وقد كان أبو الأسود يعيش بمدينة البصرة، وولي مجلس القضاء بها من قِبَل عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ولما شخص ابن عباس إلى الحجاز وقت التحكيم استخلف أبا الأسود على البصرة، وظل واليًا عليها حتى قُتل عليٌّ -رضي الله عنه- سنة أربعين من الهجرة، ثم كان نمو هذا العلم ونهوضه بمدينة البصرة، وذلك لعدة أسباب:
ميل أهلها وسكانها إلى الاستفادة من هذا العلم؛ دفعًا لوباء اللحن الذي كان قد انتشر فيها.
ميل الموالي من سكان البصرة إلى تلقي هذا العلم؛ لتقويم ألسنتهم، وتخليصها من رطانة العجمة.
ميل الموالي منهم إلى دراسته؛ حبًّا في معرفة لغة الدين الذي اعتنقوه، وطمعًا في ارتفاع قدرهم بين العرب؛ ولهذا صدقت عزيمة الموالي في دراسته والتضلع منه حتى نبغ فيه كثيرٌ منهم، وقادوا حركته العلمية، فكان منهم علماء مبرزون فيه دراسة وتأليفًا، حتى أُطلق عليه في فترة من الفترات علم الموالي، وقد حكى المبرد أن الشابي مر يومًا بقومٍ من الموالي يتذاكرون النحو، فقال لهم: لئن أصلحتموه إنكم لأول مَنْ أفسده، وهو يقصد بذلك اللسان العربي، أي: هم أول مَنْ أفسد اللسان العربي.