٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
مدرسة التقليبات الصوتية
 |
مؤسس هذه المدرسة هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، ألَّف أول معجم شامل للألفاظ في اللغة العربية عمومًا، ورتب هذا المعجم الذي سمَّاه (معجم العين) على منهج هذه المدرسة، تقوم هذه المدرسة على أساس ملاحظة ترتيب الكلمات حسب أبعد الحروف مخرجًا، وهي لذلك تتوقف معرفتها على إمكان معرفة الباحث بمخارج الحروف العربية وترتيبها؛ من حلقية، ولسانية، وشفوية، على ما وضحه العلماء، مع بعض الاختلافات اليسيرة بين العلماء في تقديم بعض الحروف على بعض وتأخير البعض الآخر عن بعض، هذه المدرسة تقوم على أساس جمع الكلمة وتقليبها في مكان واحد، على سبيل المثال -مثلًا- كلمة "كتب" هذه الكلمة تقلب على وجوهها، وتوضع كلها في مكان واحد من المعجم، مع ملاحظة أبعد الحروف مخرجًا في هذه الكلمة؛ فمثلًا كلمة "كتب" التقليبات فيها تكون كالتالي: نقول: "كَتَبَ كَبَتَ تَكَبَ تَبَكَ بَكَتَ بَتَكَ" إذن الثلاثي يتولد منه ست تقليبات، وهذه التقليبات تتولد من خلال ضرب الحروف بعضها في بعض -كما ذكرنا في هذا المثال. |
 |
هناك قاعدتان أساسيتان في هذه المدرسة: |
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
|
وأحد القراء السبعة المشهورين، وعن عيسى بن عمر، وأيوب، وعاصم... وغيرهم، كما أنه أيضًا أخذ اللغة عن الثقات من الأعراب، مثل: أبو الدقيش، وأبي البيضاء، وأبي خيرة... وغيرهم. |
 |
والخليل كان له تلامذة، أشهر هؤلاء التلامذة الذين تتلمذوا على يديه: سيبويه، والأصمعي، والنَّضْرُ بن شُمَيْل... وغيرهم، وهؤلاء العلماء لهم باع طويل في مجال اللغة والنحو والصرف وغير ذلك. |
 |
وما زال كتبهم لها صدًى في مجال البحث العلمي حتى اليوم، كتاب سيبويه، لا تخلو صفحة منه أو مسألة من مسائل الكتاب إلا وقد ذكر سيبويه الخليل فيها، يُعدّ الخليل هو إمام المدرسة البصرية، الخليل أيضًا له دراسات صوتية، هذه الدراسات فاق بها أهلَ عصره؛ لأنه يُعْتَبَرُ مؤسس علم الأصوات في اللغة العربية، إضافة إلى ذلك الخليل له جهود في مجال النقط كما روى كتب التراجم بين له كتاب في النقط والشكل، والخليل هو الذي وضع الحركات للضبط في اللغة العربية، وأصلح بهذا الشكل الكتابة العربية والحركات؛ إضافة إلى ذلك أن الخليل كان شاعرًا مقلًّا، كما كان أيضًا خيِّرًا متواضعًا ذا زهد وعفاف، وكان يعيش من بستان له تركه أبوه له، وكان الملوك يقصدونه ويتعرضون له؛ لينال منهم، ولكنه لم يكن يفعل، توفي الخليل بالبصرة على أرجح الآراء سنة ٧٥ ومائة من الهجرة. |
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
