٢.١٨ المطرد وغيره من كلام العرب


لقد جعل علماء العربية ما استمر من الكلام في الإعراب وغيره من مواضع الصناعة: مطردًا، وجعلوا ما فارق ما عليه بقية بابه، وانفرد عن ذلك إلى غيره: شاذًًا؛ حملًًا لهذين الموضعين على أحكام غيرهما.
كما استخدموا ألفاظًا للنوع المطرد، مثل: الأكثر، والكثير، والغالب، والأصل، والباب، وأشباهها مما يفيد الكثرة، والقوة، كما استخدموا ألفاظًا أخرى للنوع غير المطرد، مثل: الشاذ، والقليل، والأقل، والنادر، وأشباهها مما يفيد القلة، والضعف، كما وصفوا النوع المطرد بالقياسي، والنوع الآخر بالسماعي.
وحاول ابن هشام أن يفسر المراد من بعض ألفاظ هذين النوعين، فقال: فالمطرد لا يتخلف، والغالب أكثر الأشياء، ولكنه يتخلف، والكثير دونه، والقليل دونه، والنادر أقل من القليل، فالعشرون بالنسبة إلى ثلاثةٍ وعشرين غالب، والخمسة عشر بالنسبة إليها كثير لا غالب، والثلاثة قليل، والواحد نادر.
كما ذكر السيوطي فوارق بين الشاذ، والنادر، والضعيف فالشاذ ما كان من كلامٍ يحتج به على خلاف القاعدة المطردة، سواء كان قليلًا، أو كثيرًا في نفسه، والنادر ما قل وجوده، سواء وافق القياس أو خالفه، والضعيف ما يكون في ثبوته كلام، كقُرُطاس بالضم أعني ضم القاف، والراء أيضًا قرُطاس.

٢.١٨ المطرد وغيره من كلام العرب


وقد تحدث ابن جنيٍّ في (الخصائص) عن المطرد في القياس الشاذ في الاستعمال، والمطرد في الاستعمال الشاذ في القياس، والشاذ في القياس والاستعمال جميعًا، وجعل هذه الأنواع الثلاثة من الشاذ في مقابل المطرد في القياس والاستعمال جميعًا.
ومع تعدد أنواع الشذوذ، واختلاف الألفاظ الدالة عليه؛ فهو كلام مسموع عن العرب الفصحاء، مثل النوع الذي سموه مطردًا، إلا أن هذا الشذوذ حرم الكثرة والشيوع .
فمن أمثلة ما رأوه مطردًا في القياس شاذًّا في الاستعمال ماضي "يَدَعُ" في نحو قوله تعالى: "مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى" في قراءة من قرأ: "ودع" بفتح الدال، وهو ماضي "يَدَعُ" الآية الثالثة من سورة "الضحى" قرأ بـ"وَدَعَكَ" قرأ بها عروة بن الزبير، وابن هشام، وأبو حيوة.
وأيضًا اسم الفاعل مُبقل من الفعل أبقل في قولهم: مكان مبقل، والأكثر في السماع باقل، وأيضًا مجيء مفعول عسى اسمًًا صريحًا في نحو قول الشاعر:
أكْثَرْتَ في العَذْلِ مُلِحّاً دائِمًا لا تعذلا إِنِّي عَسَيْتُ صائِما
ومنه المثل السائر: عسى الغوير أبؤسًا.

