٨.٢ معجم (تهذيب اللغة للأزهري)
مؤلف الكتاب
 |
هو أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهري، يقال له الأزهري نسبةً إلى جدِّه، ويقال له الهروي؛ نسبة إلى مدينة "هراه" تلك المدينة التي ولد فيها في سنة ٢٨٢ هجرية، ثم بعد ذلك غادر المدينة في شبابه إلى أرض العراق قاصدًا مكة المكرمة؛ لأداء فريضة الحج، وفي عودته من مكة وقع الأزهري في أسر القرامطة وكان عمره إذ ذاك ثلاثين عامًا، فكان من سهم أعراب معظمهم من "هوازن" وفيهم من أسد، وفيهم -أيضًا- من تميم، عاش بين هؤلاء فترة طويلة من الزمن، فانتهز الأزهري فرصة الأسر، وسمع منهم -هؤلاء الأعراب الفصحاء- وسجَّل ما سمعه؛ ولذلك نذكر أو نقرأ ما قاله الأزهري عن نفسه في مقدمة كتابه، يقول: وكنت امتحنت بالأساري سنة، عارضت القرامطة الحاجَّ بالهبير -وهو موضع- وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربًّا، عاميتهم من هوازن، واختلط بهم أصرام من تميم وأسد بالهبير نشئوا في البداية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع، ويرجعون إلى إعداد المياه، ويرعون النَّعَمَ -أي: الإبل- ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية وقرائحهم التي اعتدوها، ولا يكاد يقع في نطقهم لحنٌ أو خطأ فاحش، فبقيت في إسارهم دهرًا طويلًا، ثم يقول: واستفدت من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضًا ألفاظًا جمة ونوادر كثيرة، أوقعت أكثرها في مواقعها من الكتاب -هذا كلام الأزهري. |
٨.٢ معجم (تهذيب اللغة للأزهري)
 |
بعد ذلك تخلص من الأسر، وتوجه إلى بغداد، وأخذ عن علمائها في هذا الوقت، من أمثال: العلَّامة ابن نفطويه، وأبي بكر السراج، والبغوي... وغيرهم، ولما اطمأنّ الأزهري إلى ما حصل عليه من علم لديهم عاد إلى مسقط رأسه، واشتغل بالتدريس وطلب العلم، الأزهري ترك الكثير من المصنفات التي ألَّفَهَا، منها: (تهذيب اللغة) الذي نتحدث عنه، وكتابه (علل القراءات) وغيرهم، أخذ عنه العلم أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي صاحب كتاب (الغريبين) وغيره، توفي الأزهري سنة سبعين وثلاثمائة، وقيل: سنة واحد وسبعين وثلاثمائة من الهجرة. |
اسم الكتاب، والهدف من تأليفه
 |
كان الأزهري قد سمى كتابه -في مقدمة الكتاب- بهذا الاسم، ونسبه إليه كل من ترجم له، كما سنوضح أو كما سيوضح لنا الأزهري السبب الذي سمَّى كتابه بهذا الاسم والهدف الذي دفعه إلى تأليفه، كان الأزهري يهدف في كتابه إلى تنقية اللغة من الشوائب التي تسربت إليها على يد سابقيه ومعاصريه، ومن ثم سماه كما يقول -في مقدمته-: وقد سميت كتابي هذا تهذيب اللغة؛ لأني قصدت بما جَمَعْتُ فيه نفي ما أُدْخِل في لغات العرب من الألفاظ التي أزالها الأغبياء عن صيغتها، وغيَّرها الغُتْم عن سننها، فهذبت ما جمعت في كتابي من التصحيف والخطأ بقدر علمي، ولم أحرص على تطويل الكتاب بالحشو الذي لم أعرف أصله، والغريب الذي لم يسنده الثقات إلى العرب. هذا كلام الأزهري. |
٨.٢ معجم (تهذيب اللغة للأزهري)
 |
وقد دعاه إلى هذا التأليف أمور ثلاثة وجدها في نفسه، ووجدها أيضًا في المعاجم، ووضح ذلك في المقدمة أيضًا فقال: وقد دعاني إلى ما جمعت في هذا الكتاب من لغات العرب وألفاظها، واستقصيت في تتبع ما حصَّلْت منها، والاستشهاد بشواهد أشعارها لفصحاء شعرائها التي احتج بها أهل المعرفة المؤتمنون عليها خصال ثلاث: |
تقييد نكت حَفِظْتُها ووعَيْتُها عن أفواه العرب الذين شاهدتهم، وأقمت بين ظهرانيهم سُنَيَات، إذا كان ما أثبته كثير من أئمة اللغة في الكتب التي ألفوها والنوادر التي جمعوها، لا ينوب مناب المشاهدة، ولا يقوم مقام الدربة والعادة.
النصيحة الواجبة على أهل العلم لجماعة المسلمين في إفادتهم ما لعلهم يحتاجون إليه، وقد روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((ألا إن الدين النصيحة: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)).
