٤.١ واضع علم النحو


واضع علم النحو عند القدماء

المقصود بوضع علم النحو هنا: وضع البذور الأولى أو اللبنات اليسيرة في ذلك الصرح الذي تكامل وانتهى في العصور المتأخرة، واختلف العلماء القدامى في تحديد واضع هذا العلم بعد اتفاقهم على أن واضعه من العرب المسلمين، وقد قسم الدكتور عبد الله الخثران في كتابه (مراحل تطور الدرس النحوي) علماء كتب الطبقات والأدب في هذا الأمر إلى ثماني طوائف:
تنسب الوضع إلى أبي الأسود الدؤلي وحده، الذي عاصر الخلافة الأموية، وتوفي سنة تسعٍ وستين في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.

٤.١ واضع علم النحو


ويرى الشيخ محمد الطنطاوي أن عزو وضعه إلى أحد تلامذة أبي الأسود بمعزلٍ عن الاختيار والتأييد، وهو تابعٌ في ذلك لأبي البركات الأنباري الذي خطّأ هذا الرأي في كتابه (نزهة الألباء في طبقات الأدباء) ثم قال: والصحيح أن أول مَنْ وضع النحو علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لأن الروايات كلها تُسند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسنده إلى علي، فإنه روي عن أبي الأسود أنه سئل فقيل له: من أين لك هذا النحو؟ فقال: لفقت حدوده من علي بن أبي طالب.
وقد ذكر أبو البركات الأنباري روايات في سبب وضع هذا العلم، فقال في كتابه المذكور: اعلم -أيدك الله بالتوفيق، وأرشدك إلى سواء الطريق- أن أول من وضع علم العربية، وأسس قواعده، وحد حدوده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وأخذ عنه أبو الأسود الدؤلي، ثم قال: وسبب وضع علي -رضي الله عنه- لهذا العلم ما روى أبو الأسود قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فوجدت في يده رقعة، فقلت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني تأملت كلام الناس فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء -يعني: الأعاجم- فأردت أن أضع لهم شيئًا يرجعون إليه ويعتمدون عليه، ثم ألقى إلي الرقعة، وفيها مكتوب: الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أُنبئ به، والحرف ما جاء لمعنى، وقال لي: انح هذا النحو وأضف إليه ما وقع إليك، واعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، واسم لا ظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل الناس يا أبا الأسود فيما ليس بظاهر ولا مضمر،

٤.١ واضع علم النحو


وأراد بذلك الاسم المبهم، قال: ثم وضع بابي العطف والنعت، ثم بابي التعجب والاستفهام إلى أن وصلت إلى باب إن وأخواتها ما خلا لكن، فلما عرضتها على علي -رضي الله عنه- أمرني بضم لكن إليها، وكنت كلما وضعت بابًا من أبواب النحو عرضته عليه إلى أن حصّلت ما فيه الكفاية، فقال: ما أحسن هذا النحو الذي قد نحوت، قال أبو البركات: فلذلك سُمِّي النحو.
ثم قال: ورُوي أن سبب وضع علي -رضي الله عنه- لهذا العلم أنه سمع أعرابيًّا يقرأ: ((لا يَأْكُلُهُ إلَّا الْخَاطِئينَ)) [الحاقة: ٣٧] والصواب: ((إلَّا الْخَاطِئُونَ)).
ويروى أيضًا أنه قدم أعرابيٌّ في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: مَنْ يقرئني شيئًا مما أنزل الله تعالى على محمدٍ -صلى الله عليه وسلم؟ فأقرأه رجلٌ سورة "براءة" أي: سورة التوبة، فقال له: ((وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِه)) [التوبة: ٣] بالجر، فقال الأعرابي: أوقد برئ الله من رسوله، إن يكن الله تعالى برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر مقالة الأعرابي فدعاه، وقال له: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟! فقال: يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن، فسألت مَنْ يقرئني؟ فأقرأني هذا سورة "براءة" فقال: "أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِه" فقلت: أوقد برئ الله، إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين؟ قال: ((أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُوله)) فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ ممّن برئ الله ورسوله منهم، ثم أمر عمر -رضي الله عنه- ألا يُقرئ القرآن إلا عالمٌ باللغة، وأمر أبا الأسود الدؤلي أن يضع النحو.

