![]() |
فاللغة العربية نشأت في أحضان جزيرة العرب، وظلت أحقابًا عديدة خالصة لأبنائها نقية سليمة مما يشينها, ويعكر صفوها من اللغات الأخرى, وتوافرت لها في تلك الأزمنة عوامل أدت إلى تثبيت دعائمها، وإحكام رسوخها، وجودة صقلها، وعلى رأس هذه العوامل قناعة العرب بما هم فيهم من شظف العيش، وعدم تطلعهم إلى نعيم الحياة وزخارفها في البلاد التي حولهم، وهي بلاد فارس والروم وغيرها؛ مما أدى إلى قلة اختلاطهم بشعوب تلك البلاد، فلا يذهبون إليها إلا لحاجة عارضة أو لتبادل المنافع أحيانًا. |
![]() |
ومن هذه العوامل: تلك الأسواق التي كانوا يحرصون على شهودها في كل عام، وهي تجمع بين أمرين: |
![]() |
كان العرب يتوافدون على هذه الأسواق من كل صقع، ويعرضون فيها جيد الخطب وبديع الشعر، ومن أشهر هذه الأسواق: سوق عكاظ الذي كان يقام في شهر شوال بين نخلة والطائف، وسوق مجنة، وكان يقام في العشرين الأول من شهر ذي القعدة، ومكانه مر الزهران، وسوق ذي المجاز، وكان يعقد في العشر الأخير من ذي القعدة إلى أن ينتهي موسم الحج، ومكانه خلف عرفة. |
![]() |
ولقد أغنتهم هذه الأسواق عن التطلع إلى الشعوب الأخرى، كما أعانتهم على صقل لغتهم وتهذيبها، وظل حال اللغة هكذا طوال عصور الجاهلية، إلى أن سطع نور الإسلام على جزيرة العرب وما حولها من البلدان، فبدأ اللحن يتسرب إليها، وبخاصة عندما تتابعت الفتوحات الإسلامية في عهد سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حيث وصلت في عهده شرقًا إلى نهري السِّند وجيحون، وغربًا إلى الشام ومصر، وكذلك لما توالت الفتوحات في العصر الأموي الذي يبدأ في من سنة إحدى وأربعين من الهجرة حتى سنة اثنتين وثلاثين بعد المائة، حيث وصلت الفتوحات شرقًا إلى الهند والصين، وشمالًا إلى سيبريا، وغربًا إلى ما وراء جبال البرانس، وجنوبًا إلى السودان، وامتد كذلك إلى جزر البحر الأبيض المتوسط. |
![]() |
لقد أدت الفتوحات الإسلامية إلى عدة أمور أسهمت في انتشار اللحن في اللغة الفصحى، مما حذا بأهل الغيرة عليها إلى التفكير في وضع القواعد التي تمنع مراعاتها اللحن والخطأ، وهذه الأمور هي: |
![]() |
ذهاب كثيرٍ من قبائل العرب وعشائرهم إلى الأمصار التي افتُتحت ودخلت تحت حوزتهم. |
![]() |
كثرة تملك العرب للموالي في البلاد التي افتتحوها عنوة. |
![]() |
تقاطر الوافدين من الأمصار المفتوحة إلى الجزيرة العربية؛ لأن بها المدينة المنورة حاضرة الإسلام، ومقر الخلفاء الراشدين، وبها مكة المكرمة التي بها الكعبة الشريفة التي يؤمها العمار والحجاج. |
![]() |
اختلاط العرب بغيرهم اختلاطًا مستمرًّا في البيوت، والأسواق، والمناسك، والمساجد. |
![]() |
اندماج العرب مع غيرهم عن طريق المصاهرة، وظهور أجيال من الأبناء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا كاملًا. |
![]() |
اضطرار العربي الصحيح أحيانًا إلى مجاراة غير العربي في لكنته الأعجمية, عند التفاهم في الأسواق والمساجد وغيرها. |
![]() |
اضطرار غير العرب إلى تعلم اللغة العربية التي يحتاجون إليها في عباداتهم ومعاملاتهم, وعدم إتقانهم لها. |
![]() |
وهذه العوامل كلها أدت إلى ضعف السليقة العربية التي كانت موفورة عند العرب، وهم بعيدون عن مخالطة سواهم من ذوي اللغات الأخرى، وسرى اللحن إلى أواخر الكلمات التي كانت تختلف حركاتها باختلاف المعاني، وهذا الاختلاف هو الذي يُسمَّى الإعراب، فالإعراب هو الذي بدأ فيه الخلل، فأصبح المتكلم لا يفرق بين مرفوعٍ ومنصوبٍ ومخفوضٍ ومجزومٍ، وفي هذا يقول أبو الطيب في (مراتب النحويين): واعلم أن أول ما اختل من كلام العرب وأحوج إلى التكلم الإعراب؛ لأن اللحن ظهر في كلام الموالي والمتعربين من عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد روينا أن رجلًا لحن بحضرته -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((أرشدوا أخاكم فقد ضلّ)) وقال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه: "لأن أقرأ فأسقط أحب إلي من أن أقرأ فألحن". |