٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


حاول العلماء تعرف المراحل التي اجتازها علم النحو طبقًا لنواميس النشوء، فلم يجدوا ما يشفي الغلة، فالكتب التي عُنيت بتاريخ النحو إنما تتحدث عن علمائه وجهودهم في هذا السبيل؛ فلهذا قُسمت مراحل هذا العلم التاريخية بحسب من أسهموا فيه من العلماء، وقد روى التاريخ أن البصريين هم الذين وضعوه، وتعهدوا بالرعاية قرابة قرنٍ كامل كانت فيه الكوفة منصرفة عنه، حيث اشتغل أهلها في ذلك الوقت برواية الأشعار والأخبار والتندر بالطرائف من الملح والنوادر، ثم تكاتف الفريقان على استكمال قواعده، واشتعل التنافس بينهما ما يزيد على مائة سنة، وبعده خرج علم النحو تام الأصول كامل العناصر، وانتهى الاجتهاد فيه.
ثم التئم عِقد الفريقين في بغداد فنشأ المذهب البغدادي الذي عماده الترجيح بين المذهبين البصري والكوفي، ثم شع نور علم النحو في سائر البلاد، وفي طليعتها الأندلس ومصر والشام وما يُتاخمها.
وبناء على ذلك, قسم العلماء أطوار علم النحو إلى أربعة أطوار:
الطور الأول: طور الوضع والتكوين، وهو طورٌ بصريٌّ خالصٌ.
والطور الثاني: طور النشوء والنمو، وهو طورٌ بصريٌّ كوفيٌّ.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


والطور الثالث: طور النضوج والكمال، وهو طورٌ بصريٌّ كوفيٌّ أيضًا.
والطور الرابع: طور الترجيح والبسط في التصنيف، وهو طورٌ بغداديٌّ وأندلسيٌّ ومصريٌّ وشاميٌّ.
وتحديد هذه الأطوار تقريبي؛ إذ ليس في الاستطاعة وضع حدٍّ توقيتي ينفصل به كل طور عمّا يسبقه أو يعقبه؛ لأنها أطوارٌ متداخلة يسري بعض أحكام سابقها على لاحقها، ولا مناص من تسرب شيء من السابق إلى اللاحق، ولا يمكن أن يُوجد الطور دفعة واحدة، بل تلده المؤثرات التي تسبقه وتمهد له وهي بالطبع في غيره, إلا أنها لما تكاثرت وتزايدت حتى ظهر للعلم بمقتضاها طابع آخر؛ استوجبت جعله في طور جديد، ولا يمكن التمييز بين الطورين إلا بعد انقضاء زمن المداخلة، وفيما يلي تفصيل القول في هذه الأطوار:

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


الطور الأول: طور الوضع والتكوين

وقته ومكانه
يبدأ هذا الطور من عصر واضع النحو أبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة تسعٍ وستين من الهجرة، ويمتد إلى أول عصر الخليل بن أحمد الفراهيدي أستاذ سيبويه، والمتوفى سنة مائة وسبعين من الهجرة، وقد استأثرت بهذا الطور مدينة البصرة وعلماؤها أصحاب الفضل في وضع البذور الأولى لعلم النحو وتعهده في نشأته، بينما كانت الكوفة منصرفة عنه بما شغلها من رواية الأشعار والأخبار والنوادر قرابة قرنٍ كامل، وقد نبه العلماء على أقدمية البصرة وتقدمها على الكوفة في هذا المضمار، كما في قول صاحب (الفهرست): وإنما قدمتُ البصرة أولًا؛ لأن علم العربية عنهم أُخذ.

جهود العلماء في هذا الطور
والحديث عنها ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: جهود أبي الأسود الدؤلي.
والثاني: جهود الطبقة الأولى من العلماء الذين تتلمذوا على أبي الأسود, وأخذوا عنه.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


