٨.٣ معجم المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده
مؤلف الكتاب
وهو علي بن إسماعيل، المعروف بابن سيده الأندلسي..
الهدف من تأليف هذا الكتاب
 |
قصد ابن سيده في معجمه إلى هدف يختلف عن هدف الخليل والأزهري، فقد قصد ابن سيده إلى جمع المشتت من المواد اللغوية في الكتب والرسائل في كتاب واحد، يغني عنها جميعها إلى دقة التعبير عن معانيها، وتصحيح ما فيها من آراء نحوية خاطئة، ولكنه اتفق مع الأزهري في ربطه اللغة بالقرآن والحديث، وقد أشار ابن سيده في مقدمة كتابه إلى هذا حيث قال: "فتأمّل الأمير -أي: أمير البلاد- لذلك كُتُب رواتها وحفّاظها، فلم يجد منها كتابًا مستقلًّا بنفسه، مستغنيًا عن مثله، مما أُلِّف في جنسه، بل وجد كل كتاب منها يشتمل على ما يشتمل عليه صاحبه،وشلّلا تُعانَد عليه رواده، وكلأ لا تُحاقد في مثله روّاده، لا تشبع فيه نابٌ ولا فطيمة" ثم قال بعد ذلك: "ثم إنه لَحَظَ مناظر تعبيرهم، ومسافر تحبيرهم فماطبّ شيء من ذلك له ناظرًا، ولا سلك منه جَنانًا ولا خاطرًا، فالتمس من يؤهل لذلك من لُباب عبيده وصبويات عديده، فوجد منهم فضلاء خيارًا، ونبلاء أحبارًا، لكن رآني أطولهم يدًا وأبعدهم في مضمار العتاق مدًى، فأمرني بالتجرّد لهذه الإرادة، ثم أمرني بالتأليف على حروف المعجم، فصنفت كتابي الموسوم بالمحكم". |
٨.٣ معجم المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده
 |
هذا كلام ابن سيده في مقدمة (المحكم) يكمن الهدف في ذلك في أن أمير البلاد أو أمير الأندلس وجد أن اللغة العربية جديرة بالتأليف، لماذا؟ لأنها مادة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وهي بحاجة إلى وضع معجم شامل يضم ألفاظه؛ لأنه وجد أن الكتب التي ألفت فيها، لا يكاد يستقل منها كتاب بنفسه، فكل منها يحوي من الفوائد ما لا يشتمل عليه غيره،كما أن كثيرًا ممن ألفوا في اللغة عدلوا عن الصواب فيما يحتاج إليه من الإعراب والتصريف، فأمر ابن سيده -وهو أطول العلماء يدًا وأبعدهم مدًى في إتقان اللغة وعلومها- أن يقوم بتأليف معجم شامل جامع، يضم كل ما جاء في الكتب السابقة، كما أراد ابن سيده من تأليف (المحكم) أن يجمع بين منهجي التأليف في المعاجم، وهما التصنيف على أساس المعاني والموضوعات، كما فعل ذلك في (المخصص) و(الترتيب) على أجناس الحروف، كما هنا في (المحكم). |
٨.٣ معجم المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده
مصادر كتاب (المحكم)
 |
المصادر التي استمد منها ابن سيده مادة كتابه كثيرة ومتعددة، فقد استمد مادة معجمه من كتب اللغة، وفقه اللغة، والمعاجم التي أُلفت قبل عصره، وكذلك كتب النحو، والصرف، وكتب القراءات، وكتب التفسير للقرآن الكريم، وكتب شرح الحديث، والأدب، والأشعار، وهذا كله قد صرّح ابن سيده في مقدمة الكتاب؛ ليدل على أن الكتاب غنيٌّ بالمصادر المتعددة التي رجع إليها، فقد قال: وأمّا ما ضمّنّاه كتابنا هذا من كتب اللغة، ومصنف أبي عبيد، والإصلاح -أي: (إصلاح المنطق)- والألفاظ -(الألفاظ والأساليب)- أيضًا لابن السكيت هو و(إصلاح المنطق) و(الجمهرة) أي: (جمهرة اللغة) لابن دريد، ثم يقول: وتفاسير القرآن. إذن: لم يرجع في التفسير إلى تفسير واحد، إنما عمل عدة تفاسير رجع إليها، ثم يقول: وشروح الحديث. رجع إلى أكثر من شرح في الأحاديث، والكتاب الموسوم بالعين، أي: معجم العين للخليل بن أحمد، وكتب الأصمعي، والفراء، وأبي زيد، وابن الأعرابي، وأبي عبيدة، والشيباني، واللحياني، وكتب أبي العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، كـ(المجالس) له، و(الفصيح) و(النوادر) وكتابي أبي حنيفة، وكتب (قراع النمل) ثم يقول ابن سيده: "وجميع ما اشتمل عليه كتاب سيبويه، وكذلك ما نثرت عليه من كتب النحويين المتأخرين، و(الأهوازيات) و(التذكرة) و(الحجة) هذه في القراءات، و(الأغفال) و(الإيضاح) وكتاب (الشعر) وكتب الرماني، كـ(الجامع) و(الأغراض) وكتب ابن جني كـ(المغرِب) و(التمام وشرحه) لشعر المتنبي، و(الخصائص) و(سر صناعة الإعراب) و(التعاقب) و(المحتسب) إلى أشياء اقتضيتها من الأشعار الفصيحة، والخطب الغريبة الصحيحة" إذن: حدد ابن سيده المصادر المتعددة التي رجع إليها، واستقى منها مادة معجمه. |
