٢.١ اللحن في الفصحى, وأثره


معاني اللحن، والروايات الواردة فيه

للحن في لغة العرب استعمالات، فإذا استعمل فعله متعديًا كان بمعنى الفهم، يقال: لَحن أو لِحن قوله أي: فهمه، وإذا استعمل لازمًا كان له ثلاثة معانٍ:
الخطأ في الإعراب ومخالفة وجه الصواب، وفعله من باب فتح، وله خمسة مصادر، يقال: لحن يلحن لَحْنًا ولَحَنًا ولحونًا ولحانةً ولحانيةً في القراءة والكلام, إذا أخطأ في الإعراب وخالف وجه الصواب.

٢.١ اللحن في الفصحى, وأثره


وقد رأى جماعة من الباحثين أن اللحن بمعنى الخطأ في الإعراب لم يكن معروفًا قبل الإسلام ولا في صدره، وذهبوا إلى أن عبد الملك بن مروان الذي تولى الخلافة سنة ثلاثٍ وسبعين من الهجرة هو أقدم من استعمل كلمة اللحن بهذا المعنى، وهذا الرأي تفنده وتبطله نصوص عديدة، ومنها:
قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا أعرب العرب، ولدتني قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر، فأنى يأتني اللحن؟)), وتقدم قول أبي بكر الصديق -رضي الله عنه: "لأن أقرأ فأسقط أحب إلي من أن أقرأ فألحن" ويُروى "أن الخليفة عمر -رضي الله عنه- مر بقوم يسيئون الرمي، فقال لهم: ما أسوأ رميكم؟ فقالوا: نحن قوم متعلمين، فقال لهم: لحنكم أشد علي من فساد رميكم" روى ذلك ابن الأنبار في كتابه (الأضداد).
ويروى أن أبا الأسود الدؤلي المتوفى سنة تسعٍ وستين من الهجرة كان يقول: "إني لأجد للحن غمرًا كغمر اللحم، وغمر اللحم: زنخه ورائحته المنتنة إذا تغير وفسد"، وأبو الأسود الدؤلي سابق على عبد الملك بن مروان، ويبدو أن عبد الملك أكثر استعمال هذه الكلمة عنده بهذا المعنى، ومما يُروى من ذلك أنه قيل له مرة: لقد عجل إليك الشيب يا أمير المؤمنين، فقال: شيبني ارتقاء المنابر، وتوقع اللحن، ومن كلامه: "اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب".

٢.١ اللحن في الفصحى, وأثره


ويُروى أنه استأذن عليه رجلٌ من علية أهل الشام، وكان عنده قومٌ يلعبون بالشطرنج، فقال: "يا غلام غطها، فلما دخل الرجل فتكلم لحن، فقال عبد الملك: يا غلام اكشف عنها الغطاء, فليس للاحنٍ حُرمة". وفيما يلي ذِكر شيءٍ يسيرٍ من جملة الأخبار المروية عن اللحن:
يُروى أن أحد ولاة عمر -رضي الله عنه- كتب إليه كتابًا لحن فيه، فكتب إليه عمر: "أن قنع كاتبك سوطًا" والوالي هو أبو موسى الأشعري كما في مراتب النحويين، ومعنى "قنع كاتبك سوطًا": اضربه سوطًا على رأسه، وسبب ذلك -كما يُروى- أنه كتب "من أبو موسى".
قال ابن قتيبة: سمع أعرابيٌّ مؤذنًا يقول: أشهد أن محمدًا رسولَ الله بنصب رسول، فقال: ويحك، يفعل ماذا.
دخل على الوليد بن عبد الملك رجلٌ من أشراف قريش، فقال له الوليد: مَنْ ختنَك؟ فقال له: فلان اليهودي، فقال له الوليد: ما تقول، ويحك؟ قال: لعلك إنما تسأل عن ختني يا أمير المؤمنين هو فلان ابن فلان، والوليد أخطأ في سؤاله، والصواب أن يقول: مَنْ خَتنُك؟ لأن مراده: مَنْ صِهرك؟ أي: أبو زوجتك مثلًا، والختن يطلق في اللغة على مَنْ كان من قبل المرأة كأبيها أو أخيها، ويطلق على زوج البنت أو الأخت، فلما أخطأ وقال له: مَنْ ختنَك -بفتح النون-؟ صار معنى السؤال: مَنْ قطع قُلفتك -وهي الجلدة التي تغطي رأس الذكر؟ فكانت إجابته موافقة لهذا السؤال.

