كما في قول صاحب (الفهرست): وإنما قدمتُ البصرة أولًا؛ لأن علم العربية عنهم أُخذ. |
جهود العلماء في هذا الطور
 |
والحديث عنها ينقسم إلى ثلاثة أقسام: |
|
 |
الأول: جهود أبي الأسود الدؤلي. |
|
 |
والثاني: جهود الطبقة الأولى من العلماء الذين تتلمذوا على أبي الأسود, وأخذوا عنه. |
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
 |
فلما انتشر اللحن في الكلام حتى صارت عدواه إلى القرآن الكريم, قام أبو الأسود بابتكار طريقة النقط للتفريق بين الحركات في أواخر الكلمات، وإعطاء كل حرف في آخر كلمة ما يستحق من الحركة، وهذا الابتكار دليلٌ على ذكاء أبي الأسود، فإنه اختار وضع النقط لسهولة ذلك وسرعة إنجازه، وأحصى الحركات التي يمكن أن يتحركها الحرف في آخر الكلمة، وحصرها في ثلاث: فتح، وضم، وكسر، وزاد عليها التنوين، وجعل موضع الفتحة من الحرف أعلاه؛ لأن الفتح فيه اتجاه إلى أعلى فهو مستعل، وجعل موضع الكسر أسفل الحرف؛ لأن الكسر في اتجاه إلى أسفل، فهو مستفل، وجعل موضع الضمة أمام الحرف؛ لأن أعلاه خُص به الفتح، وأسفله خُص به الكسر، وكان أبو الأسود يستعمل النقط الحمراء، ولم ينقط كل كلمات القرآن الكريم، بل اقتصر على الضروري من ذلك، ويكاد عمله يقتصر على أواخر الكلمات كما ذكر العلماء. |
 |
وأما وضع أبي الأسود اللبنات الأولى لعلم النحو, فيؤخذ من الروايات التي ذكرها العلماء، وقد عُلِمَ مما تقدم منها أنه وضع باب إن وأخواتها، ووضع باب الفاعل، والمفعول به، ووضع باب التعجب، وجاءت روايات أخرى تفيد أنه وضع باب الإضافة، والنعت، والعطف، والاستفهام، وقد اتّخذ بعض المستشرقين والباحثين المحدثين من تعدد الروايات واضطرابها في أول ما وُضِعَ من النحو ذريعة للشك فيه وعدم تصديقها, نافين أن يكون الإمام عليٌّ أو أبو الأسود قد وضع شيئًا من النحو، ومن هؤلاء الأستاذ إبراهيم مصطفى، والدكتور شوقي ضيف. |
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
 |
ويرى الدكتور صلاح رواي أن مَنْ ينظر إلى هذه الروايات نظرة مجردة من الهوى والزيغ, غير متأثرة بادعاءات المستشرقين, لا يرى في تعددها أو تباينها ما يدعو إلى الشك، أو يبعث على الريبة فيما نُسِبَ إلى الإمام عليٍّ أو أبو الأسود؛ إذ لم يقل أحدٌ بأن أحدهما أو كليهما قد وضع النحو بالشكل الذي هو عليه في كتاب سيبويه والكتب التي ظهرت بعده، وإنما يتصور العقل أن ما وضعاه كان مجرد بدايات ترتبط بالوقائع التي ظهر فيها اللحن دون تحديدٍ أو تسمية لأبواب بعينها؛ لأن أبواب النحو المعروفة الآن لم تكن معروفة في ذلك الوقت، وإنما عُرفت بعد أن اكتمل وضع النحو كعلم له أصول وقواعد وأحكام، وبرزت أبوابه بأسمائها الحالية، فوجد المؤرخون ومؤلفو الطبقات أن ما قيل في حادثة كذا يندرج تحت باب كذا، وما قيل في واقعة كذا يندرج تحت باب كذا؛ ومن ثَمّ قالوا بعد رواية الحادثة: فوضع باب كذا. |
 |
فالمعقول أن أبا الأسود كان يواجه اللحن ببيان مجانبته للصواب، وببيان النطق السليم الفصيح، ولم يقتصر في ذلك على شيء محدد، بل تكلم في كل ما يمكن أن يقع فيه اللحن، فلا يُستبعد أن يتحدث في أمر يتعلق بالعطف، أو النعت، أو الإضافة، أو التعجب، أو الاستفهام، وإن كانت هذه المصطلحات لم تبرز إلى الوجود. |
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
 |