اسم الكتاب
 |
يقول السيوطي في (المزهر): أول من صنف في جمع اللغة الخليل بن أحمد ألف في ذلك كتاب (العين) المشهور، وقال الإمام فخر الدين في كتابه (المحصور): أصل الكتب المصنفة في اللغة كتاب (العين)؛ والسبب في تسمية الكتاب بهذا الاسم؛ وهو (العين): أن الخليل سمى الكتاب بجزء مما تضمنه، فالكتاب تضمن الألفاظ العربية مرتبة على الحروف الأبجدية ترتيبًا صوتيًّا، فسمى الكتاب بجزء أو بحرف من الحروف التي تضمنها؛ هل التسمية هنا صحيحة؟ |
 |
نعم، التسمية هنا صحيحة؛ لماذا؟ وجدنا في القرآن الكريم بعض الصور سميت بحروف -مثلًا- سورة "ص"، سورة "ق"، سورة "ن"، وهكذا فالتسمية صحيحة، هناك أيضًا حروف أخرى كان من الواجب على الخليل -طالما أنه سمى الكتاب بجزء مما تضمنه كان من الواجب عليه- أن يسمى الكتاب بحرف آخر، هذا الحرف أسبق في الترتيب من حرف العين، مثلًا لماذا لم يسمى الكتاب بالهمزة؟ مع أن الهمزة في الترتيب -كما ذكر سيبويه- أسبق من العين؟ |
 |
السبب في عدم تسمية الكتاب بالهمزة قال ابن كيسان: سمعت من يذكر عن الخليل أنه قال: لم أبدأ بالهمزة؛ لأنها يلحقها النقص والتغيير والحذف؛ لأن الهمزة ربما تحذف أو تتغير إلى حرف آخر من الحروف، ولم يبدأ أيضًا بالألف؛ لماذا؟ |
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
 |
لأن الألف لا تكون في ابتداء الكلمة ولا في ابتداء اسم ولا فعل إلا إذا كانت زائدة أو مبدلة، ولا بالهاء لم يبدأ بالهاء؛ لأن الهاء مهموسة خفية، لا صوت لها، فهي صوت ضعيف، يقول -فيما روي عن الخليل-: فنزلت إلى الحيِّز السادس، إذن من خلال هذا النص، يبقى الهمزة أسبق من العين، وكذلك الألف وكذلك الهاء؛ لأن موضعها أو مواضع هذه الحروف أسبق في الداخل من العين، يقول الخليل -أو فيما روي عنه-: فنزلت إلى الحيز الثاني، وفيه العين والحاء، فوجدت العين أنصع الحرفين فابتدأت به؛ ليكون أحسن في التأليف، وليس العلم بتقدم شيء على شيء؛ لأنه كله مما يُحْتَاجُ إلى معرفته، فبأي بدأت كان حسنًا، وأولاها بالتقديم أكثرها تصرفًا. |
 |
هذا هو السبب الذي جعل الخليل يسمى الكتاب كتاب العين، ولم يسمِّهِ بالهمزة ولا بالألف ولا بالهاء، فابتدأه بحرف العين؛ لأن العين أنصع وأوضح وأكثر تصرفًا -كما ذكر الخليل. |
الهدف الذي دفع الخليل إلى تأليف كتاب (العين)
 |
مما لا شك فيه أن الخليل كان الهدف عنده هو جمع ألفاظ اللغة على نطاق واسع وشامل ومنظم ودقيق؛ لأن الخليل ذو عقل يميل إلى القوانين الرياضية، وكما ذكرت كتب التراجم أنه كان يفكر في عمل يتصل بالحساب والرياضيات لولا أن المنية عاجلته، من خلال معرفته بقوانين الرياضة استطاع أن يجعل من الحروف الهجائية مجالًا لهذا الاستقصاء؛ عن طريق ملاحظة التقسيم الصوتي إلى جانب طريقة التقليبات. |
