١.١٧ الهدف من التداخل عند ابن جني وأمثلة تداخل الأصول الثلاثية


لقد عقد ابن جني -أبو الفتح عثمان- بابًا في الجزء الثاني من (خصائصه) عنوانه: تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية، وبدأ بذكر الثلاثي منفردًا بنفسه .
أراد ابن جني من هذا الباب أن يثبت عدة أمور:
الأول: تقارب الأصول الثلاثية في معانيها سبب لتقاربها في ألفاظها.
الأمر الثاني: هذا التقارب بين الأصول الثلاثية في ألفاظها ومعانيها قد يوهم أمرين: الأول: يوهم أن أحد الأصلين الثلاثيين من أصل صاحبه، والصحيح أنه من أصل غيره، الوهم الثاني: أن هذا التقارب قد يوهم الوقوع في التجنيس، والصحيح أنه ليس بتجنيس،
أمثلة من تداخل الأصول الثلاثية بعضها في بعض:
قال ابن جني: اعلم أن الثلاثي على ضربين، أحدهما: ما يصفو ذوقه، ويسقط عنه التشكك في حروف أصوله، أو في حروف أصله، كضرب، وقتل، وما تصرف منهما ، ولا مشكلة في هذا الضرب من الأصول الثلاثية.
والآخر: أن تجد الثلاثي على أصلين متقاربين والمعنى واحد، فها هنا يتداخلان، ويوهم كل واحد منهما كثيرًا من الناس: أنه من أصل صاحبه، وهو في الحقيقة من أصل غيره.

١.١٧ الهدف من التداخل عند ابن جني وأمثلة تداخل الأصول الثلاثية


وقد أوضح ابن جني هذا الأمر بأمثلة كثيرة بلغت نحو ثلاثة عشر مثالًا، وفيما يلي توضيح لهذه الأمثلة:
المثال الأول: رِخْوٌ ورِخْوَدٌ
يقول ابن جني: كقولهم شيء رخو ورخود، الرخو والرخود: اللين، ويقال: رجل رخود، إذا كان لين العظام رخوها، يقول ابن جني: فهما -كما ترى- شديدا التداخل لفظًا، وكذلك هما معنىً، أي: تقاربا من حيث المعنى فتقاربا من حيث اللفظ.
يقول ابن جنى: وإنما تركيب "رخو" من الراء والخاء والواو، وتركيب "رخود" من الراء والخاء والدال، وواو "رخود" زائدة لذلك يوزن بـ: "فعول" كما يقال علود للرجل غليظ الرقبة.
يقول ابن جني: فلو قال قائل: كيف تحقِّر رخودًا على حذف الزيادة لقلت رخيد بحذف الواو وإحدى الدالين، ولو قال لك: كيف تبني من "رخو" مثل جعفر؟ لقلت: رخوا ومن رخود رخدد، كل هذا يثبت أن أصل الرخو راء وخاء وواو، وأن أصل الرخود راء وخاء ودال.

١.١٧ الهدف من التداخل عند ابن جني وأمثلة تداخل الأصول الثلاثية


المثال الثاني: رجل ضياط وضيطار
يقول ابن جني: ومن ذلك قولهم: رجل ضياط وضيطار.
والضياط والضيطار يطلق على عظيم الجنبين، يقول ابن جني: فقد ترى تشابه الحروف، والمعنى مع ذلك واحد، فهو أشد لإلباسه وإنما ضياط من تركيب الضاد والياء والطاء، وضيطار من تركيب الضاد والطاء والراء .
ثم يذكر ابن جني أمثلة أخرى، يقول: ومن ذلك لوقة وألوقة.
اللوقة أصلها اللام والواو والقاف والألوقة أصلها الهمزة واللام والقاف، واللوقة والألوقة طعام طيب يكون من الزبد والرطب.

المثال الثالث : صوص وأصوص
ومن أمثلة ذلك أيضًا صوص وأصوص، الصوص والأصوص البخيل، مع أن كتب اللغة تثبت معنى مختلفًا لكل واحد من هذين اللفظين، فالصوص البخيل، بينما الأصوص الناقة الكريمة الموثقة الخلق، ولذلك تقول العرب: ناقة أصوص أي ناقة كريمة، عليها صوص أي عليها بخيل، ولذلك رأى الشيخ النجار محقق كتاب (الخصائص) أن هذين المثالين لا يكونان من هذا الباب، حيث قال: وإذ كان معنياهما مختلفين كما رأيت لا يكونان من هذا الباب.