يقول الشيخ الطنطاوي: ويغلب على الظن أن ما تكون من نحو هذه الطبقة كان شبه الرواية للمسموع، فلم تنبت بينهم فكرة القياس، ولم ينهض ما حدث في عهدهم من أخطاء إلى إحداث ثغرة خلاف بينهم؛ لقرب عهد القوم لسلامة السليقة، كذلك لم تقوَ حركة التصنيف بينهم، فلم يؤثر عنهم إلا بعض نُتفٍ في مواطن متفرقة من الفن لم تبلغ حد الكتب المنظمة؛ إذ كان جُل اعتمادهم على حفظهم في صدورهم، ورواياتهم بلسانهم. |
 |
ويقول الدكتور عبد الله الخثران: خير ما توصف به هذه المرحلة في الدرس النحوي أنها تعتمد على الإقراء، والملحوظات في إعراب الكلمات، حيث كان اهتمامهم بمحاربة اللحن في قراءة القرآن الكريم، وذلك باختراع الحركات الإعرابية من خلال النقط أو ما يُسمى بنقط الإعراب على يد أستاذ هذه المرحلة أبي الأسود الدؤلي، ومحاربة التصحيف بابتكار نقط الإعجام للتفرقة بين الحروف المتشابهة على يد نصر بن عاصم، فلم تذكر الروايات أن لهم نشاطًا نحويًّا نظريًّا، ولم يصلنا شيء من الآراء النحوية منسوبًا لأبي الأسود الدؤلي أو لتلميذ من تلامذته، فالنصوص النحوية التي بين أيدينا تعرفنا أنه لم يكن قبل عبد الله بن أبي إسحاق شيء من البحث النحوي؛ لأن الذين قبله كانوا قراء يروون القرآن وقراءاته، وما تذكره بعض الروايات من وجود مصطلحات نحوية لديهم فشيءٌ لا أساس له من الصحة، وبعيدٌ جدًّا أن تنضج هذه المصطلحات بهذا النضج في هذا العهد المبكر. |
 |
ثم يذكر الدكتور عبد الله أن بعض المصادر التي تعرض لطبقات النحو ورجاله لم تذكر أبا الأسود وتلامذته من النحاة، ومنها كتاب (المعارف) لابن قتيبة، وأن بعض المصادر تكتفي بنعت رجال هذه الطبقة بلفظ المقرئ كما في (إنباه الرواة) للقفطي. |
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
 |
ثم يخلص إلى أن ما نُسِبَ إلى هؤلاء من بعض المسائل اللغوية في الإعراب والإقراء، إنما هي ملحوظات ذهنية مبنية على السليقة اللغوية, ولا يمكن أن نطلق عليها أنها بحوثٌ لغوية خالصة، فهي ملحوظات عمادها الإعراب والإقراء. |
 |
ولكن لا يستبعد الدكتور شوقي ضيف أن تكون هذه الفترة قد شهدت وضع مصطلحات يسيرة، وبخاصة بعد نقط الإعراب ونقط الإعجام، فهو يقول: رأينا البصرة تضع على يد أبي الأسود الدؤلي نقط الإعراب، وقد مضى الناس يأخذونه عن تلاميذه، ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن ذلك باعث لهم ولمعاصريهم على التساؤل عن أسباب هذا الإعراب وتفسير ظواهره، مما هيأ لبعض أنظار نحوية بسيطة، وكان طبيعيًّا بعد أن رسموا نقط الإعجام أن يضعوا له هذا الاسم، وأن يضعوا لنقط أبي الأسود اسم نقط الإعراب؛ تمييزًا لهما بعضهما عن بعض، كما كان طبيعيًّا أيضًا أن يطلقوا على علامات النقط الخاصة بالإعراب أسماءً تفرق بينها، وقد اشتقوها من كلماته لكاتبه: فتحت شفتي، وضممتهما، وكسرتهما، فسموه على التوالي نقط الفتحة، ونقط الضمة، ونقط الكسرة، ولا بد أنهم لاحظوا اختلافًا في إعراب الأسماء حسب مواضعها من الكلام، فهي إذا ابتدأ بها المتكلم في العبارة لزمها الرفع إلا إذا تقدمتها إن وأخواتها، وإذا تلت فعلًا كانت إما مرفوعة وإما منصوبة، ولا يبعد أن يكونوا قد وضعوا لذلك مصطلحات المبتدأ والفاعل والمفعول، ولا يبعد أيضًا أن يكونوا لاحظوا اختلافًا في كلمات اللغة، وأن منها ما يقبل الحركات الثلاث: الضمة، والكسرة، والفتحة، وهو الأسماء المعربة، وأن منها ما يلزم حركة واحدة وقد يلزم السكون، وسموا الأولى معربة والثانية مبنية، كل ذلك من الممكن وقوعه. |
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
|
 |
