٣.١٦ العنعنة ، والطمطمانية ، واللخلخانية


لقد ذكر الثعالبي أن العنعنة تعرض في لغة تميم، ثم قال:
وهي إبدالهم العين من الهمزة كقولهم: ظننت عنك ذاهب أي أنك ذاهب، واستشهد أيضًا ببيت ذو الرمة، وهو:
أَعَن تَوَسَّمتَ مِن خَرقاءَ مَنزِلَةً       ماءُ الصَبابَةِ مِن عَينَيكَ مَسجومُ
كما استشهد الزمخشري بقول الشاعر:
........................       وَاللَّهُ عَن يَشفيكَ أَغنى وَأَوسَع
أي: والله أغنى وأوسع من أن يضن بشفائك.
تكاد تجمع الدراسات القديمة على أن العنعنة قلب همزة أنّ وأنْ عينًا. حتى الذين عرفوها بأنها قلب الهمزة عينًًا جاءت معظم شواهدهم وأمثلتهم على هذين الحرفين.
وجاء بعض الشواهد حول غير هذين الحرفين أحيانًا، مثل ما ذكر ابن دريد في )الجمهرة).
فهل هذا يرجع إلى أن استقراء الرواة لأمثلة هذه الظاهرة الصوتية كان ناقصًا؟ لقد مال إلى هذا بعض الباحثين وعلى رأسهم الدكتور إبراهيم أنيس.

٣.١٦ العنعنة ، والطمطمانية ، واللخلخانية


ومن خلال ما ذكره العلماء من أمثلة هذه الظاهرة، وما قرأناه من روايات (غريب الحديث والأثر) يوضح أن قلب الهمزة عينًا تخطى اللفظين "أنّ وأنْ" إلى غيرهما من الألفاظ، فمن أمثلة ما جاء في كتب غريب الحديث والأثر لفظ "الصدأ" الذي نُطِقَ صدعًا، حيث ورد في حديث عمر -رضي الله عنه- حين سأل الأُسْقُف عن الخلفاء؛ فحدثه حتى انتهى إلى نعت الرابع -أي: إلى نعت الخليفة الرابع- "فقال: صدعٌ من حديد، فقال عمر: وا دفراه".
وقد جوز الزمخشري أن تكون العين في "الصدع" مبدلةً من الهمزة في "الصدأ"، والصدأ هو السهك، والسهك ريحٌ كريهة تجدها من الإنسان إذا عرق، والسهك أيضًا قبح رائحة الفمِ إذا خَنِز، فهذا يوضح أن قلب الهمزة عينًا تخطى اللفظين أنّ وأنْ إلى غيرهما من الألفاظ، غير أن لقب العنعنة كان خاصًّا بهذين الحرفين لكثرة إبدال الهمزة فيهما عينًا بالنظر إلى إبدالها في غيرهما، ويؤيد هذا ما ذكره ابن جني؛ فقد قال في باب العين من كتابه (سر صناعة) الإعراب:
قولهم عنعنة مشتق من قولهم عن عن عن في كثيرٍ من المواضع، ومجيء النون في العنعنة يدل على أن إبدالهم إياها، إنما هو في همزة أنّ دون غيرها، وقد اشتقت العرب أفعالًا ومصادر من الحروف.
أما من ناحية النسبة؛ فقد نسب الثعالبي العنعنة إلى تميم، بينما نسبها كثيرٌ من القدماء إلى تميمٍ، وقيس عيلان، وأسد.
طمطمانية:

٣.١٦ العنعنة ، والطمطمانية ، واللخلخانية


لقد عرف الثعالبي هذا العارض، فقال: الطمطمانية تعرض في لغة حمير كقولهم: طاب امهواء يريدون طاب الهواء، فلم يذكروا التعريف صراحةً، ولكن من خلال المثال الذي ذكره نرى أن الطمطمانية تطلق على إبدال اللام في أداة التعريف ميمًا، وفي كتب اللغة وغريب الحديث والأثر أمثلة أخرى من ذلك: قوله -صلى الله عليه وسلم- يخاطب بعض الحميرين : ((ليس من امبر امصيام في امسفر)) أي: ليس من البر الصيام في السفر.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: أن أبا هريرة دخل على عثمان -رضي الله عنه- وهو محصورٌ قال: "الآن طاب امضرب" فأمره عثمان أن يلقي سلاحه، أي حل القتال، أراد: طاب الضرب؛ فأبدل لام التعريف ميمًا.
وقد سيقت بعض الشواهد الشعرية على هذه اللغة، من ذلك: قول الشاعر وقد نسبه ابن بري إلى بُجير الطائي:
ذاك خليلي وذو يعاتبني       يرمي ورائي بامسهم وامسلمة
يريد بالسهم والسّلِمَة، والسّلِمَة: هي الحجر واحد السِّلام، والمسوغ الصوتي لهذا الإبدال هو اشتراك الصوتين في صفتي الجهر والتوسط بين الشدة والرخاوة، بالإضافة إلى أنهما من الأصوات المتوسطة الشبيهة بأصوات اللين، والمعروف أنهما أكثر الأصوات شيوعًا في اللغات السامية ومعهما النون.

٣.١٦ العنعنة ، والطمطمانية ، واللخلخانية


اللخلخانية

اللّخْلخانية تعرض في لغات أعراب الشِّحر وعمان كما يذكر الثعالبي، كقولهم: مشا الله كان، يريدون: ما شاء الله كان، وهذا يدخل فيما يسمى في الدراسة الصوتية بالنقصان الصوتي؛ حيث أُنقص صوت ومقطع كامل من ما شاء، فما مقطع مكون من صوت صامت وهو الميم وألف المد وهو حركة طويلة، فاختصر هذا المقطع المتوسط المفتوح إلى مقطعٍ قصير من ما إلى م، وصار صوتًا صامتًا وهو الميم، وفتحةً قصيرةً فقط، فتحول من مقطعٍ طويلٍ إلى مقطعٍ قصيرٍ ما، ثم شاء أُنقصت الهمزة المفتوحة، والهمزة المفتوحة "ءَ" هي مقطعٌ قصيرٌ مفتوحٌ مكونٌ من صوت الهمزة وصوت الضمة القصيرة؛ فتحول المقطع من شاء إلى: شا.

٣.١٦ العنعنة ، والطمطمانية ، واللخلخانية



٣.١٦ العنعنة ، والطمطمانية ، واللخلخانية