٨.٤ مدرسة التقليبات الصوتية: الخصائص والمنهج، والمآخذ


خصائص مدرسة التقليبات الصوتية، وعيوبها
ألف على منهج هذه المدرسة المعاجم التالية: (العين) و(التهذيب) و(البارع) و(المحيط) و(المحكم) الرابطة المشتركة التي تجمع بين هذه المعاجم ترتيبها حروف الهجاء بحسب مخارجها، وجعل هذا الترتيب أساس تقسيمها إلى كتب، ثم تقسيم هذه الكتب إلى أبواب تبعًا للأبنية، ثم ملء هذه الأبواب بالتقاليب، والتزمت هذه المعاجم كلها ترتيب كتاب (العين) للمخارج، إلا (البارع) الذي سار على ترتيب مخالف، أخذ أغلبه من سيبويه، مع خلطه بأشياء من ترتيب كتاب (العين) ومن الطبيعي أن هذه الكتب جميعًا لم تتحد في كل شيء، بل اختلفت في كثير من الوجوه، وتطورت الأمور التي اشتركت فيها بين كتاب (العين) وهو أول معجم ظهر في هذه المدرسة، وبين (المحكم) لابن سيده، وهو آخر معجم ظهر في هذه المدرسة، وحاول ابن سيده أن يتخلص مما وقع فيه سابقه من عيوب، فقد كان هدف الخليل حصر اللغة واستقصاء الواضح والغريب منها، وهدف الأزهري تهذيبها وتخليصها من الغلط والتصحيف، مما وقع فيه الخليل وابن دريد وغيرهما، وهدف ابن سيده جمع المشتَّت من اللغة في الكتب المتفرعة، وتصحيح ما فيها من أخطاء في التفسيرات النحوية، ويبدو أن هدف القالي في (البارع) يشبه هدف الأزهري، وأن هدف الصاحب ابن عباد في (المحيط) استدراك ما فات سابقيه من غريب.


٨.٤ مدرسة التقليبات الصوتية: الخصائص والمنهج، والمآخذ


مدرسة التقليبات الصوتية: المنهج، والمآخذ
بالنسبة لمنهج هذه المدرسة عمومًا
يعتبر أن أسس التقسيم المشترك بينهما قد تطور، فمثلًا: كتاب (العين) يحتوي على أربعة أبواب في كل حرف: الثنائي المضاعف، الثلاثي الصحيح، اللفيف، الرباعي والخماسي؛ لأن الرباعي والخماسي عند الخليل كان لهما باب واحد، وكانت الأبواب: الأول والثالث والرابع تحتوي على صيغ مختلفة، فحاول من بعده أن يخلصوها من هذا العيب، وأنيقصروا كلًّا منها على بناء واحد ما أمكنه، ففصل القالي ومن أتى بعده الرباعي عن الخماسي، وأفرد للكل منهما بابًا، وكانت حروف العلة هي أسباب الاختلاف في هذه المدرسة، وتطور علاجها تطورًا بارزًا، فقد جمع الخليل ما فيه حرف علة أو حرفان مع المهموز، وخلطها كلها بعضها ببعض في باب اللفيف، لكن القالي فصل ما فيه حرف علة واحد عما فيه حرفان، لكنه لم يفصل المهموز عن "الياء" أو "الواو" وحاول الأزهري فصل المهموز وافتخر بذلك، ولكنه لم ينجح نجاحًا تامًّا، وقد نجح ابن سيده في فصلها.


٨.٤ مدرسة التقليبات الصوتية: الخصائص والمنهج، والمآخذ


بالنسبة للمآخذ على هذه المدرسة عمومًا
كان من أثر المنهج الذي صارت عليه هذه المدرسة أن وقعت في بعض الأخطاء والمآخذ، التي ظهرت بشكل بارز في الكتب الأولى، وحاولت الكتب الأخيرة أن تلطف منها كثيرًا، وأول هذه المآخذ: صعوبة البحث فيها، ومشقة الاهتداء إلى اللفظ المراد، واستنفاد الوقت الطويل من الباحث؛ بسبب الترتيب على المخارج والأبنية والتقاليب، وكثيرًا ما وقع المؤلفون أنفسهم في أخطاء في تلك الخطوات، بوضع كلمة في غير بنائها، أو اعتبار حرف مزيد أصليًّا، أو العكس، أو ما إلى ذلك مما يستحيل معه على القارئ الوصول إلى طلبته، ولعل تلك الصعوبة هي السبب الأول في قيام المدرسة الثانية من المعجمات؛ إذ أحس القدماء بها فحاولوا تيسيرها، والتخلص منها، قال ابن دريد -وهو مؤسس المدرسة الثانية مدرسة التقليبات الهجائية- قال في مقدمة (الجمهرة): "قد ألف الخليل بن أحمد كتاب (العين) فأتعب من تصدى لغايته، وعنى من سما إلى نهايته ولكنه -رحمه الله- ألف كتابه مشاكلًا لثقوب فهمه، وذكاء فطنته، وحدة أذهان أهل دهره، وأملينا هذا الكتاب، والنقص في الناس فاشٍ، فسهلنا وعره، ووطأنا شأنه".

نختم حديثنا عن هذه المدرسة بما اختص به كل من كتبها، فلا نرى في (العين) شيئًا خاصًّا عنى به أكثر من غيره؛ بسبب أوليته، أما (البارع) فيمتاز بالضبط والصحة، ويمتاز (التهذيب) بالجمع والمعارف الدينية، ويمتاز (المحيط) بالغريب والاختصار، و(المحكم) بالتنظيم والمسائل النحوية والصرفية، وهو أحسنها ترتيبًا لأبوابه ومواده وألفاظه في داخلها، وأجملها منهجًا نظريًّا.

٨.٤ مدرسة التقليبات الصوتية: الخصائص والمنهج، والمآخذ


ومن هذه المآخذ أيضًا: الاضطراب في حروف العلة، والهمزة، وبابي اللفيف والثنائي المضاعف، فقد لقيت هذه المدرسة من حروف العلة والهمزة عنتًا شديدًا؛ بسبب جمعها كلها في موضع واحد، وحارت فيها بين خلط واضطراب، وبين فصل وتمييز، وكذلك بابا اللفيف والثنائي، فأدخلت فيهما كثيرًا من الصيغ التي لا تندرج تحتهما، أو من التيسير في وضعها في أبواب خاصة، واضطرت الكتب المتأخرة إلى فعل ذلك، أو إلى تكثير الأقسام تحت الأبواب؛ مما سبّب كثيرًا من الاضطراب والخلط، كما وضح في (المحكم) وسبب الرباعي المضاعف، والأدوات، والأصوات كثيرًا من المتاعب لهذه الكتب، فهي تارة تضع الأول في الثنائي المضاعف، وأخرى تضعه
في الرباعي، وثالثة تضعه في قسم خاص من الثنائي المضاعف، وهكذا، والأدوات والأصوات توضع في الثنائي المضاعف تارة،
وفي الثلاثي المعتل أخرى، حتى عندما تكون ثنائية خفيفة، وفي اللفيف ثالثة، فكان ذلك كله من دواعي التشتت أو التكرير.