٤.١ واضع علم النحو


وروى عاصم قال: جاء أبو الأسود الدؤلي إلى زياد، وهو أمير البصرة، فقال: إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم وفسدت ألسنتها، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون به كلامهم؟ فقال له زياد: لا تفعل، قال: فجاء رجل إلى زياد، فقال: أصلح الله الأمير توفي أبانَ وترك بنونًا، فقال له زياد: توفي أبانَ وترك بنونًا ادع لي أبا الأسود، فلما جاءه قال له: ضع للناس ما كنت نهيتك عنه ففعل.
ويروى عنه أيضًا أن أبا الأسود قالت له ابنته: ما أحسنُ السماء؟ فقال لها: نجومها، فقالت: إني لم أرد هذا، وإنما تعجبت من حُسنها، فقال لها: إذن فقولي: ما أحسنَ السماء! فحينئذٍ وضع النحو، وأول ما رسم منه باب التعجب.
ويرى الشيخ طنطاوي وغيره أن الراجح كون واضع النحو أبا الأسود الدؤلي؛ لأن وضع النحو يقتضي عناية ووقتًا وصدوفًا عن شواغل الحياة، وحياة هادئة مستقرة، وذلك ما لم يتوفر للإمام عليٍّ -رضي الله عنه- وإن كان له اليد الطولى في إرشاد أبي الأسود والإشراف عليه، قال: ومما يؤيد نسبة الوضع إلى أبي الأسود ما رواه ابن النديم في (الفهرست) أن رجلًا بمدينة الحديثة اسمه محمد بن الحسين كان جمّاعة للكتب، وقد آلت إليه خزانة صديقٍ له كان مشتهرًا بجمع الخطوط القديمة، قال ابن النديم: فرأيتها وقلبتها فرأيت عجبًا، ورأيت ما يدل على أن النحو عن أبي الأسود الدؤلي ما هذي حكايته، وهي أربع أوراقٍ، وأحسبها من ورق الصين ترجمتها هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود -رحمة الله عليه- بخط يحيى بن يعمر، وتحت هذا الخط بخط عتيق هذا خط علان النحوي، وتحته هذا خط النضر بن شميل.

٤.١ واضع علم النحو


واضع النحو عند المحدثين

لقد أنكر المستشرق "بروكلمان" ما نُسِبَ إلى أبي الأسود وتلامذته من وضع علم النحو، وذهب إلى أن الصحيح نسبة ذلك إلى طبقة أساتذة الخليل وسيبويه، وذهب المستشرق "يوهان فك" إلى أن واضع النحو العربي هم المسلمون الجدد، ويقصد بهم غير العرب من أهل البلاد المفتوحة، ومثله المستشرق "فون بريمر" الذي رأى أن النحو من وضع الآراميين والفرس، وذهب غير هؤلاء إلى أن النحو العربي مستمد من منطق أرسطو الذي انتهى إلى العرب عن طريق السُّريان، وتابع المستشرقين في هذا التشكيك بعض الباحثين العرب متأثرين بأقوالهم، ومن هؤلاء الأستاذ أحمد أمين، وإن كان قد انتهى إلى نسبة النحو إلى عبد الله بن إسحاق الحضرمي المتوفى سنة مائة وسبع عشرة من الهجرة، وتابعه على ذلك الرأي الأستاذ إبراهيم مصطفى، والأستاذ شوقي أمين.
والصحيح من ذلك كله: أن واضع علم النحو هو أبو الأسود الدؤلي، ويشهد لذلك ثلاثة أمور:

٤.١ واضع علم النحو


أن الروايات والمراجع والمصادر تكاد تُجمع على وصفه بأنه وضع النحو أو رسم العربية، حتى إن المؤرخين حتى نهاية القرن الثالث الهجري لم يذكروا في ذلك إلا أبا الأسود، والرواة الذين نسبوا إليه الوضع يتصلون به في الزمان والمكان.

٤.١ واضع علم النحو


تسمية علم النحو

بقي أمرٌ يسيرٌ نختم به هذا الدرس، وهو تسمية علم النحو، فهل سُمِّي بهذا الاسم من أول وضعه، أم كان له اسم آخر؟ ومتى كانت تسميته بعلم النحو؟ وما سبب هذه التسمية؟
يقول الشيخ الطنطاوي -رحمه الله-: روت كتب الأدب والتراجم على سبيل اليقين أن هذا العلم كان يُسمى بالعربية في عصر أبي الأسود.
قال ابن سلام في (الطبقات): وكان أول مَنْ استن العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها أبو الأسود الدؤلي.
وقال ابن قتيبة في (المعارف): أول من وضع العربية أبو الأسود.
وقال ابن حجر في (الإصابة): أول من ضبط المصحف ووضع العربية أبو الأسود، فالتسمية بالنحو بعد عصره إلا أنها لم تتجاوز الطبقة الثانية، فقد اشتهرت عنها مؤلفات اتسمت بأنها نحوية، وصُرح فيها باسم النحو.