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
 |
فالحروف الهجائية عند الخليل موزَّعَةٌ على مخارج، حددها الخليل بسبعة عشر مخرجًا، ثم راح يقلب بعض الحروف -وهي التقلبات التي قلنا عنها- لتكون الكلمات مقدمًّا ومؤخَّرًا، استطاع الخليل عن هذه الفكرة والطريقة -وهي التقليبات حصر اللغة- ولذلك كما روى السيوطي -عن بعض المؤرخين-: ذكر الخليل بن أحمد في كتاب (العين) أن مبلغ عدد أبنية الكلام المستعمل والمهمل على المراتب الأربع من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي من غير تكرار، اثنا عشر ألف ألف، والخليل بن أحمد ذكر في مقدمة كتابه (العين) أيضًا قوله: هذا ما ألفه الخليل بن أحمد البصري -رحمة الله عليه- من حروف ألف باء تاء ثاء... إلى آخره، مع ما تكلمت به، فكان مدار كلام العرب وألفاظهم، ولا يخرج منها عنه شيء، أراد أن يعرِّف به العرب في أشعارها وأمثالها ومخاطباتها وألا يشذ عنه شيء من ذلك. هذا كلام الخليل؛ فهو يعني بهذا الكلام أنه يريد استيعاب اللغة وألفاظها بشتى ألوانها؛ من الألفاظ الواضحة والغريبة والوحشية، وما شاكل ذلك. |
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
 |
العلامة "ابن جني" ذكر في كتاب (الخصائص) قوله: وأما كتاب العين ففيه من التخليط والخلل والفساد ما لا يجوز أن يُحْمَلَ على أصغر أتباع الخليل، فضلًا عن نفسه. يعني هذا الكلام الذي ذكره ابن جني يوضِّح: أن الخلل والاضطراب والفساد الذي وقع في كتاب (العين) لا يجوز أن يُحْمَلَ لأصغر تلميذ عند الخليل؛ فما بالك بأن ينسب مثل هذا الغلط للخليل نفسه؟! |
 |
هذا ما يقصده "ابن جني" ثم يقول: ولا محالة أن هذا تخليط لحق هذا الكتاب من قبل غيره، وإن كان للخليل فيه عمل، فإنما هو أنه أومأ إلى عمل هذا الكتاب إيماءً، ولم يتولَّ عمل هذا الكتاب بنفسه، ولا قرّره، ولا حرَّرَه، يدلّ على أنه قد نحى نحوه أني أجد فيه معاني غامضة ونزوات للفكر لطيفة، وصنعة في بعض الأحوال مستحكمة، ثم يقول "ابن جني": وذاكرت به يومًا أبا علي الفارسي، فرأيته منكرًا له. |
إذن فالذي نراه أو الرأي الأجدر والأصح بالقبول هو أن الكتاب للخليل، ولا عبرة بما أثير حوله من شبهات؛ سواء بين علماء اللغة العرب أو بين المستشرقين -الذين لا يريدون نسبة العلم والبحث إلى علماء العرب- ومن أراد المزيد فعليه أن يرجع إلى مقدمة كتاب (العين) فلقد ذكرت هذه الآراء بالتوضيح والتفصيل والرد عليها، وأيضًا في كتاب السيوطي وغير ذلك الكثير.