والثالث: جهود الطبقة الثانية من العلماء الذين جاءوا بعد تلاميذ أبي الأسود.
وفيما يلي تفصيل القول في ذلك:
أولًا: جهود أبي الأسود الدؤلي في هذا الطور
مما لا شك فيه أن أبا الأسود الدؤلي له جهدٌ مشكورٌ في مجال القضاء على اللحن سوى ما يُنسب إليه من وضع البذور الأولى للنحو، وذلك الجهد هو نقط المصحف نقط الإعراب أو نقط الشكل، وفي ذلك يُروى أن زياد بن أبيه الذي كان والي معاوية بن أبي سفيان على البصرة والكوفة بعث إليه وقال له: اعمل شيئًا تكون به إمامًا، وتُعرب به كتاب الله فاستعفاه من ذلك، ثم سمع قارئًا يلحن في القرآن الكريم، فقال لنفسه: ما ظننت أن أمر الناس صار إلى هذا، ورجع إلى زياد وقال له: أنا أفعل ما أمر به الأمير, فأبغني كاتبًا يفهم عني ما أقول؛ فجيء له بكاتب من عبد القيس فلم يعجبه فهمه، فأُتي برجل من قريش، وقيل: إنه طلب من زياد ثلاثين رجلًا من الكُتّاب، ثم اختار منهم عشرة، ثم اختار منهم واحدًا، فقال له: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، وإذا ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإذا كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف، فإذا أتبعت شيئًا من ذلك غُنة فاجعل النقطة نقطتين، ففعل الرجل كما وجهه، وهذا النقط لم يكن موجودًا قبل الإسلام؛ لأن العرب كانوا يعطون كل كلمة حقها من الإعراب بفطرتهم وسليقتهم.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


فلما انتشر اللحن في الكلام حتى صارت عدواه إلى القرآن الكريم, قام أبو الأسود بابتكار طريقة النقط للتفريق بين الحركات في أواخر الكلمات، وإعطاء كل حرف في آخر كلمة ما يستحق من الحركة، وهذا الابتكار دليلٌ على ذكاء أبي الأسود، فإنه اختار وضع النقط لسهولة ذلك وسرعة إنجازه، وأحصى الحركات التي يمكن أن يتحركها الحرف في آخر الكلمة، وحصرها في ثلاث: فتح، وضم، وكسر، وزاد عليها التنوين، وجعل موضع الفتحة من الحرف أعلاه؛ لأن الفتح فيه اتجاه إلى أعلى فهو مستعل، وجعل موضع الكسر أسفل الحرف؛ لأن الكسر في اتجاه إلى أسفل، فهو مستفل، وجعل موضع الضمة أمام الحرف؛ لأن أعلاه خُص به الفتح، وأسفله خُص به الكسر، وكان أبو الأسود يستعمل النقط الحمراء، ولم ينقط كل كلمات القرآن الكريم، بل اقتصر على الضروري من ذلك، ويكاد عمله يقتصر على أواخر الكلمات كما ذكر العلماء.
وأما وضع أبي الأسود اللبنات الأولى لعلم النحو, فيؤخذ من الروايات التي ذكرها العلماء، وقد عُلِمَ مما تقدم منها أنه وضع باب إن وأخواتها، ووضع باب الفاعل، والمفعول به، ووضع باب التعجب، وجاءت روايات أخرى تفيد أنه وضع باب الإضافة، والنعت، والعطف، والاستفهام، وقد اتّخذ بعض المستشرقين والباحثين المحدثين من تعدد الروايات واضطرابها في أول ما وُضِعَ من النحو ذريعة للشك فيه وعدم تصديقها, نافين أن يكون الإمام عليٌّ أو أبو الأسود قد وضع شيئًا من النحو، ومن هؤلاء الأستاذ إبراهيم مصطفى، والدكتور شوقي ضيف.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


ويرى الدكتور صلاح رواي أن مَنْ ينظر إلى هذه الروايات نظرة مجردة من الهوى والزيغ, غير متأثرة بادعاءات المستشرقين, لا يرى في تعددها أو تباينها ما يدعو إلى الشك، أو يبعث على الريبة فيما نُسِبَ إلى الإمام عليٍّ أو أبو الأسود؛ إذ لم يقل أحدٌ بأن أحدهما أو كليهما قد وضع النحو بالشكل الذي هو عليه في كتاب سيبويه والكتب التي ظهرت بعده، وإنما يتصور العقل أن ما وضعاه كان مجرد بدايات ترتبط بالوقائع التي ظهر فيها اللحن دون تحديدٍ أو تسمية لأبواب بعينها؛ لأن أبواب النحو المعروفة الآن لم تكن معروفة في ذلك الوقت، وإنما عُرفت بعد أن اكتمل وضع النحو كعلم له أصول وقواعد وأحكام، وبرزت أبوابه بأسمائها الحالية، فوجد المؤرخون ومؤلفو الطبقات أن ما قيل في حادثة كذا يندرج تحت باب كذا، وما قيل في واقعة كذا يندرج تحت باب كذا؛ ومن ثَمّ قالوا بعد رواية الحادثة: فوضع باب كذا.
فالمعقول أن أبا الأسود كان يواجه اللحن ببيان مجانبته للصواب، وببيان النطق السليم الفصيح، ولم يقتصر في ذلك على شيء محدد، بل تكلم في كل ما يمكن أن يقع فيه اللحن، فلا يُستبعد أن يتحدث في أمر يتعلق بالعطف، أو النعت، أو الإضافة، أو التعجب، أو الاستفهام، وإن كانت هذه المصطلحات لم تبرز إلى الوجود.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


