٥.١٨ هل يتناقض مخالفة اللفظ لقياس المعنى مع الفصاحة


لقد قرر نفر من علماء اللغة والبلاغة مخالفة اللفظ لقياس العلماء، وتناقضها مع الفصاحة. لقد سبق أن ذكرنا أن الكوفيين، وعلماء آخرين اعتدوا باللفظ الشاذ وقاسوا عليه، وهنا نسأل البلاغيين: لقد وقعت هذه المخالفة في القرآن، والحديث مثلَ ما وقعت في كلامٍ عربيٍ آخر ثبت وروده من ثقة؛ ولذلك لا نعدم من البلاغيين -أنفسهم- من يحس بالحرج من هذا الشرط، ويحكم بالفصاحة على ما جاء في القرآن مخالفًا لقياس العلماء، ورآه كثيرًا غير قليل.
ثم إن الدراسات الحديثة لا تخلو من الاعتداد بفصاحة كل ما جاء في القرآن الكريم والأحاديث النبوية المروية بلفظها مخالفًا قواعد العلماء، وكذا القياس عليه والنسج على منواله.
ولا تخلو تلك الدراسات أيضًا من الدعوة إلى تصفية النحو القديم، ووضع قواعد نحويةٍ جديدةٍ موحدةٍ مستقاةٍ أولًا من القرآن الكريم بوصف كونه أسمى الصور العربية البليغة، ثم نكملها بقواعد مستقاةٍ من نصوصٍ قديمةٍ موافقةٍ لكلام القبائل، أو أغلبه؛ دفعًا للغموض، ومنعًا للبلبلة في الضبط، وخروجًا من تناقض المذاهب. كما تتضمن تلك الدعوة عدم الاقتصار على القرآن الكريم، والنص القديم فيما يتصل بألفاظ العربية ودلالتها، وصورها الصرفية فنحاكي كل كلامٍ عربيٍ أصيل، ونقيس عليه، سواء كان قرآنا أو غير قرآن؛ توسعة في أصول اللغة، وتنمية مواردها.

٥.١٨ هل يتناقض مخالفة اللفظ لقياس المعنى مع الفصاحة


أما قصر الفصاحة على الكلمة الثلاثية؛ لأن الثلاثي أحسن من الثنائي، والأحادي، ومن الرباعي، والخماسي؛ ففيه نظر، نعم إن الكلمات ذات الجذور الثنائية، والرباعية، والخماسية أقل في اللغة من الكلمات ذات الجذور الثلاثية، لكن أ نسلب الفصاحة عنها لقلتها -مع أن بعضها قد يكون في نفسه- وأكثر دورانًا على الألسنة من بعض الكلمات الثلاثية؟
والأغرب من هذا أنهم لا يسلبون الفصاحة عن الكلمات الطويلة في أصل وضعها فحسب، وإنما يسحبون هذا على الكلمات الثلاثية التي تطيلها الضمائر والزيادة؛ ولذلك رأوا أعاضهاك غير فصيحةٍ في قول أبي الطيب المتنبي:
خَلَتِ البِلادُ مِنَ الغَزالَةِ لَيلَها       فَأَعاضَهاكَ اللَهُ كَي لا تَحزَنا
ذكر هذا السيوطي في (المزهر) ، وكذا ما جاء على "استفعل" وما اشتق منها،
نحو المصدر من استسمج استسماجًا، رأوا هذا في قول أبي تمام:
فلأذربيجان اختيال بعدما كانت معرس عبرةٍ ونكال
سمجت ونبهَنا على استسماجها       ما حولها من ندرة وجمال

٥.١٨ هل يتناقض مخالفة اللفظ لقياس المعنى مع الفصاحة


ونلاحظ أنهم أبعدوا الفصاحة عن: فلأذربيجان؛ لطولها، وليس لكونها أعجمية، ولو سلمنا بهذا لنفينا الفصاحة عن أمثال قوله تعالى : ((أَنُلْزِمُكُمُوهَا)) [هو: ٢٨] و((فَسَيَكْفِيكَهُم اللَّهُ)) [البقرة:١٣٧] ((إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا)) [محمد:٣٧] ((فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ)) [الحجر:٢٢] من الكلمات ذات الأصول الثلاثية التي وصلت مقاطعها بالزيادة، والضمائر إلى خمسة مقاطع، أو ستة، أو سبعة.
وكما كان ضياء الدين ابن الأثير ثاقب النظر تجاه الغرابة؛ نجده ثاقب النظر تجاه هذا الشرط، ورأى أن الألفاظ الطوال الواقعة في القرآن الكريم حسنة؛ فلا عبرة بالطول والقصر، إنما العبرة بتأليف الألفاظ من حروفٍ يسهل النطق بها.

٥.١٨ هل يتناقض مخالفة اللفظ لقياس المعنى مع الفصاحة



٥.١٨ هل يتناقض مخالفة اللفظ لقياس المعنى مع الفصاحة