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
 |
هذا كلام ابن جني في "الخصائص" هناك آراء أخرى ذكرها السيوطي تنكر نسبة الكتاب للخليل، ولكن هذه الآراء قد جمعها محقق الكتاب -وهو الدكتور عبد الله درويش- وناقش هذه الآراء وغيرها مناقشة علمية سليمة، وأثبت أن الكتاب للخليل بن أحمد، مما يدل على أن الكتاب للخليل بن أحمد وينفي نسبة القائلين بأن الكتاب ليس من عمل الخليل روايتان؛ رواية ذكرها السيوطي، والأخرى ذكره ابن فارس تبين أن الكتاب جاء عن طريق الرواية منسوبًا إلى الخليل بن أحمد، السيوطي ذكر في إحدى الروايات عنده -التي ورد عن طريقها كتاب (العين) منسوبًا للخليل- يقول: روى أبو علي الغساني كتاب (العين) عن الحافظ أبي عمرو بن عبد البر بن عبد الوارث بن سفيان، عن القاضي منذر بن سعيد، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن ولَّاد النحوي، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن مهدي، عن أبي معاذ عبد الجبار بن يزيد، عن الليث بن المظفر بن نصر بن سيار، عن الخليل بن أحمد. فإذن هذه الرواية التي ذكرها السيوطي تثبت أن الكتاب جاء عن طريق الرواية منسوبا إلى الخليل بن أحمد. |
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
 |
الرواية التي ذكرها أحمد بن فارس في كتابه (المقاييس) -وهي تعتبر أسبق من رواية السيوطي- قال أحمد بن فارس عن مصادر كتابه (المقاييس): فأعلاها وأشرفها كتاب أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد المسمى كتاب (العين)، أخبرنا به علي بن عبد إبراهيم القطان فيما قرأت عليه، أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم المعداني عن أبيه إبراهيم بن إسحاق، عن بندار، ومعروف بن حسان عن الليث عن الخليل، فإذن هذه الروايات التي جاءت بالسند من عصر ابن فارس حتى إلى أن وصل بهذه الرواية إلى صاحب الكتاب تثبت وتؤكد بأن الكتاب هو للخليل بن أحمد. |
منهج الخليل في العين
 |
لم يجد فيما بين يديه من الكتب والرسائل منهجًا يسير عليه لنفسه، فأثر البعد عن منهج الكتب والرسائل التي ألفت في عصره وقبل عصره، بالإضافة إلى أن هذه الكتب والرسائل لم تتناول ألفاظ اللغة كاملة، وإنما تناول موضوعًا معينًا، فأراد الخليل استقصاء اللغة وتتبعها وجمعها من أفواه العرب والرواة، بينما جمع اللغة بطريقة منطقية رياضية أيضًا، هداه تفكيره وذكاؤه إلى هذا المنهج المعروف بالنظام الأبجدي الصوتي، وإيثاره لهذا المنهج وتفضيله على منهج الرسائل يعود إلى رغبة الخليل في تمييز الحروف بالصوت؛ لأن الصوت أقوى دلالةً وأكثر وضوحًا وتمييزًا من الكتاب. |
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
 |
الخليل أيضًا لتفوقه في الموسيقى والنغم واختراعه لعلم العروض -الذي مازال حتى اليوم يدرَّس في جميع الجامعات العربية والعالمية- كل ذلك كان هاديًا له؛ لكي ينهج هذا المنهج، والذي يتتبع كتاب (العين) يرى أن الخليل قد سلك لنفسه خطوات في هذا المنهج، نحاول توضيحها: |
النقطة الأولى
 |
أن الخليل رتّب المفردات على أساس صوتي؛ حيث رتب الحروف على حسب مخارجها مستخدمًا التقليبات في الكلمة؛ بحيث يضع الكلمة وتقلباتها في مكان واحد مع ملاحظة جعلها تحت أبعد الحروف مخرجًا، وكل حرف يعقد عليه الباب سماه كتابًا، ورتب الحروف ترتيبًا صوتيًّا هكذا؛ العين الحاء الهاء الغين الخاء القاف الكاف الجيم الشين الضاد الصاد والسين والزاي والطاء والتاء والدال والظاء والثاء والذال والراء واللام والفاء والباء والميم والواو والألف والياء. هذا هو ترتيب الخليل للحروف الصوتية ترتيبًا صوتيًا، وهذه الحروف موزعة على المخارج السبعة عشر التي ذكرناها. |