٢.١٨ المطرد وغيره من كلام العرب


ومن أمثلة ما رآه مطردًا في الاستعمال شاذًًا في القياس، مجيء بعض الألفاظ على الأصل دو ن إعلال نحو قوله تعالى: ((اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَان)) [المجادلة:١٩] وقد ورد المضارع أيضًا في قوله تعالى في سورة "النساء" في الآية الحادية والأربعين بعد المائة: ((قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ)) [النساء: ٤١]
يقول ابن جني: وقولهم أخوص الرمش، واستصوبت الأمر، وأغيلت المرأة، -أغيلت المرأة ولدها، أي: أرضعته وهي حامل- واستنوق الجمل، واستتيست الشاة، ونحو استخول المال في قول زهير:
هنالك إن يُستخول المال يخولوا       وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
استخول المال، أي: أن يسأل ناقةً عاريةً للبنها وأوبارها، أو فرسًا للغزو عليها، وذكر أيضًا الحوكة، والخونة، والخول، والدول.
ومن أمثلة ما رآه ابن جني شاذًا في القياس والاستعمال معًا تتميم مفعول فيما عينه واو، نحو ثوب مصْوُون، ومسك مدووف، مسك مدووف أي مخلوط أو مبلول، ومسك مدووف، وفرس مقوود، ورجل معوود من مرضه.

٢.١٨ المطرد وغيره من كلام العرب


وهذه الأنواع غير المطردة لا يسوغ حرمانها من الكثرة والشيوع ردها، أو نبذها وعدم استعمالها، أما القياس عليها؛ فقد رفضه كثير من العلماء، منهم ابن جني الذي حذر من اتباع هذا القياس، وأوجب استعمال ما سمع، وتقديمه على ما توجبه القواعد؛ فيقول: واعلم أنك إذا أداك القياس إلى شيء ما، ثم سمعت العرب قد نطقت فيه بشيء آخر على قياسٍ غيره؛ فدع ما كنت عليه إلى ما هم عليه؛ فإن سمعت من آخر مثل ما أجزته؛ فأنت فيه مخير، تستعمل أيهما شئت؛ فإن صح عندك أن العرب لم تنطق بقياسك أنت؛ كنت على ما أجمعوا عليه البتة، وأعددت ما كان قياسك أداك إليه لشاعرٍ مولد، أو لساجع، أو لضرورة؛ لأنه على قياس كلامهم، بذلك وصى أبو الحسن.
وقد جرى أكثر العلماء المتقدمين، والمتأخرين على رأي ابن جني فلم يستسيغوا استعمال القياس مع ما يعارضه من السماع، ولم يقيسوا على ما ورد من كلام العرب القليل أو الشاذ.
ولا نعدم في الوقت نفسه من ينتصر للقياس ويأخذ به، ويفتح ما أغلقه غيره؛ فأباح استخدام صورة أخرى للفظ بإزاء الصورة المسموعة، واستخدام أمثلةٍ تجري وفق القليل المسموع، وتناظره وتقاس عليه.
فمن النوع الأول: إباحة الخليل جمع ابن لبون، وابن مخاض جمعًًا مذكرًا على بني لبون، وبني مخاض، مع أن العرب يقولون: بنات لبون ذكور، وبنات مخاضٍ ذكور، يقول: ولو حمله النحوي على القياس فذكر المذكر، وأنث المؤنث كان صوابًا. انظر العين، النون والعين والشين.

٢.١٨ المطرد وغيره من كلام العرب


وكذا إباحة سيبويه تحقير ما أفعله، مع أن المسموع المصغر من أفعل كلمتان هما: أميلح، وأحيسن.
ومن النوع نفسه ما ذكره ابن منظور من القول بالإعلال فيما صحت عينه في نحو: استحوذ؛ فنقول: استحوذ واستحاذ، واستصوب واستصاب، واستجوب واستجاب، ونحوها مما اطَّرد في الاستعمال دون القياس.
وكذا لا نعدم من المحدثين من يقر قياسية هذه الصور وأمثالها متى انتفت الشبهة في فصاحتها كأن يتكلم بها ثقة، أو ترد في القرآن، أو الحديث.
كما لا نَعدمُ أيضًًا من يقرُّ هذا القياس، ويقصره على متن اللغة وبنيتها، دون الإعراب؛ حتى لا يحدث فوضى واضطراب في بناء هيكل الكلمة، وضبط حروفها، وفهم المراد منها ومن الجملة، فإذا رأينا جمع مؤنث سالم منصوبًا بالفتحة، أو اسما من الأسماء الخمسة مرفوعًا بالألف، أو خبرًًا لإن منصوبًا؛ وجب عدم التفكير في محاكاته، وإنما نقتصر فيه على الوارد المسموع، دون أن نقيس عليه، ودون أن نترك الغالب من أجله.
ومن النوع الثاني: إباحة الأخفش القياس على قولهم هَداوى في جمع هدية، في كل ما كان لامه ياءً، مع أن هذه الكلمة شاذة عن السماع والقياس عند جمهور العلماء، وكذا إباحة المبرد القياس على نحو قول بعض العرب: ثوب مصوون، ومسك مدووف في اسم المفعول المأخوذ من الثلاثي المعتل العين بالواو.