ثانيًا: جهود الطبقة الأولى من البصريين الذين تتلمذوا على أبي الأسود وأخذوا عنه
ومن أفذاذ هذه الطبقة نصر بن عاصم الليثي المتوفى سنة تسعٍ وثمانين من الهجرة، وعنبسة بن معدان الفيل المتوفى حوالي المائة من الهجرة، وعبد الرحمن بن هرمز المتوفى سنة مائة وسبع عشرة من الهجرة، ويحيى بن يعمر العدواني المتوفى سنة مائة وتسعٍ وعشرين من الهجرة، وهؤلاء جميعًا لم يدركوا الدولة العباسية، وتبدو جهودهم في أربعة أمور:
استمروا في تثمير ما تلقوه عن أبي الأسود, وتنميته.
وفقوا إلى استنباط كثير من أحكام النحو.
قاموا بجهد في نشره, وإذاعته بين الناس.
قام نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر بنقط المصحف نقط الإعجام للمحافظة عليه من التصحيف والتحريف واللحن.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


يقول الشيخ الطنطاوي: ويغلب على الظن أن ما تكون من نحو هذه الطبقة كان شبه الرواية للمسموع، فلم تنبت بينهم فكرة القياس، ولم ينهض ما حدث في عهدهم من أخطاء إلى إحداث ثغرة خلاف بينهم؛ لقرب عهد القوم لسلامة السليقة، كذلك لم تقوَ حركة التصنيف بينهم، فلم يؤثر عنهم إلا بعض نُتفٍ في مواطن متفرقة من الفن لم تبلغ حد الكتب المنظمة؛ إذ كان جُل اعتمادهم على حفظهم في صدورهم، ورواياتهم بلسانهم.
ويقول الدكتور عبد الله الخثران: خير ما توصف به هذه المرحلة في الدرس النحوي أنها تعتمد على الإقراء، والملحوظات في إعراب الكلمات، حيث كان اهتمامهم بمحاربة اللحن في قراءة القرآن الكريم، وذلك باختراع الحركات الإعرابية من خلال النقط أو ما يُسمى بنقط الإعراب على يد أستاذ هذه المرحلة أبي الأسود الدؤلي، ومحاربة التصحيف بابتكار نقط الإعجام للتفرقة بين الحروف المتشابهة على يد نصر بن عاصم، فلم تذكر الروايات أن لهم نشاطًا نحويًّا نظريًّا، ولم يصلنا شيء من الآراء النحوية منسوبًا لأبي الأسود الدؤلي أو لتلميذ من تلامذته، فالنصوص النحوية التي بين أيدينا تعرفنا أنه لم يكن قبل عبد الله بن أبي إسحاق شيء من البحث النحوي؛ لأن الذين قبله كانوا قراء يروون القرآن وقراءاته، وما تذكره بعض الروايات من وجود مصطلحات نحوية لديهم فشيءٌ لا أساس له من الصحة، وبعيدٌ جدًّا أن تنضج هذه المصطلحات بهذا النضج في هذا العهد المبكر.
ثم يذكر الدكتور عبد الله أن بعض المصادر التي تعرض لطبقات النحو ورجاله لم تذكر أبا الأسود وتلامذته من النحاة، ومنها كتاب (المعارف) لابن قتيبة، وأن بعض المصادر تكتفي بنعت رجال هذه الطبقة بلفظ المقرئ كما في (إنباه الرواة) للقفطي.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