 |
جعل الخليل عدد الكتب في الكتاب بعدد حروف الهجاء؛ لأنه -كما قلت- جعل لكل حرف كتابًا، فكان عدد الكتب عنده بعدد حروف الهجاء. |
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
النقطة الثانية
 |
أن الخليل رتب كل كتاب -أي: حرف- على حسب الأبنية؛ لأن الأبنية عند الخليل أربعة؛ الثنائي الثلاثي الرباعي الخماسي، فرتب كل حرف أو كل كتاب على حسب هذه الأبنية، يبدأ بالثنائي، ثم الثلاثي، ثم الرباعي، ثم الخماسي، فيذكر الثنائي أولًا، والثنائي هو اللفظ الذي جاء على حرفين، هناك -أيضًا- أبواب تدخل في الثنائي، يدخل في الثنائي -أيضًا- المضعف الثنائي، المضعف مثل كلمة "صرَّ شدَّ مَدَّ" هذا يدخل أيضا في الثنائي عند الخليل، هذا يسمى بالثنائي المضعف، وهناك أيضًا يدخل في باب الثنائي عند الخليل الثنائي المكرر مثل: صرصر جرجر، هذا يسمى ثنائيًّا مقررًا عند الخليل، هناك بعض الحروف -بعض الألفاظ- جاءت على حرفين، لكنها لا تدخل في باب الثنائي -يعني مثلًا- كلمة "يد فم" جاءت على حرفين لكن هل هي ثنائية؟ |
 |
لا، وإنما تدخل في باب الثلاثي؛ لأن الأصل فيها ثلاثي، فَيُبْحَثُ عنها في الثلاثي، ثم بعد ذلك الثلاثي الصحيح الثلاثي عند الخليل قسمه إلى: ثلاثي صحيح، ومعتل... إلى آخر الأبنية التي حددها، وهكذا أيضًا الرباعي والخماسي. |
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
النقطة الثالثة
 |
أن الخليل كان ينبه على المستعمل والمهمل من المواد، فكان يأتي باللفظ في أول المادَّة، ويذكر التقليبات التي تتفرع من هذا اللفظ، ويقول بأن هذا مهمل، وهذا مستعمل، تنبيهه على المستعمل والمهمل دفع الخليل أيضًا إلى التنبيه عن سر الإهمال لبعض الألفاظ -يعني: يبين أن هذا اللفظ لماذا لم يستعمل- فكان يبين أن عدم الاستعمال إما أنه أتى من أن هذا اللفظ لم يستعمل؛ لأن العرب الأوائل والفصحاء لم يستخدموا هذا اللفظ، أو ربما يكون المانع أو عدم الاستعمال سبب صوتي، يبين أن القوانين الصوتية تأبى استعمال هذا اللفظ؛ يعني مثلًا في كتاب العين والحاء ذكر من الأسباب قال: إنه -أي: العين والحاء- لا يأتلفان منهما، ولا يجتمعان في كلمة مستعملة؛ لماذا؟ |
 |
قال: لتقارب المخرج فيهما إلا أن يجتمع في باب النحت، يعني: معنى ذلك أن تجتمع الحاء والعين في كلمة واحدة فهذا يدل على أن الكلمة منحوتة، ومن كلمتين أو أكثر، وليست كلمة واحدة. |
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
النقطة الرابعة
اهتم الخليل، واعتنى عناية كبيرة بالجانب اللغوي، فاهتم بشرح الألفاظ؛ ليوضح معناها للقارئ، فاستخدم أنواعًا متعددة من الشرح، فأحيانًا يشرح اللفظ بجملة كاملة وأحيانًا يشرح اللفظ بلفظ آخر مرادف له، وأحيانًا يشرح اللفظ بضده، وفي بعض الأحيان أيضًا يشرح الألفاظ مستخدمًا في شرحها لغاتٍ أخرى توضح هذا اللفظ.
النقطة الخامسة
أن الخليل أشار إلى بعض المعاني التي تخرج عن نطاق الحقيقة والمجاز؛ لم يتجّه في عرض الكلمات داخل المادة الواحدة بالبدء بنوعي الكلمة؛ من الاسم أو الفعل، تارة يبدأ بالاسم، وتارة أو في بعض الأحيان بالفعل، يبدأ بالماضي، ثم المضارع، ثم المصدر في معظم الأحيان، غالبًا أن الخليل كان يقدم المجرد على المزيد، وكان يورِد كثيرًا من المشتقات فيما يلي الأفعال، كما أنه كان يذكر كل أنواع الصيغ المسموعة منها وغيره مما يوافق القياس، كان يشير إلى: المفردات، والجموع، والمذكر، والمؤنث، ما يوافق القياس منها وما لم يوافقه.