٤.١ واضع علم النحو


ومن المعلوم لدى المحققين أن علم العربية أُطلق في فترة من الزمان على ما يشمل اثني عشر علمًا، وهي: اللغة، والصرف، والاشتقاق، والنحو، والمعاني، والبيان، والعروض والقافية وقرض الشعر، والخط, وإنشاء الخطب، والرسائل، والمحاضرات، والتاريخ، ثم غلب بعد ذلك على علمي النحو والصرف، وإذا كان أبو الأسود الدؤلي قد توفي عام تسعٍ وستين من الهجرة، وقد جاءت التسمية بالنحو بعد عصره ولم تتجاوز الطبقة الثانية من طبقات النحويين البصريين كما يقول الشيخ الطنطاوي، فمعنى ذلك: أن التسمية هذه وقعت ما بين عام سبعين وعام مائة وأربع وخمسين من الهجرة، وهو العام الذي توفي فيه آخر علماء الطبقة الثانية، وهو أبو عمرو بن العلاء، وقد ثبت من الروايات أن التسمية بعلم النحو وقعت على لسان عبد الله بن أبي إسحاق المتوفى سنة مائة وسبع عشرة؛ حيث وردت رواية فيها أن عبد الله بن أبي إسحاق قال لتلميذه يونس: عليك بباب من النحو يطرد وينقاس.
وما يُذكر في بعض كتب التراجم من نسبة التسمية إلى أبي الأسود لا يخرج عن أحد أمرين:
أن يكون مبنيًّا على التسامح والتجوز.

٤.١ واضع علم النحو


وأما سبب تسميته بعلم النحو، فالراجح أنه قول الإمام علي لأبي الأسود حينما عرض عليه ما كتبه في هذا المجال؛ حيث قال له: ما أحسن هذا النحو الذي قد نحوت، فحرص العلماء على استبقاء كلمت الإمام التي أراد بها معنًى لغويًّا، وهو القصد؛ لأن معناها: ما أحسنَ هذا القصد الذي قصدت!
وقد قيل أيضًا: إن كلمة النحو مأخوذة مما روي أن عليًّا -رضي الله عنه- أشار على أبي الأسود الدؤلي بأن يضع شيئًا لإصلاح لغة الناطقين، وعلّمه الاسم والفعل والحرف وشيئًا من الإعراب، وقال له: انح هذا النحو يا أبا الأسود، أي: سر في هذا الاتجاه، واقصد هذا القصد.
فهذا الاسم من وضع النحويين البصريين الذين جاءوا بعد أبي الأسود؛ حيث ارتضوه اسمًا لما يضعونه من القوانين التي يتوصلون إليها من استقراء كلام العرب، ولا مانع أن يكون مرادهم بالنحو المنحو -أي: المقصود.
وفي ذلك يقول الأشموني: هو مصدر أريد به اسم المفعول -أي: المنحو- كالخلق بمعنى المخلوق، وخصته غلبة الاستعمال بهذا العلم، وإن كان كل علمٍ منحوًّا -أي: مقصودًا- كما خصت الفقه بعلم الأحكام الشرعية الفرعية، وإن كان كل علمٍ فقهًا, أي: مفقوهًا، أي: مفهومًا.

٤.١ واضع علم النحو


وجاء في (الخصائص) تعريف النحو بأنه: انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعرابٍ وغيره، كالتثنية، والجمع، والتحقير، والتكبير، والإضافة، والنسب، وغير ذلك؛ ليلحق مَنْ ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة، فينطق بها وإن لم يكن منهم، أو إن شذ بعضهم عنها رُدّ به إليها.
قال ابن منظور: وهو في الأصل مصدر شائع, أي: نحوت نحوًا كقولك: قصدت قصدًا، ثم خُصّ به انتحاء هذا القبيل من العلم، كما أن الفقه في الأصل مصدر: فقهت الشيء أي: عرفته، ثم خُصّ به علم الشريعة من التحليل والتحريم، وكما أن بيت الله -عز وجل- خُصّ به الكعبة، وإن كانت البيوت كلها لله -عز وجل.
ثم نقل عن الأزهري في التهذيب قوله: وبلغنا أن أبا الأسود الدؤلي وضع وجوه العربية، وقال للناس: انحوا نحوه، فسمي نحوًا، وهذا قول ثالث في مصدر كلمة النحو، وهو أنها مستمدة من كلام أبي الأسود.
هذا، ويعرف النحو في اصطلاح القدماء بأنه: العلم المستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها، وعند المتأخرين بأنه علمٌ يُبحث فيه عن أواخر الكلم إعرابًا وبناءً.