٨.٣ معجم المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده
منهج ابن سيده في كتابه (المحكم)
 |
إن من يرجع إلى (المحكم) يجد أن ابن سيده اتبع في منهجه نظام العين، وما دخله، أي: أضاف إلى منهج العين ما دخله من تهذيب، الذي فعله الزبيدي في كتابه (مختصر العين) فقد أدخل بعض التعديلات، فأخذ هذه التعديلات ابن سيده من الزبيدي أيضًا، لماذا؟ لأن ابن سيده قد اطلع على ما سبقه من المعاجم، فأراد أن يبرز معجمه في صورة قوية في جمع وشرحه، مع ترتيب دقيق متجنبًا في ذلك ما وقع فيه السابقون عليه؛ لذلك فقد اتبع الخطوات التالية في المنهج: |
٨.٣ معجم المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده
يقوم منهج ابن سيده في (المحكم) على الترتيب والتبويب، فاتبع نظام الخليل في التقليبات والأبجدية الصوتية، فهو ينظر إلى الكلمة بعد تجريدها من الزوائد، ورد المقلوب إلى أصله، والمحذوف إلى مكانه، ثم النظر إلى أبعد الحروف مخرجًا في الكلمة، وترتيب الحروف صوتيًّا عند ابن سيده جاء مطابقًا لترتيب الخليل الذي ذكرناه، عند ذكرنا عند حديثنا عن معجم العين، جمع ابن سيده المادة وما يتقلب منها في موضع واحد، وهو أبعد الحروف مخرجًا، والذي نلاحظه في الفرق بين منهج ابن سيده ومنهج الخليل في العين: أن الخليل قد أدمج الهمزة مع حروف العلة، على حين أن ابن سيده أفرد الهمزة بالذكر، ونجد أن الخليل احتسب الألف اللينة حرف علة، لكن ابن سيده لم يعدها إطلاقًا، وهو في هذا -أي: ابن سيده- يتمشى مع الصرفيين الذين يرون أن الألف، أو أن الألفات الممدودة في العربية ترد إلى أصلها الواو أو الياء.
قسم ابن سيده الحروف إلى أبواب، مراعيًا في ذلك الترتيب المخرجي لها، أي: الأسبق ثم الذي يليه، فبدأ بالعين ثم الحاء ثم الهاء...إلى آخره، والأبواب عند ابن سيده هي: الثنائي المضاعف الصحيح، والثلاثي الصحيح، والثنائي المضاعف المعتل، والثلاثي المعتل، والثلاثي اللفيف، والرباعي، والخماسي، والسداسي، إذن: فالأبنية عنده واحدة كما ذُكرت عند الخليل وعند الأزهري، لكن الفرق أن هذا ماذا؟ هناك بعض الأبواب ضمت في باب واحد عند الأزهري أو عند الخليل، لكن ابن سيده قام بتفريعها إلى أبواب كما ذكرت.
من ملامح منهجه، أنه حذف المشتقات القياسية؛ لاضطرادها، أو فهمها، لكنه سجل المشتقات غير القياسية؛ لعدم اطرادها وفهمها، وقد نبّه على المشتقات التي حذفها في مقدمته، ومما نبه عليه في مقدمته، حيث قال: "ومن طريف اختصاره، أي: اختصاره في (المحكم) ورائع بديع نظم تقصاره، أني ذكرت مِفعلًا ولم أذكر مفعالًا؛ لعلمي أن كل مِفْعَل إذا كانت واوًا أو ياءً نحو: مِجْوب ومِخْيط؛ في نية مجواب ومخياط" ثم يقول أيضًا بعد ذلك: "إني لا أذكر اسم المصدر الذي يجيء من فعل يفعِل، على وزن مَفعل؛ لاطراده، فأما ما جاء منه على مفعِل كالمرجع والمقِيل والمحيض، فلازم ذكره؛ لكونه سماعيًّا، وهذا السماع الذي قال عنه هذا يمثل بعض اللهجات العربية" ومن أراد معرفة ذلك فعليه أن يرجع إلى ما ذكره سيبويه في كتابه؛ حتى يعرف أن الكسر هنا يمثل لغة تميم، والفتح يمثل لغة أهل الحجاز.