وهذا النقط له أهميته الكبرى؛ إذ لوحظ أن إعجام المهمل أو العكس يؤدي إلى تغير المعنى ويوقع في اللبس، أو الخطأ في القول أو الفعل، كما تلحظ الفرق مثلًا بين أقدر وأقذر، وبين فرد وقرد، وبين غني وغبي، وقد وقعت حادثة مؤلمة بسبب ذلك، حيث رُوي أن سليمان بن عبد الملك كتب إلى ابن حزم أمير المدينة كتابًا, يقول له فيه: أحص من قبلك من المخنثين، فوقعت نقطة على الحاء من الكاتب فقرأها ابن حزم اخص -من الخصاء- لا من الإحصاء، فدعا بالمخنثين وخصاهم، وهذا من طريف ما يروى في بيان أهمية الإعجام والإهمال. |
|
 |
ومن أمثلة ما وقع من التصحيف في القرآن الكريم قراءة بعض القراء: "جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رجل أَخِيهِ" والقراءة: ((فِي رَحْلِ أَخِيهِ)) [يوسف:٧٠] وقراءة أحدهم: "وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلَّا كُلُّ جبار كَفُورٍ" والقراءة: ((كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ)) [لقمان: ٣٢] وقراءة أحدهم: "قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَسَاءُ" والقراءة: ((قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ)) [الأعراف: ١٥٦] وقراءة أحدهم: "لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يعنيه" والقراءة: ((لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)) [عبس: ٣٧]. |
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
 |
ومعنى قول الزبيدي: "بعج النحو": كشف عن كثير من خفاياه، من قول العرب: بعج المطر الأرض؛ إذا أزال ترابها فكشف عن حجارتها، ومعنى قول أبي الطيب: "فرع النحو": أكثر من مسائله وطاف بمعظمها، من قول العرب: فرع الأرض إذا طاف فيها، أو معناه: جعل للنحو أصولًا وفروعًا، من قول العرب: فرّع المسائل من الأصل أي: جعلها فروعًا له، وفيما يلي تفصيل لبعض جهود هؤلاء العلماء: |
|
 |
حركة النقاش بينهم |
|
|
 |
لقد برزت عند رجال هذه الطبقة ظاهرة الخلاف النحوي بين مصوبٍ ومخطّئ؛ حيث لم تعد المسائل النحوية واللغوية متفقًا عليها، ولم يعد وجه الصواب فيه متفقًا عليه، ومما يؤيد ذلك هذه الروايات: |
يروى أن الفرزدق لما أنشد قوله :
وعض زمان يابن مروان لم يدع من المال إلا مُسحتًا, أو مُجلفُ
سأله عبد الله بن أبي إسحاق: بِمَ رفعتَ "مجلفُ"؟ فقال الفرزدق: بِمَ يسوءك وينوءك؟ عليّ أن أقول، وعليكم أن تحتجوا، قاله أبو عمرو بن العلاء, فقلت للفرزدق: أصبت، وهو جائزٌ في المعنى، أي: لم يبق سواه، والمُسحت معناه: المستأصل، والمُجلف معناه: الباقي منه بقية.
رُوي أن عيسى بن عمر كان يقرأ: "هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرَ لَكُم" فقال له أبو عمرو بن العلاء يطالبه أن يمثل له بالكلام: كيف تقول: هؤلاء بني هم ماذا؟ فقال: عشرين رجلًا، فأنكر ذلك أبو عمرو؛ لأنه يوجب الرفع في مثل هذا على الخبرية، والقراءة المتفق عليها: ((هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُم)) [هود: ٧٨].
رُوي أن خلافًا وقع بين أبي عمرو بن العلاء, وعيسى بن عمر حول توجيه نصب الطير في قوله تعالى: ((يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)) [سبأ: ١٠] فكان عيسى بن عمر يذهب إلى نصبه على النداء، مثل قولنا: يا زيدُ والحارثة؛ لتعذر الرفع في الحارث لعدم صلاحيته للنداء بسبب اقترانه بـ"أل"، وقال أبو عمرو بن العلاء: لو كان على النداء لكان رفعًا، ولكنه على إضمار "وسخرنا الطير" لقوله تعالى بعد ذلك: ((وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ)) [سبأ: ١٢].