١.١٧ الهدف من التداخل عند ابن جني وأمثلة تداخل الأصول الثلاثية


المثال الرابع : ينجوج وألنجوج
الينجوج والألنجوج عود طيب الريح يتبخر به، وينجوج أصله النون والجيم والجيم، وكذا أثبته ابن منظور في النون والجيم والجيم، وألنجون -وفيه لغة أخرى بالياء يلنجوج- أصلهما لام وجيم وجيم.

المثال الخامس : ضيف وضيفن
ومن الأمثلة أيضًا: ضيف وضيفن في قول أبي زيد، أي: يكون أصل ضيفن أو الضاد والفاء والنون، بينما الضيف أصله ضاد وياء وفاء، فاللفظان مشتركان في الضاد، ومشتركان في الفاء، وإن اختلف موقع الفاء في المثالين، فالفاء في الضيف هي لام الكلمة، بينما اللام في الضيفن عينها.

المثال السادس : حية وحواء
ومن الأمثلة التي ذكرها ابن جني أيضًا: حية وحواء. يقول ابن جني: فليس حواء من لفظ حية، كعطار من العطر، وقطان من القطن، بل حية من لفظ الحاء والياء والياء، من مضعف الياء، وحواء من تركيب الحاء والواو الياء كشواء وطواء، ويدل على أن الحية من مضعف الياء ما حكاه صاحب (الكتاب) -يعني: سيبويه- من قولهم في الإضافة إلى حية بن بهدلة حيوي، وحية بن بهدلة قبيلة عربية.

١.١٧ الهدف من التداخل عند ابن جني وأمثلة تداخل الأصول الثلاثية


يقول ابن جني: فظهور الياء عينًا في حيوي، قد علمنا منه كون العين ياءً، وإذا كانت العين ياءً واللام معتلة فالكلمة من مضعف الياء البتة، ألا ترى أنه ليس في كلامهم نحو حيوت وهذا واضح، إذن: الحية من الحاء والياء والياء، وحواء من الحاء والواو والياء، إذن: اتفقا اللفظان في فاء الكلمة، ثم جاءت الياء مشتركة بينهما، إلا أن موقعها في حية عين الكلمة، وفي حواء لامها، بينما عين حواء واو.

المثال السادس : طيس وطيسل ، والفيشة والفيشلة
وذكر أمثلة أخرى منها : طيس وطيسل ، والفيشة والفيشلة، وقد تضمنت أمثلة ابن جني هذه مجموعة من الأمثلة يوقع التقارب في ألفاظها ومعانيها في الحكم بالتجنيس، والصحيح: أنها ليست من بابه. يقول ابن جني: نعم، وقد يعرض هذا التداخل في صنعة الشاعر، فيرى أو يري أنه قد جنّس وليس في الحقيقة تجنيسًا، وذكر من شواهد ذلك قول الحمصي عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن:
........................       وتسويف العداة من السوافي
التسويف هنا إذا سوف الأمر إذا قال: سوف أفعله، والعداة جمع عدة وهي الموعد والأمنية، والسوافي جمع السافي وهو الريح التي تسفي التراب، أو هو التراب نفسه، وقد ضربه مثلًا لما يبعث الأذى. يقول ابن جني: فظاهر هذا يكاد لا يشك أكثر الناس أنه مجنس، وليس هو كذلك، وذلك أن تركيب تسويف من السين والواو والفاء، وتركيب السوافي من السين والفاء والياء، لكن لما وجد في كل واحد من الكلمتين سين وفاء جرى في بادئ السمع مجرى الجنس الواحد.

١.١٧ الهدف من التداخل عند ابن جني وأمثلة تداخل الأصول الثلاثية



١.١٧ الهدف من التداخل عند ابن جني وأمثلة تداخل الأصول الثلاثية



١.١٧ الهدف من التداخل عند ابن جني وأمثلة تداخل الأصول الثلاثية