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
النقطة السادسة
أن الخليل يشرح الألفاظ بما يوضح معانيها، ويذكر مختلف المعاني التي يستعمل فيها اللفظ، ويستشهد على ذلك بالشواهد اللغوية المتعددة؛ من قرآن كريم، وقراءات، والحديث النبوي الشريف، والمأثور من كلام العرب؛ شعرًا ونثرًا قولًا كان أو مثلًا.
النقطة السابعة
أنه اهتم باللهجات اهتمامًا كبيرًا؛ فقد ذكر في كتابه أسماء القبائل العربية ولهجاتها، مثل: قبيلة ربيعة وهزيل وطيء وتميم واليمن وغير ذلك من أسماء القبائل التي ذكرها، كما أنه كان يحاول نسبة الألفاظ إلى القبائل التي تكلمت بها -إذا تحققت وتأكدت هذه النسبة عندهم- أحيانًا يميل إلى ما يميل إليه الباحث من الظن بأنها -ربما- تكون لهجة أو لغة.
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
النقطة الثامنة
الضبط استخدم الضبط بالشكل وهو الغالب الكثير في المعجم؛ واستخدم الضبط بالشكل فقط؛ لأن الخليل هو الذي وضع الضبط بالشكل -أي: بالحركات في اللغة- فأقام معجمه على ذلك الضبط ومن ذلك أيضًا الضبط بكتابة الحركة على الحرف المراد ضبطه، وهذا النوع من الضبط يخطئ فيه الكتاب بوضع الحركات في غير أماكنها؛ تبعًا لسرعة الكتابة أو لعدم التنبه إلى مكانها الصحيح، وقد يضبط الخليل بكلمات تدل على الحركات لكنه لا يسميها باسمها؛ أقول مثلًا: فتح كسر ضم، بل يستعمل بدلًا منها علامات الإعراب، فيقول: النصب الكسر الرفع.
النقطة التاسعة
نقد الخليل للصيغ الرباعية والخماسية، وبيَّن الأصيل منها والدخيل في اللغة، وأقام نقده على الناحية الصوتية فيها، كأنما اللغة تحولت عنده إلى أصوات وأنغام، فاللفظ المتناسق عنده عربي، والناشز مولد دخيل، فالأبنية الرباعية والخماسية الصحيحة لا بد وأن يكون في كل كلمة منها -أقل شيء- حرف أو حرفان من حروف الذلاقة، وحروق الذلاقة هي ستة أحرف التي تجمع في قولهم: "مُرْ بِنَفَل" وهي: "الراء اللام النون الفاء الباء الميم" إن وردت عليك كلمة رباعية أو خماسية وكانت هذه الكلمة خالية من حروف الذلاقة -أو الحروف الشفوية التي ذكرناها- يقول الخليل: فاعلم أنها مُحْدَثة مبتدعة ليست من كلام العرب، ولو كانت على الأوزان العربية .
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
النقطة العاشرة
أشار الخليل إلى القضايا اللغوية؛ كالإبدال والقلب والاشتقاق، بما يُثْرِي الدراسات اللغوية، وكان يستخدم الاشتقاق باتساع كبير في إرجاع الكلمات إلى أصولها، وفي تصحيح ما يريد تصحيحه من الصيغ، وهناك في الكتاب ظواهر كثيرة كتعابر المعاني على الألفاظ فيما يُعرف بالمشترك والتضاد والمترادف والْإِتْبَاع وغير ذلك من هذه الظواهر اللغوية.
النقطة الحادية عشرة
ذكر الخليل كثيرًا من القضايا النحوية والصرفية والعروضية في الكتاب، كما ذكر أيضا الأعلام الشخصية وأسماء القبائل والأماكن، هذه هي نقاط منهج كتاب (العين) للخليل بن أحمد.
