١.١٨ جهود العلماء في الشذوذ اللغوي


لقد اهتم العلماء بقضية الشذوذ، والنادر، والقليل في اللغة، كما عنوا بالمطرد وغيره من كلام العرب، ومن هؤلاء أبو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ، اهتم بهذه المسألة ضمن مسائل كثيرةٍ في اللغة في كتابه المعروف بـ(أدب الكاتب) كما اهتم بها في كتابه المعروف (بغريب الحديث) وأبو عبد الله بن قتيبة من المؤلفين الذين وضعوا أدب الكاتب لبيان ما يجب أن يكون عليه كاتب الديوان، وما يحتاج إليه في صناعة الكتابة من مختلف العلوم والثقافة.
وجاء عالم أندلسي في القرن الخامس الهجري وشرح أدب الكاتب، إنه العلامة أبو محمد عبد الله بن محمد بن السّيدِ البطليوسي المولود سنة أربعٍ وأربعين بعد الأربعمائة من الهجرة، والمتوفى سنة واحد وعشرين بعد الخمسمائة للهجرة، وسمَّى شرحه بـ(الاقتضاب في شرح أدب الكتاب) وجاء في ثلاثة أجزاء، وقد اشتمل الجزء الثاني على كثيرٍ من المسائل اللغوية، ومنها: باب في شواذ الأبنية، وشواذ التصريف، فيقول ابن قتيبة في شواذ التصريف.
قال الفراء: العرب إذا ضمت حرفًًا إلى حرفٍ فربما أجروه على بنيته، ولو أفرد؛ لتركوه على جهته الأولى، من ذلك قولهم: إني لآتيه بالغدايا والعشايا، فجمعوا الغداة على غدايا لما ضمت إلى العشايا، ثم فسر ابن السيد كلام ابن قتيبة بقوله: قد حكى ابن الأعرابي أنه يقال: غدية على وزن عشية، ثم يقول: فعلى هذه اللغة يقال في الجمع: غدايا على غير وجه الازدواج، ويجوز لقائلٍ أن يقول هذا أيضًًا جاء على وجه الازدواج، فقال: غديات لقوله عشيات؛ فيكون بمنزلة قولهم: الغدايا والعشايا.

١.١٨ جهود العلماء في الشذوذ اللغوي


ثم ذكر عدة مسائل تحت شواذ التصريف منها: المسألة السابعة، قال فيها: قال ابن قتيبة: قال غير واحد، كل أفعل فالاسم منه مفعل بكسر العين نحو: أقبل فهو مقبل، وأدبر فهو مدبر، أي أن اسم الفاعل يصاغ من الفعل الذي يجيء على وزن أفعل بالإتيان بالمضارع مع إبدال حرف المضارعة ميمًًا مضمومة، وكسر ما قبل الآخر. يقول ابن قتيبة: فالاسم منه مُفعِل بكسر العين، نحو: أقبل فهو مقبل، وأدبر فهو مدبر، ثم يقول: وجاء حرف واحد لا يعرف غيره، قالوا: أسهب الرجل فهو مسهَب بفتح الهاء، ولا يقال: مسهِب بكسرها.
فسر ابن السيد كلام ابن قتيبة قائلًا: قال أبو علي البغدادي: أسهب الرجل فهو مسهَب بفتح الهاء إذا خرف وذهب عقله وتكلم بما لا يعقل، فإذا تكلم بالصواب فأكثر قيل: أسهب فهو مسهِب.
إذن ما حكم به ابن قتيبة أبطله ابن السيد نقلًا عن أبي علي البغدادي.
ثم ذكر المسألة الثامنة تحت شواذ التصريف، وبدأها بقول ابن قتيبة: وأما قولهم أحببته فهو محبوب، وأجنه الله فهو مجنون، وأحمه الله فهو محموم، وأزكمه الله فهو مزكوم، ومثله: مكزوز، ومقرور؛ فإنه بُني على فُعِل؛ لأنهم يقولون في جميع هذا فُعِل بغير ألف، يقولون: حب، وجن، وزكم، وحم، وكز، وقر، قال ابن قتيبة: ولا يقال: قد حزنه الأمر، ولكن يقال: أحزنه، ويقولون: يُحزنه، فإذا قالوا: أفعله الله فكله بالألف، ولا يقال: مفعل في شيءٍ من هذا إلا في الحرف، قال عنترة:
وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غَيْرَهُ        مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحِبِّ الْمُكْرَمِ