ثم يخلص إلى أن ما نُسِبَ إلى هؤلاء من بعض المسائل اللغوية في الإعراب والإقراء، إنما هي ملحوظات ذهنية مبنية على السليقة اللغوية, ولا يمكن أن نطلق عليها أنها بحوثٌ لغوية خالصة، فهي ملحوظات عمادها الإعراب والإقراء.
ولكن لا يستبعد الدكتور شوقي ضيف أن تكون هذه الفترة قد شهدت وضع مصطلحات يسيرة، وبخاصة بعد نقط الإعراب ونقط الإعجام، فهو يقول: رأينا البصرة تضع على يد أبي الأسود الدؤلي نقط الإعراب، وقد مضى الناس يأخذونه عن تلاميذه، ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن ذلك باعث لهم ولمعاصريهم على التساؤل عن أسباب هذا الإعراب وتفسير ظواهره، مما هيأ لبعض أنظار نحوية بسيطة، وكان طبيعيًّا بعد أن رسموا نقط الإعجام أن يضعوا له هذا الاسم، وأن يضعوا لنقط أبي الأسود اسم نقط الإعراب؛ تمييزًا لهما بعضهما عن بعض، كما كان طبيعيًّا أيضًا أن يطلقوا على علامات النقط الخاصة بالإعراب أسماءً تفرق بينها، وقد اشتقوها من كلماته لكاتبه: فتحت شفتي، وضممتهما، وكسرتهما، فسموه على التوالي نقط الفتحة، ونقط الضمة، ونقط الكسرة، ولا بد أنهم لاحظوا اختلافًا في إعراب الأسماء حسب مواضعها من الكلام، فهي إذا ابتدأ بها المتكلم في العبارة لزمها الرفع إلا إذا تقدمتها إن وأخواتها، وإذا تلت فعلًا كانت إما مرفوعة وإما منصوبة، ولا يبعد أن يكونوا قد وضعوا لذلك مصطلحات المبتدأ والفاعل والمفعول، ولا يبعد أيضًا أن يكونوا لاحظوا اختلافًا في كلمات اللغة، وأن منها ما يقبل الحركات الثلاث: الضمة، والكسرة، والفتحة، وهو الأسماء المعربة، وأن منها ما يلزم حركة واحدة وقد يلزم السكون، وسموا الأولى معربة والثانية مبنية، كل ذلك من الممكن وقوعه.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


الإعجام
وأختم حديثي عن هذه الطبقة بكلمة عن الإعجام، وهو عبارة عن إزالة العجمة عن الحروف بنقطها لتمييزها فيما بينها، وقد عرّفه الزنجاني بأنه: تمييز الحروف المتشابهة بوضع النقاط لأمن اللبس، وكان الغرض منه عند وضعه حماية القرآن الكريم من التصحيف، وتتفق معظم المصادر على أن تنقيط المصاحف لإزالة العجمة عن الحروف المتشابهة كان في زمن عبد الملك بن مروان.
ويقال: إن الإعجام كان موجود قبل الإسلام، ولكن الكتبة أهملوه فتنُوسي حتى ظهر التصحيف والتحريف في خلافة عبد الملك بن مروان، فدعا الحجاج بن يوسف الثقفي نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني، وسألهما أن يضعا علامات تمنع التحريف والتصحيف، فقررا إعجام بعض الحروف وإهمال بعضها، وبذلك انقسمت الحروف الهجائية إلى قسمين: قسم معجم، وينحصر في أربعة عشر حرفًا، وهي: الباء، والتاء، والثاء، والجيم، والخاء، والذال، والزاي، والشين، والضاد، والظاء، والغين، والفاء، والقاف، والنون، وقسم مهمل، وهو باقي حروف الهجاء ما عدا الياء.
وأما الياء فإنها تعجم عند المصريين في أول الكلمة ووسطها، وتهمل في آخرها، وهي معجمة دائمًا في أكثر البلاد العربية والإسلامية.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


وهذا النقط له أهميته الكبرى؛ إذ لوحظ أن إعجام المهمل أو العكس يؤدي إلى تغير المعنى ويوقع في اللبس، أو الخطأ في القول أو الفعل، كما تلحظ الفرق مثلًا بين أقدر وأقذر، وبين فرد وقرد، وبين غني وغبي، وقد وقعت حادثة مؤلمة بسبب ذلك، حيث رُوي أن سليمان بن عبد الملك كتب إلى ابن حزم أمير المدينة كتابًا, يقول له فيه: أحص من قبلك من المخنثين، فوقعت نقطة على الحاء من الكاتب فقرأها ابن حزم اخص -من الخصاء- لا من الإحصاء، فدعا بالمخنثين وخصاهم، وهذا من طريف ما يروى في بيان أهمية الإعجام والإهمال.
ومن أمثلة ما وقع من التصحيف في القرآن الكريم قراءة بعض القراء: "جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رجل أَخِيهِ" والقراءة: ((فِي رَحْلِ أَخِيهِ)) [يوسف:٧٠] وقراءة أحدهم: "وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلَّا كُلُّ جبار كَفُورٍ" والقراءة: ((كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ)) [لقمان: ٣٢] وقراءة أحدهم: "قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَسَاءُ" والقراءة: ((قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ)) [الأعراف: ١٥٦] وقراءة أحدهم: "لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يعنيه" والقراءة: ((لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)) [عبس: ٣٧].