هذه هي أهم المآخذ التي وجهت إلى كتاب (العين) ومع ذلك فهي لا تقلل من قيمة الكتاب ولا من قدر صاحبه، ويكفي هذا الكتاب فخرًا بأنه أول معجم أُلِّفَ في اللغة العربية جامعًا الألفاظ وشاملًا لهذا المنهج، وكما قلت: يكفيه فخرًا بأنه الأول، فقد تحققت في هذا المعجم كل العناصر والشروط التي يجب توافرها في بناء المعجم؛ من حيث المادة اللغوية، والشواهد، والضبط، والمنهج... وغير ذلك، كل ذلك كان متوفرًّا في ذلك، فيكفي أن الخليل له فضل السبق في ابتكار أول معجم أُلِّف في اللغة العربية.
٨.١ معجم العين للخليل بن أحمد
المآخذ على (العين)
أهم المآخذ التي وجهت إلى كتاب (العين):
صعوبة البحث في الكتاب: وهذه الصعوبة قد أتت من ناحية ترتيب الخليل للألفاظ على الناحية الصوتية، وهذه الناحية الصوتية
لا تتأتى، ولا يعرف طريقها إلا لمن يعرف مخارج الأصوات العربية معرفة دقيقة، وهذا لا يتحقق لكل الباحثين - معرفة
الأصوات وترتيب الأصوات على حسب المخارج وهذا أبعد وهذا أقرب- هذا ليس متوفّرًا لكل الباحثين في المعاجم،
إضافة إلى ذلك الأبنية التي وضعها الخليل، تلك صعوبة أخرى تحتاج إلى من له دراية بالتصريف، ومعرفة الأصل والزائد
في الكلام، ومعرفة الصحيح والمعتل، والثنائي، والثلاثي، والرباعي، والخماسي... وهكذا، كل ذلك -أيضًا- يصعب على الباحث.
وقوع التصحيف في بعض الألفاظ، السيوطي ذكر في (المزهر) فصلًا كاملًا لبعض ما أخذ على كتاب (العين) من التصحيف،
وأيضًا روج لهذه الشائعة الأزهري في كتابه (تهذيب اللغة)، لكن هذا التصحيف الذي وقع في الكتاب؛ لأن الكتابة كانت
غير منقوطة في عصر الخليل، والحروف الهجائية العربية -كما نعلم- متشابهة كثيرًا من حيث الشكل الكتابي،
والسيوطي دافع عن الخليل في ذلك.
أخذ على الخليل انفراده ببعض الألفاظ -أي: أنَّ هناك ألفاظًا وردت في الكتاب لم يذكرها أحد من اللغويين، ولم ترد عن أحد
من اللغويين الثقات سوى الخليل بن أحمد، ولكن هذا النقد يمكن أن نرد عليه ونقول بأن: انفراد الخليل برواية بعض
الألفاظ هذا لا يعد عيبًا ولا نقدًا؛ لماذا؟ لأن الخليل عالم ثقة، وإذا كان العالم ثقة صدق فيما يُنْقل عنه ولو لم يرد هذا
اللفظ عن غيره؛ ولذلك في كتب اللغة أن رواية الآحاد تُقْبَلُ طالما أن هذا الآحاد ثقة، والخليل ثقة، فالألفاظ التي وُصِفَت
بالإفراد وبأنه لم يذكرها أحد سوى الخليل، هذه الرواية المفردة تقبل -مادام أن الذي ذكرها ورواها هو الخليل ومن في أمثال الخليل.
وهو الخلط والاضطراب في علاج بعض الأبنية، كوقوقع بعض الأخطاء الصرفية والاشتقاقية، وإدخال الرباعي المضعَّف
في الثلاثي المضعف، والخلط بين الرباعي والخماسي، واستشهاده بشعر المحدثين، وعدم نسبته بعض الشواهد الشعرية
إلى أصحابها.