٢.١٦ الكشكشة والكسكسة


علمنا أن الكشكشة كما يقول أبو منصور تعرض في لغة تميم، وَأَوَدّ أن أشير إلى أن هذه العوارض خارجة عن النظام اللُّغوي العربي الفصيح.
قال معاوية: أي الناس أفصح؟ فقام رجل فقال: قوم ارتفعوا عن فراتية العراق، ويروى لخلخانية العراق، وتياسروا عن كسكسة بكر، وتيامنوا عن كشكشة تميم ليست فيهم غمغمة قضاعة، ولا طمطمانية حمير، قال: من هم؟ قال: قومك قريش، قال: ممن أنت؟ قال: من جرم.
وأبدأ بالعارض الأول الذي ذكره الثعالبي، وهو الكشكشة، فقد ذكر كثير من العلماء صورتين لهذا العارض، أو لهذه اللهجة كما يسميها بعض العلماء:
الأولى: إبدال الشين من كاف الخطاب مع المؤنث، وهذا ما ذكره الثعالبي.
أما الصورة الأخرى: فهي زيادة شين على الكاف في الوقف. ويردد اللغويون هاتين الصورتين، وبعضهم يخص الصورة الأولى بالوقف، وبعضهم يراهما في الوصل والوقف.
ويرى بعض العلماء أن هَذِهِ الْكَافَ غَيْرُ مُحَدَّدَةٍ بموضع وغير مقصورةٍ على كاف خطاب المؤنث، ويؤيد هذا أن بعض القدماء، مثل ثعلب تحدث عن إبدال الكاف المكسورة عمومًا .

٢.١٦ الكشكشة والكسكسة


كما قيل: إن هذه الكاف لم تُبْدَلْ شِينًا خالصة، وإنما أُبْدِلَتْ صَوْتًًا مُزْدَوَجًا مُكَوَّنًا من عنصرين؛ أولهما: فيه شدة، وهو يشبه التاء، والآخر فيه رخاوة، وهو يشبه الشين، كما يرى أن سبب هذا الإبدال هو تأثر الكاف بالكسرة بعدها، والكسرة ومعها الفتحة المرققة من أصوات اللين الأمامية، أي تخرج من مقدم اللسان، وصوت اللين الأمامي يؤثر في أصوات أقصى الحنك؛ فتنقلب -أعني أصوات أقصى الحنك تنقلب- إلى نظائرها من أصوات وسط الحنك، أو أصوات الثنايا العليا، وفق قانونٍ صوتي يسميه العلماء بقانون الأصوات الحنكي.
كما قيل: إن صور الكشكشة تَمَّتْ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ: الأولى إبدال الكاف صوتًًا مزدوجًا "تش"، والأخرى إبدالها شينًا خالصةً؛ بسبب تطور الصوت المزدوج، وقد استند من قال بهذا إلى وجود هاتين المرحلتين إلى الآن في مناطق متفرقةٍ من الجزيرة العربية.
وتتفق الكاف، مع صوت الشين أو الصوت المزدوج هذا في الهمس، كما أن الصوت المزدوج يحتفظ بشدة الكاف، ورمى بعض المحدثين القدماء بالوهم في وصف هذا الصوت المزدوج السالف الذكر، حيث سمعوه ولم يستطيعوا كتابته بالضبط، فدلوا عليه مرةً بالكاف والشين، وأخرى بالشين وحدها.
وإذا كان أبو منصور الثعالبي قد ذكر أن هذا العارض -أعني الكشكشة- تعرض في لغة تميم؛ فإن ابن الأثير قد نَسَبَ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ إلى تميمٍ، وربيعة، ومضر، كما نسبها غيره إلى أسد، وبكر بن وائل، والمعروف أن أسدًا وبكرًا يرجع نسب كلٍ منهما إلى ربيعة.
كما أن أسدًا كانوا بنجد مجاورين لتميم، وأن بكرًا كانوا باليمامة فيما بينه وبين البحرين إلى أطراف العراق.

٢.١٦ الكشكشة والكسكسة


الكسكسة

لقد عرّف الثعالبي الكسكسة بأنها إلحاق "بَكْرٍ" لكاف المؤنث سينًًا عند الوقف، كقولهم: أكرمتكسِ، وبكسِ يريدون أكرمتكِ، وبكِ، ومع هذا فإننا نرى ابن الأثير يذكر لها ثلاث صورٍ الأولى إبدال السين من كاف الخطاب، والثانية تقيد تلك الصورة الأولى بكاف خطاب المؤنث، والصورة الثالثة هي زيادة سينٍ بعد الكاف في الوقف كما ذكر الثعالبي، ويردد اللُّغويون هذه الصور.
وتفسير الكسكسة هو تفسير الكشكشة عند المحدثين؛ حيث أبدلت الكاف؛ بسبب صوت اللين الأمامي -أعني الكسرة أو الفتحة المرققة- صوتًًا مزدوجًا "تس" وفق قانون الأصوات الحنكي، ويرى بعض المحدثين أن لهذه الظاهرة ثلاث مراحل استنادًا إلى وجودها حتى الآن في اللهجات الحديثة:
الأولى: إبدال الكاف صوتًًا مزدوجًا.
والثانية: تطور هذا الصوت المزدوج إلى سينٍ خالصة.
والثالثة: تحولها إلى كاف المذكر وعدم اقتصارها على كاف المؤنث.

٢.١٦ الكشكشة والكسكسة


وتتفق الكاف مع السين وكذا مع الصوت المزدوج في الهمس، كما أن الصوت المزدوج يحتفظ بشدة الكاف، أما من ناحية النسبة فقد نسبها الثعالبي لبكر -لقبيلة بكر- ومع ذلك فإن القبائل التي نُسِبَ إليها الكشكشة هي نفسها التي نُسِبَ إليها الكسكسة أيضًا إلا أسدًا كما نُسِبَتْ الكسكسة أيضًا إلى هوازن، والمعروف أن كل هذه القبائل متجاورة، حيث تقيم في وسط وشرق الجزيرة العربية.

٢.١٦ الكشكشة والكسكسة



٢.١٦ الكشكشة والكسكسة



٢.١٦ الكشكشة والكسكسة



٢.١٦ الكشكشة والكسكسة