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


ثالثًا: جهود علماء الطبقة الثانية البصرية في هذا الطور
من أبرز رجال هذه الطبقة: عبد الله بن أبي إسحاق المتوفى سنة مائة وسبع عشرة من الهجرة، وعيسى بن عمر الثقفي المتوفى سنة مائة وتسعٍ وأربعين، وأبو عمرو بن العلاء المازني التميمي إمام أهل البصرة في القراءة والنحو، والمتوفى سنة مائة وأربعٍ وخمسين من الهجرة، وهؤلاء أظلتهم الدولة العباسية ما عدا عبد الله بن أبي إسحاق. وتبرز جهودهم فيما يلي:
ازدادت المباحث لديهم, وأضافوا كثيرًا من القواعد.
نشأت حركة النقاش بينهم فجدوا في تتبع النصوص, واستخراج الضوابط بقدر ما هيأ لهم وقتهم.
استطاعوا التصنيف في النحو، فدونوا فيه بعض كتب مفيدة، وكانت مزيجًا من النحو والصرف واللغة والأدب, وغيرها من علوم اللغة العربية.
اختمرت بينهم فكرة التعليل، وكان أول متجهٍ لها عبد الله بن أبي إسحاق.
ظهر بينهم القياس وخرّجوا عليه مسائل كثيرة، وكان أول مَنْ نشط له عبد الله بن أبي إسحاق، وفي هذا يقول الزبيدي في طبقاته: "هو أول من بعج النحو، ومد القياس، وشرح العلل، وكان مائلًا إلى القياس في النحو", ويقول أبو الطيب اللغوي: "وكان يقال: عبد الله أعلم أهل البصرة وأعقلهم, ففرع النحو وقاسه".

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


ومعنى قول الزبيدي: "بعج النحو": كشف عن كثير من خفاياه، من قول العرب: بعج المطر الأرض؛ إذا أزال ترابها فكشف عن حجارتها، ومعنى قول أبي الطيب: "فرع النحو": أكثر من مسائله وطاف بمعظمها، من قول العرب: فرع الأرض إذا طاف فيها، أو معناه: جعل للنحو أصولًا وفروعًا، من قول العرب: فرّع المسائل من الأصل أي: جعلها فروعًا له، وفيما يلي تفصيل لبعض جهود هؤلاء العلماء:
حركة النقاش بينهم
لقد برزت عند رجال هذه الطبقة ظاهرة الخلاف النحوي بين مصوبٍ ومخطّئ؛ حيث لم تعد المسائل النحوية واللغوية متفقًا عليها، ولم يعد وجه الصواب فيه متفقًا عليه، ومما يؤيد ذلك هذه الروايات:
يروى أن الفرزدق لما أنشد قوله :
وعض زمان يابن مروان لم يدع         من المال إلا مُسحتًا, أو مُجلفُ
سأله عبد الله بن أبي إسحاق: بِمَ رفعتَ "مجلفُ"؟ فقال الفرزدق: بِمَ يسوءك وينوءك؟ عليّ أن أقول، وعليكم أن تحتجوا، قاله أبو عمرو بن العلاء, فقلت للفرزدق: أصبت، وهو جائزٌ في المعنى، أي: لم يبق سواه، والمُسحت معناه: المستأصل، والمُجلف معناه: الباقي منه بقية.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