٢.١٨ المطرد وغيره من كلام العرب


وقد أقر المجمع اللغوي القاهري صيغتي "انفعل" و"افتعل" مطاوعتين للثلاثي المتعدي الدال على معالجةٍ حسية، وأقر تفاعل مطاوعة لما كان على "فاعَل" وأقر أيضًًا "تفعَّل" مطاوعةً لما كان على "فعَّل" وأقر أيضًًا "تفعلل" مطاوعةً لما كان على "فعلل" للدلالة على الطلب أو الصيرورة، كما قاس المجمع التعدية بالهمزة والتضعيف، وأقر أيضًًا الصوغ على فعال للدلالة على الاحتراف، أو ملازمة الشيء، كما جعل المصدر الصناعي قياسي، كما أباح تكملة فروع المادة اللغوية التي لم تذكر بقيتها.
وقد حمد بعض المحدثين هذا النوع من التيسير، والتوسعة؛ لأن له سندًًا في تراث القدماء، وبخاصةٍ ابن جني الذي رأى صحة استعمال الفعل الثلاثي الذي لم يرد عن العرب من المصدر، أو اسم المفعول.
ويبدو أن مسألة الكثرة والقلة التي بنيت عليها أحكام القياس والشذوذ مسألة اجتهادية خضعت لتقدير كل عالمٍ واجتهاده، وما له من حسٍ لغوي، بعد مراجعة ما جمع، فما يراه أحدهم كثيرًا ربما لا يراه غيره كذلك على حسب ما عند كل واحد من شواهد لغوية، كما يبدو أيضًًا أن تلك الكثرة تمت بمقارنة الأشباه والنظائر في الظاهرة النحوية، أو اللغوية الواحدة؛ فقد تكون الظاهرة كثيرةً في نفسها، لكن مقابلها مما يقع موقعها أكثر منها، فيقاس على ما هو أكثر، ويبقى الكثير مقصورًا على السماع.

٢.١٨ المطرد وغيره من كلام العرب


وقد ترتب على اختلاف القدماء في قبول القليل، والقياس عليه اختلافهم في بعض القراءات القرآنية، وروايات الأحاديث النبوية المخالفة للكثير الوارد؛ فبعضهم حكم القواعد فيهما، ورفض القياس عليهما، بل خطأهما، وبعضهم قبلهما، ودافع عنهما، واحتج بهما.
وقد رأى الأستاذ عباس حسن في كتابه (اللغة والنحو بين القديم والحديث) رأى: أن مسألة القلة والكثرة غامضة، ورمى القدماء بالاضطراب فيها، وفيما ترتب عليهما من الحكم بالقياس، أو عدمه؛ إذ لم يوضحوا المراد بالكثرة، أهي الكثرة العددية بين أفراد القبيلة الواحدة، أم الكثرة العددية بين القبائل؟ ثم أهي القبائل المتوغلة في البداوة، أم هي القبائل التي تتجاوزها إلى غيرها من القبائل المختلطة بالشعوب الأخرى؟

٢.١٨ المطرد وغيره من كلام العرب