قال: إني قرأت كتبًا تصدى مؤلفوها لتحصيل لغات العرب، فمنها مثل: كتاب (العين) المنسوب إلى الخليل، ثم كتب من احتذى حذوه في في عصرنا هذا، وقد أخل بها ما أنا ذاكره من دخلها، وألفيت طلاب هذا الشأن من أبناء زماننا لا يعرفون من آفات الكتب المصحَّفَة المدخولة ما عرفته، ولا يميزون صحيحها من سقيمها كما ميزت.
٨.٢ معجم (تهذيب اللغة للأزهري)
 |
وكان من النصيحة التي التزمتها توخيًا للمثوبة من الله عليها أن أنضح عن لغة عربي ولسانها العربي، وأن أهذبها بجهدي غاية التهذيب، وأدل على التصحيف الواقع في كتب المتحاذقين. هذا كلام الأزهري وضح فيه الخصال التي دفعته إلى تأليف كتابه، فمن خلال ذلك نجد أن غرضه إثبات وتدوين ما سمعه من الأعراب، وتصحيح ما دخل كتب اللغة؛ من أخطاء وتصحيفات، وقد تحقق له ذلك من خلال ما سمعه من الأعراب الفصحاء الذين عاش معهم فترة الأسر، وما رواه عنه الموثوق بهم والأخذ مما خَلَّفَ العلماء من كتب خطت بأقلام موثوق بأصحابها ممن لهم مكانة عالية. |
 |
يقول الأزهري: ولم أودع كتابي هذا من كلام العرب إلا ما صح لي سماعًا منهم أو رواية عن ثقة، أو حكاية عن خط ذي معرفة ثاقبة اقترنت إليها معرفتي، اللهم إلا حروفًا وجدتها لابن دريد وابن المظفر في كتابيهما، فبيَّنْت شكي فيها، وارتيابي بها، وستراها في مواضعها من الكتاب، ووقوفي منها، إذن الأسس التي اعتمد عليها في صحة اللفظ هي ثلاثة: السماع من العرب، الرواية عن الثقات، النقل عن خطوط العلماء؛ بشرط موافقتها لمعرفته، وكان معظم علماء القرن الرابع يبحثون عن صحة الألفاظ التي يدوننها ويتلزمونها، فقد هالتهم كثرة ما وجدوه أمامهم، وشعروا بأن كثيرًا منه لم يكن يعرفه العرب. |
٨.٢ معجم (تهذيب اللغة للأزهري)
منهج الأزهري في التهذيب
منهج الأزهري في التهذيب: ذكر الأزهري في مقدمة كتابه المبادئ والمنهج الذي سار عليه؛ جمعًا وتأليفًا، ويمكن إيجاز منهجه في النقاط التالية:
اتَّبَع الأزهري خطة الخليل في كتاب (العين) وهو ترتيب الكلمات على حسب مخارج الحروف بعد تجريد الكلمة من الحروف الزائدة، ورد الحرف المقلوب إلى أصله، وكذلك الحرف المحذوف ومراعاة التقليبات، فيجمع الكلمة وتقلُّبَاتِهَا في مكان واحد، مع ملاحظة وَضْعِها تحت أبعد الحروف مخرجًا، مثل: ما ورد في كتاب العين، قال الأزهري: ما علمت أنه لا يتقدم أحد الخليل فيما أسسه ورسمه، فرأيت أن أحكيه بعينه؛ لنتأمله، وتردد فكرك فيه، وتستفيد منه ما بك الحاجة إليه، ثم أتبعه بعض النحويين مما يزيد في بيانه وإيضاحه منها.
ثم قال أيضًا: نبدأ بأقصاها في الحلق وأدخلها -وهو العين- ثم ما قرب مخرجه منها الأرفع فالأرفع، حتى نأتي على آخر الحروف وذكر ترتيب الحروف عنده، وهو ترتيب الخليل لها.
جعل الأزهري كل حرف بابًا، وجعل كل باب في ستة كتب، هي: الثنائي المضاعف، والثلاثي الصحيح، والثلاثي المعتل، والثلاثي اللفيف، والرباعي، والخماسي.
في كل باب كان الأزهري يجمع الألفاظ المكونة من حروف واحدة في مكان واحد، وذلك بإجراء نظام التقليبات الصوتية عليها.
اهتم الأزهري بالتنبيه على المستعمل والمهمل من الأبنية، وهناك بعض الأبنية عرَضَ بعض صيغها والمواد التي أهملت عند الخليل وعند ابن دريد في كتابيهما، وما أهمل أيضًا في غير هذين الكتابين، فنبه عليها، وفصل أمرها، ويعد ذلك أمرًا مهمًّا في إكمال ما فات المعاجم الأخرى من مادة اللغة وصيغها.
يقوم الأزهري بشرح المواد شرحًا لغويًّا، فيوضح المعاني بما نقله عن العلماء والرواة، وفي هذا يورد الألفاظ دون طريقة معينة في عرض الأفعال أو الأسماء، بل تارةً نجد الأفعال تتصدر المواد وأخرى نجد أسماءً من أنواع شتى؛ مستدلًّا لما يشرح بالقرآن والحديث، شارحًا ومفسرًا وعارضًا للقراءات القرآنية، ومؤكدًا على المعاني الإسلامية التي قصد بها الكشف عن معاني القرآن والسنة وجلاء الغامض والاستدلال للمعاني -أيضًا- بهذين المصدرين القويين، وهذا ظاهر في المعجم، ويورد في ذلك أقوال المفسرين والنحاة، وأحيانًا يعقب عليها.