١.١٨ جهود العلماء في الشذوذ اللغوي


ثم فسر ابن السيد ما قاله ابن قتيبة بقوله: هذا كله نادر، خارج عن القياس؛ لأن فعل إذا رد إلى صيغة ما لم يسم فاعله؛ لم يجب فيه أكثر من تغيير الحركات، وأما أن يكون مع المفعول الذي لم يسم فاعله ثلاثيًّا، ومع الفاعل رباعيًّا؛ فغير معروف إلا ما شذ من هذه الألفاظ،
وفي باب شواذ الأبنية في المسألة الحادية عشرة تعرض فيها لقول الأصمعي: ليس في الكلام "فِعلَل" بكسر اللام، وفتح اللام إلا حرفان، وهما "درهم" و"هجرع" للطويل المفرط الطول، ثم قال بإثر ذلك: وقال سيبويه: وقِلعم، وهو اسم، وهِبلع، وهو صفة.
ثم عقب ابن السيد بقوله: هذا الكلام يوهم أنه ليس في الكلام اسم على فعلل إلا هذه الأربعة، ولم يقطع سيبويه في كتابه أنه ليس في الكلام غير هذه الألفاظ، إنما قال: ويكون على "فِعلل" بمعنى الاسم والصفة، فالأسماء نحو: قلعم، ودرهم، والصفة: هِجرع، وهبلع، وقد حكى ابن الأعرابي أنه يقال: سرجع بمعنى هجرع، وقد حكى: ضفدع، وصندد اسم موضعٍ، والمشهور صِندد بكسر الدال، ثم عقد ابن قتيبة مسألةً جاءت في كتاب(شرح أدب الكتاب) لابن السيد البطليوسي، قال فيها: وحكي في هذا الباب عن أبي عبيدة أنه قال: لم يأت "مفعيل" في غير التصغير إلا في حرفين: مُسيطر، ومبيطر، وزاد غيره، ومُهيمن.

١.١٨ جهود العلماء في الشذوذ اللغوي


وقد عقب ابن السيد قائلًا: قد جاءت ألفاظ أخر غير هذه قالوا: هيلل الرجل فهو مهيلل إذا قال: لا إله إلا الله، وقالوا: المجيمر في اسم أرضٍ، وقالوا: بيقر الرجل فهو مبيقر إذا لعب البقَّيْرى، وهو لعبة للصبيان؛ يجمعون ترابًا ويلعبون به، وبيقر أيضًًا إذا هاجر من أرضٍ إلى أرض، وبيقر إذا أعيًا، وبيقر الدار إذا أقام به، وبيقر إذا خرج من العراق إلى الشام، وبيقر إذا رأى البقر فتحير، كما يقال: غزل إذا رأى الغزال فلهي، واسم الفاعل من جميعها مبيقر، وقالوا: هينم؛ فهو مهينم، وهو شبه قراءةٍ غير بينة.
نخلص مما ذكره ابن قتيبة، وفسره وعقب عليه ابن السيد- نخلص إلى أن قضية الشاذ والقليل قد شغلت أذهان العلماء.

١.١٨ جهود العلماء في الشذوذ اللغوي



١.١٨ جهود العلماء في الشذوذ اللغوي



١.١٨ جهود العلماء في الشذوذ اللغوي



١.١٨ جهود العلماء في الشذوذ اللغوي