حركة التدوين والتصنيف عندهم
الظاهر أن علماء هذه الطبقة كانت لهم مدونات ومصنفات, نُقلت منها بعض آرائهم وتوجيهاتهم فيما بعد، وتذكر المصادر أن عيسى بن عمر الثقفي ألّف كتابين في النحو, هما: (الجامع) و(الإكمال), ويُنسب إلى الخليل أنه قال في شأنهما بيتين هما:
ذهب النحو جميعًا كله         غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمالٌ, وهذا جامعٌ         وهما للناس شمسٌ, وقمر
وذكر ياقوت الحموي أن المبرد قال: قرأت أوراقًا من كتابي عيسى بن عمر، وذكر السيوطي أن (الجامع) كتابٌ كبيرٌ، وأن (الإكمال) كتابٌ مختصرٌ، لكن هذين الكتابين لم يصلنا منهما شيء، ولم تتحدث كتب التراجم أو الأدب عن شيء مما تضمناه من المسائل.
وذكر السيوطي في (المزهر) أن لعبد الله بن أبي إسحاق كتابًا في الهمز مما أملاه على طلابه، لكنه لم يبين منهج الكتاب ولا دليله على ما ذكره، ويبدو أن عبد الله بن أبي إسحاق كان حقًّا على علمٍ واسعٍ بأحكام الهمز، ويدل على ذلك قول أبي عمرو بن العلاء: ما ناظرني أحدٌ إلا غلبته وقطعته, إلا ابن أبي إسحاق؛ فإنه ناظرني في مجلس بلال بن أبي بردة في الهمز فقطعني، فجعلت إقبالي على الهمز حتى ما كنت دونه.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


ويقول الدكتور شوقي ضيف: ويبدو أنه عالج فيه مسألة رسمها -يعني: الهمزة- حين توصل، وحين تقطع، وحين تسهل، وحين تدخل على همزة أخرى، وحين تتصل بحروف العلة مما يتصل بالدقة في كتابة الذكر الحكيم؛ إذ كان هو من القراء النابهين.
العناية بالتعليل والقياس
يوصف عبد الله بن أبي إسحاق بأنه أول من شرح العلل؛ وذلك لأنه عُني بالتعليل للقواعد تعليلًا يُمكّن لها في ذهن تلاميذه، وجعله تمسكه الشديد بتلك القواعد المعللة، والقياس عليها قياسًا دقيقًا بحيث لا يصح الخروج عليها يُخطّئ كل من ينحرف في تعبيره عنها، كما يوصف بأنه أول من مد القياس، وأنه كان أشد تجريدًا للقياس.
وقد اختلف العلماء في تفسير مد القياس وتجريده إلى فريقين؛ فذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن المراد بذلك جعل اللغة محكومة بضوابط فرضها المنطق على جميع المتكلمين بها, دون نظر إلى واقع اللغة واختلاف البيئات والقبائل، وذهب آخرون إلى أن المراد بمد القياس مد حكم القاعدة، وجعله مطردًا في جميع الجزئيات التي تدخل فيها؛ وذلك لأن عبد الله بن أبي إسحاق فطن إلى أن اللغة العربية تحكمها قوانين عامة تنظم جزئياتها في الأعم الأغلب، وفيها ما لا يطرد فيه ذلك، وهو الذي يؤخذ عن طريق السماع دون الخضوع لقانون.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


ويدل على ذلك ما روي من أن يونس بن حبيب سأله: هل يقول أحد: "الصويق" بالصاد؟ فقال له: نعم، عمرو بن تميم تقولها، وما تريد إلى هذا, عليك بباب من النحو يطرد وينقاس، وهذا منهجٌ جديدٌ في الدرس النحوي يقوم على استنباط الأحكام النحوية من الظواهر اللغوية المطردة، وقد كان العلماء قبل ذلك يعنون باللغة من جهة جمعها، وفهم غريبها، والإحاطة بلهجاتها، ويكتفون بذلك، فخط -رحمه الله- منهجًا يقوم على دعامتين:
أن مهمة البحث النحوي هي تحري الظواهر الشائعة في اللغة, قبل الظواهر النادرة.
وبسبب تمسك عبد الله بن أبي إسحاق بالقياس النحوي كان يخطّئ الشعراء الذين يخرجون عن القاعدة النحوية، وقد تقدم ذكر موقفه مع الفرزدق عندما خطّأه في رفع لفظ المُجلف، لما أنشد قوله:
وَعَضُّ زَمانٍ يا اِبنَ مَروانَ لَم يَدَع         مِنَ المالِ إِلّا مُسحَتًا, أَو مُجَلَّفُ