التزم ابن سيده بالتنبيه على مسائل كثيرة، منها: تنبيهه على كل ما يُهمز مما ليس أصله الهمزة، من جهة الاشتقاق نحو: هاوأته، وهاويته بالهمز وغير الهمز، والتنبيه على شواذ النسب، والجمع، والتصغير، والمصادر، والأفعال، والإمالة، والأبنية، والتصاريف، والإدغام... وغير ذلك، كل هذا نبه عليه ابن سيده في مقدمة المعجم.
اهتم بالمسائل النحوية، والصرفية، والعروضية أيضًا، وأكثر من ذكر القراءات القرآنية مع توجيهها، لماذا؟ لأن بلده -الأندلس- كانت دعامة هذه المدرسة مدرسة القراءات، كان فيها مكي بن أبي طالب صاحب الكتب الشهيرة في القراءات القرآنية، من حيث الرواية والدراية؛ فأثْرت المكتبة العربية بهذا الكم الكبير من هذه الكتب، وقد اعترف بذلك ابن سيده بقوله: "وليست الإحاطة بعلم كتابنا هذا، إلا لمن مهر بصناعة الإعراب، وتقدم في علم العروض والقواعد" مما يدل على اهتمامه بهذه المسائل قوله: "وذلك أني أجد علم اللغة أقل بضائعي وأيسر صنائعي، إذا أضفته إلى ما أنا به من علم حقيق النحو، وحُوشي العروض، وخفي القافية، وتصوير الأشكال المنطقية".
شرح ابن سيده الألفاظ شرحًا لغويًّا دقيقًا، مؤيدًا ذلك بالمأثور من كلام العرب، مع تجنبه ما وقع في كتاب "العين" من الاستشهاد بالمرذول من شعر المحدثين، كما أنه كان يستمد شرحه من أقوال العلماء السابقين عليه ومؤلفاتهم.
٨.٣ معجم المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده
خصائص ومميزات كتاب (المحكم)
 |
معجم (المحكم) يعد آخر معاجم مدرسة التقليبات الصوتية، رغم أن عصر ابن سيده قد ظهرت فيه مدارس معجمية أخرى، كمدرسة القافية ومدرسة الأبجدية، أو التقليبات الأبجدية والمدرسة الأبجدية، لكنه لم يسِر على منهج من مناهج التطوير المعجمي، بعد ذلك فضل أن يجعل كتابه سائرًا على منهج مدرسة التقليبات الصوتية؛ لذلك كان لهذا الكتاب مميزات وخصائص تميزه: |
عنايته بالترتيب الداخلي للمادة اللغوية، وهذا يدل على دقته في التنظيم، فالغالب عنده أنه يقدم الأفعال على الأسماء، وفي الأفعال يقدم المجرد على المزيد، والمفرد على الجمع، كما كان يميز أيضًا الأسماء من المصادر.
ميوله إلى الإيجاز في الشرح، فهو يجمع الأقوال الكثيرة في تفسير اللفظ الواحد دون تكرار؛ حتى لا يحدث عنده تكرار كما حدث عند الأزهري، فهو ينقل آراء السابقين دون نسبتها في الكثير الغالب، أو دون إشارة إلى مؤلفات السابقين؛ رغبة منه في الإيجاز والاختصار.
اهتمامه بالمسائل النحوية والصرفية في الكتاب؛ لأنه كان نحويًّا، فكان ينقل عن أئمة النحو والصرف كسيبويه، والسيرافي، والفارسي، والزجاج... وغيرهم من الأئمة اللغويين كابن دريد، وغيره، فلم يسرف في النقل؛ حتى يبعده عن الغرض الأصلي للكتاب، بل كان ينقل على حسب ما يقتضي المقام والسياق عنده.
تعرض ابن سيده لبعض المسائل البلاغية، وكان يقوم بتوجيه وبيان الحكم البلاغي فيما يتعرض له من ألفاظ وقع فيها، ذلك كما في مادة "عد" على سبيل المثال.
امتاز ابن سيده في (المحكم) بالدقة والأمانة العلمية، فكان ينص على الصحيح وغيره.
