![]() |
لقد سجل ابن جني بعض الأحكام الخاطئة لبعض العلماء؛ حيث أوقعهم التداخل بين الأصول في الحكم خطأً بإرجاع بعض الألفاظ إلى أصول غير أصولها الصحيحة. |
![]() |
من ذلك ما وقع فيه أحمد بن يحيى -المعروف بثعلب- يقول ابن جني: وذهب أحمد بن يحيى في قوله -أي: قول العجاج- يرد قلخًا وهديرًا زغدبًا، إلى أن الباء زائدة، وأخذه من زغد البعير يزغد زغدًا في هديره، بينما يرى ابن جني: زغدبًا من أصل رباعي وهو الزاي والغين والدال والباء وزغد البعير من أصل ثلاثي، وهو الزاي والغين والدال، يقول ابن جني: وقوله -أي قول أحمد بن يحيى-: إن الباء زائدة في زغدب كلام تمجه الآذان، وتضيق عن احتمال المعاذير، وأقوى من يذهب إليه فيه أن يكون أراد أنهما أصلان مقتربان كسبط وسبطر، وإن أراد ذلك أيضًا فإنه قد تعجرف، أي : أقدم عليه دون أن يتروى فيه. |
![]() |
ثم أضاف سقطة أخرى لثعلب؛ حين قال: ولكن قوله في أسكفة الباب إنها من استكف الشيء أي: انقبض أمر لا ينادى وليده، روينا ذلك عنه أسكفة الباب: عتبته، وهي من أصل ثلاثي السين والكاف والفاء، بينما استكف من أصل ثلاثي آخر وهو الكاف والفاء والفاء، وأيضًا: يقول ابن جني: وروينا عنه -أي عن ثعلب- أنه قال في تنور: أنه تفعول من النار، وروينا عنه أيضًا أنه قال: الطيخ الفساد، قال: فهو من تواطخ القوم. |
![]() |
ومن العلماء الذين سجل لهم فهمًا خطأً في إرجاع بعض الألفاظ إلى أصول غير صحيحة أبو إسحاق إبراهيم بن سهل الزجاج ؛ حيث ذكر أن أبا إسحاق ذهب في نحو "قلقلٍ" أو في نحو: قلق، وصلصل، وجرجر، وقرقر، إلى أنه "فعفل" وأن الكلمة لذلك ثلاثية. |
![]() |
جاء هذا في أثناء ذكر ابن جني لبعض الأمثلة الراجعة إلى أصلين ثلاثي ورباعي، ذكر أن أبا إسحاق ذهب في نحو: قلقل وصلصل وجرجر وقرقر إلى أنه "فعفل" وأن الكلمة لذلك ثلاثي، حتى كأن أبا إسحاق لم يسمع في هذه اللغة الفاشية المنتشرة بزغد وزغدب، وسبط وسبطر، ودمث ودمثر . |
![]() |
ثم يذكر ابن جني مزيدًا من الأمثلة التي يرد بها على أبي إسحاق الزجاج فيقول: ومنه رجل أدرد، أي: ذهبت أسنانه، فهو من أصل ثلاثي وهو الدال والراء والدال، وقالوا: عض على دردره، الدردر أيضًا منبت الأسنان، ودردوره فهو من أصل رباعي مضعف الفاء والعين، أعني: الدال والراء ثم الدال والراء. |
![]() |
يقول ابن جني: ومنه: صلّى وصلصل، وعجّ وعجج، فصلى من أصل ثلاثي وصلصل من رباعي، وكذلك عج من ثلاثي وعجج من رباعي. |
![]() |
ويقول ابن جني: وهذا باب واسع جدًّا ونظائره كثيرة، فارتكب أبو إسحاق مركبًا وعرًا، وسحب فيه عددًا جمًا، وفي هذا إقدام وتعجرف، ، ولو قال ذلك في حرف أو حرفين -كما قال الخليل في دلامص بزيادة الميم- لكان أسهل؛ لأن هذا شيء إنما احتمل القول به في كلمة عنده شاذة أو عزيزة النظير، فأما الاقتحام بباب منقاد في مذهب معتاد ففيه ما قدمناه، إنه -أي إن ابن جني- يقسو على أبي إسحاق الزجاج أكثر من قسوته على الخليل بن أحمد، فالخليل قد ذهب إلى أن الميم في لفظ "دلامص" زائدة، معنى هذا: أن الدلامص -وهو بمعنى البراق- من أصل ثلاثي عند الخليل وهو الدال واللام والصاد، بينما الميم عند ابن جني أصلية، ويرجع اللفظ إلى أصل رباعي وهو الدال واللام والميم والصاد. |
![]() |
والأصمعي نفسه حينما أرجع الهرماس -وهو الأسد الجريء أو ولد النمر- حينما أرجع الهرماس إلى أصل ثلاثي، وهو الراء والهاء والسين، وجعله من الهرس وهو دق الشيء دقًّا شديدًا لم يرق لابن جني ما ذهب إليه الأصمعي، وانتصر لقول أبي عثمان المازني الذي أرجع زرم وازرأم، وخضل واخضأل، وأزهر وازهأر، وضفد واضفأد، وزلم وازلأم، وزغب وازلغب، ومبلع بلعوم، وحلق وحلقوم، وصلد وصلادم، وسرطم وسرواط، وهرماس، وقمارص وقارص، ودلاص ودلامص، وأشدق وشدقم- أرجع كل هذا إلى أصلين، أحدهما ثلاثي، والآخر رباعي، ولذلك يقول ابن جني وهو قياس قول أبي عثمان -يقصد المازني-: ألا تراه قال في دلامص: إنه رباعي وافق أكثره حروف الثلاثي، كسبط وسبطر، ولؤلؤ ولآل، فلؤلؤ رباعي ولآل ثلاثي، ثم تعرض لمذهب الخليل في دلامص، وذكر أن الميم عنده زائدة، بينما هي على مذهب أبي عثمان أصل. |