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


وقد سمعه مرة يصف رحلته إلى الشام في قصيدة يمدح بها يزيد بن عبد الملك، وفيها يقول:
مُستَقبِلينَ شَمالَ الشَأمِ تَضرِبُنا         بِحاصِبٍ كَنَديفِ القُطنِ مَنثورِ
عَلى عَمائِمِنا يُلقى وَأَرحُلِنا         عَلى زَواحِفَ نُزجيها مَخها ريرِ
فقال له: أسأت إنما هو مخها ريرُ، يشير بذلك إلى قياس النحو في هذا التعبير، وأنه يقتضي رفع الخبر، ومعنى ريرُ: ذائب، ثم ما زال يلومه على ذلك حتى جعل شطر البيت:
....................... عَلى زَواحِفَ نُزجيها مَحاسيرِ
والمحاسير: المتعبة، وقد غضب منه الفرزدق فهجاه بقصيدة يائية, جاء فيها قوله:
فلو كان عبد الله مولًى هجوته         ولكن عبد الله مولى مواليا
وما كاد يسمعه منه حتى قال له: أخطأت أخطأت! إنما هو مولى موالٍ؛ وذلك لأنه يرى أن القياس يقتضي صرف موالٍ في حالة الجر؛ لكونه تُحذف ياؤه، وينون تنوين العوض.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


يقول الدكتور عبد الله الخثران: ولكن مما يجب الوقوف عنده أنه ليس المراد بالقياس هنا عند عبد الله بن أبي إسحاق القياس المنطقي, الذي هو صورة استدلالية وعملية عقلية خالصة تستهدف الصحة، والتي تبدأ من مقدمات ذهنية ينتقل منها الذهن من كليٍّ إلى جزئيٍّ ينطوي تحته، وإنما القياس في هذا العصر نوع من الاستقراء الذي ينتقل من الجزئي إلى الكلي، أي: من الوقائع التي هي النصوص إلى قانون سيرها أو قواعد ضبطها، أي: إنه كان ينتقل من الأمثلة الجزئية إلى مقاييس كلية تحكمها وتضبطها، فتحول بين المتكلمين وبين الخطأ في الإعراب، ومن هنا جاء تعريف النحو بأنه: العلم بالمقاييس المستنبطة من كلام العرب.
وقد سار على هدي عبد الله بن أبي إسحاق في طرد القياس وتعميمه أهم تلاميذه، وهو عيسى بن عمر الثقفي، ومن أقيسته: ما حكاه سيبويه عنه من أنه كان يقيس النصب في كلمة "مطرًا" في قول الشاعر:
سلام الله يا مطرًا عليها         وليس عليك يا مطرُ السلام
على النصب في نحو: "يا رجلًا" وكأنه يجعل "مطرًا" في تنوينه ونصبه كالنكرة المقصودة.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو


وكان مثل شيخه في الطعن على الشاعر إذا خالف القياس، فقد خطّأ النابغة في قوله:
فَبِتُّ كَأَنّي ساوَرَتني ضَئيلَةٌ         مِنَ الرُّقشِ في أَنيابِها السُمُّ ناقِعُ
لأنه رفع لفظ "ناقع" وحقه أن ينصب على الحال، وهو مرفوع عند النابغة؛ لأنه خبرٌ عن السم، وقد تقدم من ذكر أقيسته أنه يختار نصب "الطير" في قوله تعالى: ((يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)) وهو قياسٌ منه رُوعي فيه كون المعطوف منادى، وقد تعذر فيه النداء فنصب.
أما أبو عمرو بن العلاء فمع أنه تتلمذ لابن أبي إسحاق, إلا أنه عُني أكثر ما عُني بإقراء الناس القرآن في المسجد الجامع بالبصرة، وهو أحد القراء السبعة المشهورين، كما عُني بلغات العرب وغريبها وأشعارها وأيامها ووقائعها، غير أنه نُقلت عنه أنظار نحوية؛ ولهذا قال ابن جني عنه: كان ممن نظروا في النحو والتصريف وتدربوا وقاسوا، وفي أخباره ما يدل على أنه كان يأخذ بالاطراد في القواعد، ويتشدد في القياس، فقد قال له بعض معاصريه: أخبرني عمّا وضعت مما سميته عربية، أيدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقال له: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟ قال: أعمل على الأكثر, وأسمي ما خالفني لغات.
وقد رويت له في كتب النحاة آراء نحوية قليلة، والحق: أنه لم يكن نحويًّا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وإنما كان لغويًّا وراويًا ثقة من رواة الشعر القديم.

٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو



٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو



٢.٢ الأطوار التي مر بها علم النحو