تجنب ابن سيده ما وقع في كتاب (العين) من خلل في بعض الأبنية، وخلط في بعض المواد الرباعية والخماسية، كما أن كتاب (المحكم) يمتاز بخلوه من بعض التصحيفات، أو من التصحيفات التي وقعت في كتاب (العين).
مما يميز كتاب (المحكم) اهتمامه بذكر اللغات والأعلام في الكتاب.
٨.٣ معجم المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده
المآخذ على كتاب (المحكم)
على الرغم من وجود هذه المميزات والخصائص التي تميز بها (المحكم)، إلا أن هناك بعض المآخذ والهنات وجهت إليه، وهي على النحو التالي:
صعوبة المنهج، فما قلناه عن (التهذيب) و(العين) أيضًا يطبق على (المحكم) أو على كل معاجم مدرسة التقليبات، من حيث المنهج في صعوبته؛ لسيرهم على النظام الصوتي، واتباع التقليبات، ولكي يعرف الباحث موطن ما يريده من هذا (المحكم) أو غيره من معاجم هذه المدرسة، لا بد وأن يكون الباحث على علم بالأبجدية الصوتية وترتيبها، وملمًّا بنظام الأبنية، أيضًا فهذا حكم ينطبق على كل معاجم مدرسة التقليبات الصوتية.
بالرغم من تجنب ابن سيده الأخطاء التي وقعت في كتاب (العين) للخليل بن أحمد، إلا أنه وقعت بعض الأخطاء والتصحيفات في الكتاب أيضًا، يعني: مثلًا في قوله: "والعجير" قال عنه: العِنِّين من الرجال والخيل، هذا كلام ابن سيده في (المحكم) لكن قيل عنه بأن هذا تصحيف، فالعجير الأصل فيه العجيز بالزاي، وليس بالراء.
اشتمل الكتاب على بعض التفسيرات الخاطئة لبعض الألفاظ، ومن ذلك قوله: "سع" و"هيسوع" اسمان، قال ابن سيده: وهي لغة قديمة لا يعرف اشتقاقها، هذا ما قاله ابن سيده، لكن الفيروز آبادي في (القاموس) ذكر ذلك، وعلق عليه في مادة "هسع".
وقع ابن سيده في بعض الأخطاء التي قد ترجع إلى وضع اللفظ في غير موضعه الصحيح من الأبنية.
عدم الدقة في ترتيب التقاليب لبعض المواد اللغوية، وذلك مثلًا على سبيل المثال: نجده في مادة "عكم" يرتب التقليبات على النحو التالي: عكم، كعم، معك، كمع، مع أن الأصل في التقليبات أن يقدم "كمع" على "معك" وغير ذلك في تقليبات كثيرة في الكتاب.
أخذ عليه ذكره بعض الألفاظ والمعاني في كتابي: (العين) و(الجمهرة) وقد لقيت هذه الألفاظ والمعاني نقدًا كبيرًا من العلماء مثل: كلمة "طخطخ" "عكنكع" وغيرهما، وهذا يدل على عدم تمحيص ابن سيده لما يأخذ من ألفاظ ومعانٍ.
عدم مسايراته في التنظيم المعجمي للتطوير الجديد، وقد بدأ التطوير الجديد في المعجم، في التأليف المعجمي على يد الجوهري وغيره، الجوهري ترك نظام التقليبات بنوعيه: الصوتية والأبجدية، واختار نظام القافية، ويسر الطريق لسالكه، ولكن ابن سيده اتبع نظام التقليبات الصوتية التي تركها أصحاب المعاجم الأخرى؛ بغية التيسير في البحث والتسهيل في الدرس.
٨.٣ معجم المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده
هذه هي أهم المآخذ والهنات التي وجهت إلى (المحكم) ومهما يكن، فإن هذه المآخذ لا تقلل من قيمته؛ لأن (المحكم) يعد من أمهات معجمات العربية، وقد أثنى عليه ابن منظور كما ذكرنا، وجعله أحد المصادر التي اعتمد عليها في بناء معجمه، وأثنى عليه أيضًا الباحثون المحدثون: من المستشرقين، المستشرق الإنجليزي "لين" في معجمه (مد القاموس) فهو قد أدلى بحكمه على ابن سيده، بعد أن قرأ (المحكم) بنفسه، وبعد أن قارن بين (المحكم) وغيره من المعاجم الأخرى، يقول: "لم يقع لنا بعد عهد (الصحاح) قاموس أعظم من (محكم) ابن سيده، وإن قيمته لترتفع إلى الذروة من الصحة، والإشارات الانتقادية، والأمثلة الكثيرة، والشواهد العربية الصحيحة، هذه هي أهم ما يمكن أن نقوله بالنسبة لمعاجم مدرسة التقليبات الصوتية.