٢.١ اللحن في الفصحى, وأثره


يُروى أن رجلًا قرع الباب على الحسن البصري، وقال: يا أبو سعيد، فلم يجبه الحسن، فقال: يا أبي سعيد، فقال له الحسن: قل الثالثة وادخل، بمعنى قل الصواب وادخل؛ لأن الصواب أن يقول: يا أبا سعيد.
قال رجلٌ للحسن: ما تقول في رجل ترك أبيه وأخيه؟ فقال الحسن: ترك أباه وأخاه، فقال الرجل: فما لأباه وأخاه؟ فقال الحسن: فما لأبيه وأخيه؟ فقال له الرجل: أراك مغرمًا بمخالفتي.

٢.١ اللحن في الفصحى, وأثره


كيف أدى انتشار اللحن إلى وضع النحو

لقد انتشر اللحن والخطأ في الإعراب -كما عرفنا- منذ أن بدأت الفتوحات الإسلامية، وكان في أول أمره محصورًا في العوام دون الخواص، ولكن سرعان ما انتقلت عدواه إلى الخواص حتى صار العلماء يعدون مَنْ لا يلحن، يقول الأصمعي: "أربعة لم يلحنوا في جدٍّ ولا هزلٍ: الشابي، وعبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، وابن القارية، والحجاج أفصحهم" كما عُد من الفصحاء الذين لا يلحنون: الحسن البصري، وقد رُوي أنه قال يومًا لبعض جلسائه: توضيت، فقيل له: أتلحن يا أبا سعيد؟ فقال: إنها لغة هُذيل.
ولم يقتصر أمر انتشار اللحن على المدن والحواضر، بل انتقل إلى البوادي، يقول الجاحظ: "أول لحن سمع بالبادية: هذه عصاتي، والصواب عصاي" ولهذا وغيره من الوقائع التي ذكرها علماء التراجم والتاريخ سارع العلماء في القرن الأول الهجري إلى التفكير فيما يصدون به هذا السيل الجارف من اللحن الذي قد تتسرب عدواه إلى القرآن الكريم والسُّنة الشريفة، فهدوا إلى وضع قواعدَ وأصولٍ يتعلمها الناس فتنبههم إلى كيفية النطق السليم، وتبعدهم عن الخطأ في الإعراب.

٢.١ اللحن في الفصحى, وأثره


والراجح عند العلماء: أنه ليست هناك حادثة خاصة كانت سببًا في وضع أول ما وُضِعَ في علم النحو، بل تكاثرت الحوادث والوقائع، وتداولها العلماء الذين عنوا بوضع قواعد هذا العلم، وكانت سببًا في التعجيل بوضع القواعد التي كثرت فيها المخالفة والخطأ، وكلما وقع العامة أو الخاصة في خطأ وضع العلماء لهم ما يصحح ذلك، وأرشدوهم إلى الصواب مع اشتغالهم بوضع القوانين التي تحكم ملكة النطق السليم، وقد ذهب إلى ذلك ابن خلدون في مقدمته؛ حيث يقول: "وخشي أهل العلوم منهم -أي: من العرب- أن تفسد هذه الملكة -يعني: ملكة الإعراب- رأسًا, ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على الفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه بالأشباه مثل أن الفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب، والمبتدأ مرفوع، ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات، فاصطلحوا على تسميته إعرابًا، وتسمية الموجب لذلك التغير عاملًا، وأمثال ذلك، وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم، فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة، واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو".

٢.١ اللحن في الفصحى, وأثره



٢.١ اللحن في الفصحى, وأثره