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
|
|
 |
ويدل على ذلك ما روي من أن يونس بن حبيب سأله: هل يقول أحد: "الصويق" بالصاد؟ فقال له: نعم، عمرو بن تميم تقولها، وما تريد إلى هذا, عليك بباب من النحو يطرد وينقاس، وهذا منهجٌ جديدٌ في الدرس النحوي يقوم على استنباط الأحكام النحوية من الظواهر اللغوية المطردة، وقد كان العلماء قبل ذلك يعنون باللغة من جهة جمعها، وفهم غريبها، والإحاطة بلهجاتها، ويكتفون بذلك، فخط -رحمه الله- منهجًا يقوم على دعامتين: |
أن مهمة البحث النحوي هي تحري الظواهر الشائعة في اللغة, قبل الظواهر النادرة.
أن على الباحث النحوي أن يقف على الظواهر العامة المطردة، وأن يصوغها بعد ذلك في قواعد ملزمة.
|
|
 |
وبسبب تمسك عبد الله بن أبي إسحاق بالقياس النحوي كان يخطّئ الشعراء الذين يخرجون عن القاعدة النحوية، وقد تقدم ذكر موقفه مع الفرزدق عندما خطّأه في رفع لفظ المُجلف، لما أنشد قوله:
وَعَضُّ زَمانٍ يا اِبنَ مَروانَ لَم يَدَع مِنَ المالِ إِلّا مُسحَتًا, أَو مُجَلَّفُ |
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
|
|
 |
يقول الدكتور عبد الله الخثران: ولكن مما يجب الوقوف عنده أنه ليس المراد بالقياس هنا عند عبد الله بن أبي إسحاق القياس المنطقي, الذي هو صورة استدلالية وعملية عقلية خالصة تستهدف الصحة، والتي تبدأ من مقدمات ذهنية ينتقل منها الذهن من كليٍّ إلى جزئيٍّ ينطوي تحته، وإنما القياس في هذا العصر نوع من الاستقراء الذي ينتقل من الجزئي إلى الكلي، أي: من الوقائع التي هي النصوص إلى قانون سيرها أو قواعد ضبطها، أي: إنه كان ينتقل من الأمثلة الجزئية إلى مقاييس كلية تحكمها وتضبطها، فتحول بين المتكلمين وبين الخطأ في الإعراب، ومن هنا جاء تعريف النحو بأنه: العلم بالمقاييس المستنبطة من كلام العرب. |
|
|
 |
وقد سار على هدي عبد الله بن أبي إسحاق في طرد القياس وتعميمه أهم تلاميذه، وهو عيسى بن عمر الثقفي، ومن أقيسته: ما حكاه سيبويه عنه من أنه كان يقيس النصب في كلمة "مطرًا" في قول الشاعر:
سلام الله يا مطرًا عليها وليس عليك يا مطرُ السلام
على النصب في نحو: "يا رجلًا" وكأنه يجعل "مطرًا" في تنوينه ونصبه كالنكرة المقصودة. |
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
|
|
 |
وكان مثل شيخه في الطعن على الشاعر إذا خالف القياس، فقد خطّأ النابغة في قوله:
فَبِتُّ كَأَنّي ساوَرَتني ضَئيلَةٌ مِنَ الرُّقشِ في أَنيابِها السُمُّ ناقِعُ
لأنه رفع لفظ "ناقع" وحقه أن ينصب على الحال، وهو مرفوع عند النابغة؛ لأنه خبرٌ عن السم، وقد تقدم من ذكر أقيسته أنه يختار نصب "الطير" في قوله تعالى: ((يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)) وهو قياسٌ منه رُوعي فيه كون المعطوف منادى، وقد تعذر فيه النداء فنصب. |
|
|
 |
أما أبو عمرو بن العلاء فمع أنه تتلمذ لابن أبي إسحاق, إلا أنه عُني أكثر ما عُني بإقراء الناس القرآن في المسجد الجامع بالبصرة، وهو أحد القراء السبعة المشهورين، كما عُني بلغات العرب وغريبها وأشعارها وأيامها ووقائعها، غير أنه نُقلت عنه أنظار نحوية؛ ولهذا قال ابن جني عنه: كان ممن نظروا في النحو والتصريف وتدربوا وقاسوا، وفي أخباره ما يدل على أنه كان يأخذ بالاطراد في القواعد، ويتشدد في القياس، فقد قال له بعض معاصريه: أخبرني عمّا وضعت مما سميته عربية، أيدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقال له: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟ قال: أعمل على الأكثر, وأسمي ما خالفني لغات. |
|
|
 |
وقد رويت له في كتب النحاة آراء نحوية قليلة، والحق: أنه لم يكن نحويًّا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وإنما كان لغويًّا وراويًا ثقة من رواة الشعر القديم. |
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو
٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو