٣.١ التحديد الزماني, والمكاني لوضع النحو
متى وأين كان وضع علم النحو؟
 |
يتبين لك مما تقدم أن علم النحو وُضِعَ بعدما ظهر الإسلام في جزيرة العرب، وانتقل إلى بلاد فارس والروم وغيرها من البلاد المجاورة لها، وعندما ظهرت الحاجة إلى وضعه بسبب اختلاط العرب بغيرهم، وما أدى إليه ذلك من ضعف سليقتهم، وانتشار اللحن في لغتهم، ولم يكن العرب قبل الإسلام في حاجة إلى وضع هذا العلم؛ لأنهم ينطقون النطق السليم الفصيح بفطرتهم التي جُبلوا عليها، والملكة التي خُلِقت فيهم، وقد خالف في ذلك أحمد بن فارس في كتابه (الصاحبي) فنسب للعرب العاربة معرفتهم بمصطلحات النحو بتوقيف من قبلهم حتى انتهى الأمر إلى الموقف الأول وهو الله -عز وجل- الذي علم آدم الأسماء كلها، فهو يقول: "زعم قومٌ أن العرب العاربة لم تعرف هذه الحروف بأسمائها -يعني: حروف الهجاء- وأنهم لم يعرفوا نحوًا، ولا إعرابًا، ولا رفعًا، ولا نصبًا، ولا همزًا", ثم قال بعد أن ذكر شيئًا من أدلتهم: "والأمر في هذا بخلاف ما ذهب إليه هؤلاء". |
٣.١ التحديد الزماني, والمكاني لوضع النحو
 |
يقول الشيخ محمد الطنطاوي: "وما من شكٍّ في أن هذا الرأي ناءٍ عن المعقول، جارٍ وراء الخيال والوهم" ويرى الشيخ الطنطاوي أن تحديد زمن وضع علم النحو لا سبيل إليه، وأن تعيين الواضع له إنما هو تقريب لزمن وضعه وليس تحديدًا له، وأما مكان وضعه فهو العراق؛ لأنه على حدود البادية وملتقى العرب وغيرهم، فكان أظهر بلدٍ انتشر فيه وباء اللحن، وهو الداعي إلى وضع علم النحو، وأما عرب البوادي في الحجاز ونجد فلم تكن بهم حاجة إلى وضعه، والمقصود بالعراق هنا البصرة والكوفة لا بغداد؛ لأنهما تأسستا في فجر الإسلام، أما بغداد فلم تُخطط إلا في صدر الدولة العباسية التي اتخذتها مقرًّا للخلافة، وكانت البصرة أقدم في العناية بهذا العلم من الكوفة؛ حيث استأثرت به مائة عام، كما سيتبين ذلك عند دراسة طبقات النحويين البصريين، والكوفيين. |
٣.١ التحديد الزماني, والمكاني لوضع النحو
هل كان وضع النحو عربيًّا خالصًا؟
 |
الراجح لدى العلماء المحققين: أن وضع النحو ونشوءه كان بالعراق في صدر الإسلام، وأنه نشأ نشأة عربية خالصة على مقتضى الفطرة، وملاحظة ما يقع من اللحن، وأنه تدرج به الأمر حتى كمُلت أبوابه غير مقتبس من لغة أخرى لا في وضعه ونشوءه، ولا في تدرجه ورقيه، ومع اتفاق العلماء على هذا ذهبوا مذهبين في أول ما وُضِعَ منه، فالجمهور يذهبون إلى أن أول ما وُضِعَ منه هو ما وقع فيه اللحن، ثم استمر فيه الوضع حتى اكتملت أبوابه، وذلك أخذٌ منهم، واعتداد بالروايات المستفيضة التي تدل على اقتران الوضع باللحن، مثل: باب التعجب الذي وضعه أبو الأسود الدؤلي بسبب لحن ابنته في ذلك، وذهب بعض العلماء إلى أن أول ما وُضِعَ من النحو هو ما كان أقرب إلى الفكر في الاستنباط، وهو ما كثر دورانه على اللسان كقاعدة: الفاعل، والمفعول، والمبتدأ، والخبر. |
٣.١ التحديد الزماني, والمكاني لوضع النحو
 |
وذهب جماعة من المستشرقين إلى إنكار وضعه العربي ونشأته العربية الخالصة، فقالوا: هو منقول من لغة اليونان؛ لأن وضعه بالعراق إنما كان بعد مخالطة العرب للسريان، وتعلمهم ثقافتهم، وللسريان نحو قديم ورثوه عن اليونانيين، وذهب جماعة آخرون من المستشرقين إلى الإقرار بأنه من وضع العرب في بداياته، وإنكار ما تحقق له بعد ذلك من تنظيم بالتقسيم والتعريف والتعليل، ورده إلى الفلسفة اليونانية التي تعلمها العرب في بلاد العراق من السريان، وما ذهب إليه المستشرقون غير مسلّمٍ، فإن الأول مجرد دعوى لا دليل عليها، ولم يحملهم عليها إلا الانتقاص من شأن العرب، والثاني غير مسلّمٍ أيضًا، فإن مَنْ اخترع علمًا وابتكره لا يعجز عن تنظيمه بالتعريف والتعليل والتقسيم. |
٣.١ التحديد الزماني, والمكاني لوضع النحو
٣.١ التحديد الزماني, والمكاني لوضع النحو
٣.١ التحديد الزماني, والمكاني لوضع النحو
٣.١ التحديد الزماني, والمكاني لوضع النحو