٤.١٨ مقياس الفصاحة عند ابن درستويه والموقف من ذلك


رأى ابن درستويه أن الفصاحة ليست في كثرة الاستعمال، ولا قلته، ولكن في الفصح عن المعنى، انظر كتابه (تصحيح الفصيح) ؛ فقد عاب على ثعلبٍ اختيار الكسر في: ينفر، ويشتم من كل مستقبل "فَعَل" الذي لم تكن عينه، أو لامه من حروف اللين أو الحلق، ورأى أنه يجوز في مستقبله ضم العين وكسرها، كما رأى أن الذي أوقع ثعلبًا في هذا الاختيار أنه وجد الكسر أكثر استعمالًا عند بعضهم أفصح من الذي قل استعماله عندهم، ثم قال: وليست الفصاحة في كثرة الاستعمال، ولا قلته، وإنما هاتان لغتان مستويتان في القياس والعلة، وإن كان ما كثر استعماله أعرف وآنس لطول العادة به؛ لذا رأى أن مذهب ثعلبٍ لا علة له ولا قياس، بل هو نقض لمذهب العرب والنحويين في هذا الباب.
وأيد ابن درستويه ما ذهب إليه بقول أبي زيد: طفت في عليا قيسٍ، وتميمٍ مدة طويلة أسأل عن هذا الباب صغيرهم وكبيرهم؛ لأعرف ما كان منه بالضم أولى، وما كان بالكسر أولى؛ فلم أجد لذلك قياسًا، وإنما يتكلم به كل امرئ منهم على ما يستحسنه ويستخف، لا على غير ذلك.
ثم أكد ابن درستويه فصاحة ما يعد شاذًّا قليلًا خارجا عن القواعد المقاس عليها بقوله: وقد يلهج العرب الفصحاء بالكلمة الشاذة عن القياس البعيدة من الصواب؛ حتى لا يتكلموا بغيرها، ويدعوا المنقاس المطرد المختار، ثم لا يجب لذلك أن يقال هذا أفصح من المتروك، من ذلك قول عامة العرب: أيش صنعت، يريدون: أي شيء صنعت، وقولهم: لا بشانيك، يعنون: لا أب لشانيك، وقولهم: لا تبلي، أي: لا تبال يا هذا.

٤.١٨ مقياس الفصاحة عند ابن درستويه والموقف من ذلك


ومثل تركهم استعمال الماضي، واسم الفاعل من يذر، ويدع، واقتصارهم على ترك، وتارك، وليس هذا لأن ترك أفصح من ودع، ووزر، وإنما الفصيح ما أفصح عن المعنى واستقام لفظه على القياس، لا ما كثر استعماله.
ويفهم من كلام ابن درستويه أنه قد يعدل عن الصواب، والأصل لعلل، منها طلب التجانس الصوتي والتخفيف من الثقل مع كثرة الاستعمال، ومع ذلك لا يقل هذا الخارج فصاحةً عن أصله، كما لا يقل الأصل المتروك فصاحةً عما خرج عليه، كما أكد فصاحة قلة المستعمل المؤدية إلى تركه بقوله: فليس كل ما ترك الفصحاء استعماله بخطأ؛ فقد يتركون استعمال الفصيح؛ لاستغنائهم بفصيحٍ آخر، أو لعلةٍ غير ذلك.
وما ذهب إليه ابن درستويه له سند من أسلافه، وتأييد من لاحقيه.
فالمذهب الكوفي بصفةٍ عامةٍ يجيز القياس على المثال المسموع، ويعتبر اللفظ الشاذ دون اعتبارٍ بما كثر أو قل، كما وردت في كتب التراث نصوصًا تؤكد فصاحة الشاذ .

٤.١٨ مقياس الفصاحة عند ابن درستويه والموقف من ذلك


والحق أن في نفسي أشياء من مقياس الفصاحة القائم على كثرة الاستعمال، كما رأى كثير من اللغويين، ومن نهج منهجَهم من علماء البلاغة، فهل غموض معنى اللفظ يبعده عن الفصاحة؟ إن هذا اللفظ المحكوم عليه بالغرابة أدى وظيفته في بيئته على لسان ناطقه ساعتئذٍ محققًا الفهم والإفهام، أنجرده من الفصاحة إن أبعده أبناء العرب عن الاستعمال عبر الأزمان؛ حتى غمض معناه وانزوى من الاستعمال؛ فلا نعرفه إلا بعد التنقير في كتب اللغة؟ ثم قد يغمض معنى لفظٍ في القرآن، أو الحديث مما أطلق عليه الغريب في اصطلاح علماء الغريب، ألا ترى إلى قول الخطابي في كتابه (غريب الحديث) : والغريب من الكلام يقال به على وجهين:
أحدهما: أن يراد به بعيد المعنى غامضه، لا يتناوله الفهم إلا بمعاناة فكر.
الوجه الآخر، أن يراد به كلام من بعدت به الدار، ونأى به المحل من شواذ قبائل العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من بلغاتهم؛ استغربناها، وقد ذكر حاجي خليفة نص الخطابي هذا بشيءٍ من الاختصار، انظر (كشف الظنون) الجزء الثالث الصفحة الثالثة بعد الألف والمائتين.

٤.١٨ مقياس الفصاحة عند ابن درستويه والموقف من ذلك


الموقف من مقياس الفصاحة عند ابن درستويه

أما مقياس الفصاحة عند ابن درستويه فأنا أميل إليه، فالكلمة الفصيحة هي التي تفصح عن المعنى، بخلاف غير الفصيحة التي جعل من أسبابها صدورها من صبيٍ من الصبيان، أو مجنونٍ من المجانين، أو من عربي على وجه الغلط، أو القصد إلى تحريف اللغة، أو من عربيٍّ كثر اختلاطه بالأعاجم لقرب موطنه منهم، أو تردده عليهم، أو ترددهم على موطنه، أو ما يشبه؛ فقد وقع في كلام العرب المجموع شيء من كلام الصبيان، والمجانين؛ فلم يشترطوا في العربي الذي يحتج بقوله البلوغ، بل رووها واحتجوا بها كما يقول السيوطي في معرفة من تقبل روايته ومن ترد.
كما يجوز للعربي القح أن يقع في الخطأ متى قصد إلى تغيير الكلمة عن وضعها المعروف لهزلٍ ونحوه، وقد علل أبو علي الفارسي لوقوع الأغلاط بأن العرب ليست لهم أصول يراجعونها، ولا قوانين يعتصمون به، وإنما تهجم بهم طباعهم على ما ينطقون؛ فربما استهواهم الشيء فزاغوا به عن القصد.
وقد أكد هذا ابن السراج من قبل أبي علي- أكد وقوع الغلط من العربي القح على أن هذه المسألة قد جذبت العلماء ما بين مؤيد، ومعارض .

٤.١٨ مقياس الفصاحة عند ابن درستويه والموقف من ذلك



٤.١٨ مقياس الفصاحة عند ابن درستويه والموقف من ذلك



٤.١٨ مقياس الفصاحة عند ابن درستويه والموقف من ذلك



٤.١٨ مقياس الفصاحة عند ابن درستويه والموقف من ذلك



٤.١٨ مقياس الفصاحة عند ابن درستويه والموقف من ذلك