اهتم الأزهري بالضبط، فيضبط اللفظ تبعًا لمن نقل عنه.
اهتم الأزهري باللهجات، ويورد بعضها منسوبًا وبعضها غير منسوب.
تناول الأزهري بعض القضايا اللغوية كالاشتقاق، ومن خلال الاشتقاق يوضح أصل المعنى وتفرع المشتقات عنه واشتقاق الأعلام، ويشير إلى الترادف بجمع الألفاظ وشرحها في مكان واحد، وكذلك يذكر بعضَ النحو والصرف، كما أكثر من التعبيرات المجازية التي يحاول تفسيرها على الرغم من أنه لم يشر إلى نوع المجاز الذي في العبارة.
كما أورد كثيرًا من الألفاظ النادرة، وحرص على أن يذكر أسماء رواتها المعروفين بالتأليف في النوادر، كأبي زيد وابن الأعرابي وغيرهما، وكذلك اهتمامه بذكر الحيوان والنبات والشجر والأماكن والبلدان وهكذا. تلك هي خطوات الأزهري في منهجه (تهذيب اللغة).
٨.٢ معجم (تهذيب اللغة للأزهري)
قيمة التهذيب العلمية
برزت هذه القيمة في عدة نقاط أهمها:
غلبة الطابع الديني على المؤلف، ويظهر ذلك في المقدمة، كما يظهر أيضًا في كثرة الاستشهاد بالقرآن والحديث، وما ورد من الجوانب الفقهية في ثنايا الكتاب، وكان دائمًا ينتحي ويميل إلى المذهب الشافعي؛ لأن الأزهري كان شافعيَّ المذهب بالإضافة إلى ذلك أنه -كما سبق- أن ذكرنا في معاجم الفقه بأن الأزهري له كتاب في غريب ألفاظ الفقه يسمى (الزاهر في معنى كلمات الناس) حيث جمع الألفاظ الفقهية من مختصر كتاب (المزني) وقام بشرحه ورتبها على حسب ترتيبات الموضوعات الفقهية.
كثرة الأقوال، وظهر هذا في المصادر والمراجع الكثيرة التي ذكرها، وبيَّنَها في مقدمة الكتاب، هذه المصادر والأقوال والمراجع أدَّتْ إلى غزارة المادة العلمية؛ لإطلاعه على كثير من كتب اللغة التي سبقته، وهذا إن دل فإنما يدل على أمانته ودقته العلمية في النقد.
بروز شخصية المؤلف فيما يعرضه من تعليقات ونقود، وربما كان ذلك نتيجة لفترة الأسر التي قضاها بين فصحاء القرامطة.
عنايته بالنوادر والمترادفات والمشترى، وكان يخص ذلك بالذكر والتنبيه، مع اهتمامه بذكر المواضع والبلدان ومواضع الجزيرة العربية، من كل ذلك كان لكتاب التهذيب قيمة علمية أدركها الباحثون السابقون والمحدثون، ويكفي أن نذكر هنا قول صاحب اللسان عندما قال -في مقدمة معجمه (لسان العرب): ولم أجد في كتب اللغة أجمل من (تهذيب اللغة) لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، ولا أكمل من (المحكم) لابن سيده -رحمهما الله- وهما من أمهات كتب اللغة على وجه التحقيق، وما عداهما بالنسبة إليهما ثنايات طريق ولعمري لقد أجمعا فأوعيا، وأتيا بالمقاصد ووفَّيَ.
٨.٢ معجم (تهذيب اللغة للأزهري)
المآخذ على التهذيب
هذه المآخذ تتلخص في نقاط ثلاث هي:
صعوبة البحث في كتاب (التهذيب)؛ لانتهاجه منهج النظام الصوتي والتقليبات والأبنية -كما ذكرنا عند ذكرنا للمآخذ على كتاب (العين)- فما قلناه على كتاب الين يطبق هنا على المنهج في كتاب التهذيب؛ من حيث صعوبة المنهج الصوتي والتقليبات والأبنية.
التكرار الناجم عن كثرة النقول والآراء التي تذكر في شرح الألفاظ؛ فقد أورد آراءً مهما كثرت أو تعددت، ومحاولته جمع كل ما قيل في بيان معنى اللفظ -الذي يتحدث عنه- فمن المعروف أن آراء العلماء قد تتلاقي في بعض الأمور والنقل عنهم على لسان الرواة، فالأزهري لم يحاول اختصار الآراء حتى يتخلص من مظاهر التكرار.
يؤخذ على الأزهري تعصبه ضد كتاب (العين) ومؤلفه، فهو يقف له دائما بالمرصاد إذا وجد مجالًا لنقده والنيل منه، مع أن الأزهري قد استفاد من كتاب (العين) كثيرًا هذا بالنسبة لكتاب العين.