٣.١٣ الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامية في الأسرة والمجتمع


طغيان العامية على الفصحى

تشير الإحصائيات إلى ارتفاع نسبة الأمية في الأمة العربية، ويحاول المسئولون احتواء هذه المشكلة، ولكن الجهد كثير والطحن قليل، ومع أن الأمية غالبة على العرب، فإن الفصحى ما تزال لديهم اللغة المقدسة؛ لأنها لغة القرآن التي يفهمونها، وما هم بحاجة إلى العامية حتى يفهموا ما يلقى عليهم بالفصحى، فهم يفهمون من القرآن والحديث ما يسهل عليهم فهمه، ويفهمون خطب الجمعة، وتفسير القرآن، وشرح الحديث بالفصحى التي لم تكن مغلقة على العربي الأمي.
ولا خطورة من العامية ما دام الأمر كذلك، وما دمنا نضيق الفجوة بينها وبين الفصحى كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا، سواء بوساطة وسائل الاتصال بالأمة -الإعلام بفروعه، الخطباء، والمحاضرين... إلى آخره - أو بتهيئة مناخ تستعمل فيه الفصحى داخل دور التعليم أو بغير ذلك.
ومن ناحية أخرى فإن العامية تصبح شر وابل على الفصحى إذا صارت ندًّا لها، وقد باتت أمرات ذلك في كثير من المجتمعات العربية؛ فنرى بعض طوائف المجتمع من المثقفين تعترف بالعامية وتشجعها لغة للآداب والفنون والتأليف والتدوين، موقنين جهلًا أو حقدًا أن الفصحى جامدة وجافة.

٣.١٣ الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامية في الأسرة والمجتمع


ونرى منهم من يشجعها على مستوى الصغار -ناشئة المسلمين من العرب- فيصدرون لهم الصحف بالعامية؛ ليفسدوا أذواقهم وملكاتهم، وقد كشفت الدراسات عن وجود مفرداتٍ عامية وأعجمية أيضًا في لغة كثير من قصص الأطفال.
ونرى منهم من يدرسها، ويقعد لها، ويدعو إلى المزيد من تلك الدراسات في مجتمعات متعددة رفعة لشأنها، وازدراءً للفصحى.
ونرى منهم من يتظاهر بحب الفصحى، ثم يهتم في الوقت نفسه بالعامية، ويدافع عنها، ويُدرِّسها، ويدعو إلى ذلك بوصف كونها حفيدة شرعية للفصحى، مع أن العاميات العربية متأثرة بلغات أخرى غير عربية؛ فالعامية العراقية متأثرة بالفارسية والتركية، والسورية متأثرة بالسريانية، واللبنانية متأثرة بالفرنسية، والمصرية متأثرة بالتركية والإيطالية.
ونرى وسائل الإعلام تبث وتنشر كثيرًا من الإعلانات التي يغلب عليها العامية المدعومة أحيانًا بالألفاظ الوافدة الغربية على حساب الألفاظ العربية الرصينة.

٣.١٣ الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامية في الأسرة والمجتمع


وهذا يؤدي إلى ازدراء العربية، وانصراف الطلاب وغيرهم عنها، لقد نسي كل هؤلاء -أو تناسوا- أن الدعوة إلى العامية في أصلها دعوة استعمارية، وتلقفها منهم ذيولهم من الصليبيين وغيرهم من الحاقدين على لغة القرآن الكريم، والشريعة الإسلامية.
إن أقطاب الدعوة إلى العامية التي بدأت منذ مائة عام تقريبًا استعماريون حاقدون على العروبة والإسلام، ليسوا ذوي شأن في لغاتهم، وقد صنعوا دعاة نصرانيين، وغيرهم من المستشرقين والعرب حملوا معهم وعنهم تلك الدعوة ظنًّا منهم أن كل ما يدعو إليه أصحاب الحضارة الغربية الزائفة حق يجب أن يقابل بالاحترام، وغير خافٍ على ذي لب هدف هؤلاء وهو: القضاء على لغة القرآن، ومحمد -عليه السلام.
إننا نؤمن إيمانًا عميقًا بأن اللغة تقوى بقوة الأمة، وتضعف بضعفها، وأن اللغة الصحيحة تدل على مدى تحضر الأمة ورقيها الاجتماعي، وأنه لا جدوى من دراسة اللغة داخل القاعات ما لم يكن لها واقع ملموس في المحيط الاجتماعي.

٣.١٣ الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامية في الأسرة والمجتمع


آثار هذا الاستعمال

إن هذا الاعتناء بالعامية يؤثر تأثيرًا خطيرًا على الفصحى، وعلى الأمة بأسرها، ففي تبني العامية في الأمة العربية عودةٌ إلى جاهلية مجتمعنا العربي في الحياة اللغوية، فإذا ما اتخذت العامية لغة الثقافة في كل قطر عربي؛ فإن ذلك سيؤدي إلى تقطيع أواصر الوطن العربي، وتثبيت التجزئة والانفصال بين الأصقاع العربية، والتنكر لتراث أمتنا الحضاري.
إن في تبني العامية: إضعافا للثقافة، وعندئذ يضعف تحصيل الشباب في اللغة العربية، مما يسهل اجتثاثها، وإحلال العامية
محلها بحجة أنها لم تعد لغة ثقافةٍ حية يعيشها الناس في واقعهم.
في تبني العامية وانتشارها: إضعاف للتلاميذ على مستوى التعبير والفهم، فما يتعلمه التلميذ من دروس اللغة يهدمه ما يسمعه
من عامية في الجو الاجتماعي المحيط به في الشارع والمنزل وغيرهما.
في تبني العربية وانتشارها: تأكيد لما يظنه كثير من أبناء العربية: أن اللغة العربية ليست إلا وسيلة للتخاطب، وما دام الأمر كذلك؛ فإن الكلام بالفصيح أو الملحون سواء، ومرد هذا الظن إلى العامية التي تدمر الرابطة بين العربية والإسلام.

٣.١٣ الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامية في الأسرة والمجتمع


سبل العلاج

وأضع فيما يلي مقترحات تعالج آثار هذه الظاهرة:
أولًا: نقرب الفجوة بين العامية والفصحى، ونرتقي بالعامية تدريجيًّا نحو الفصحى، وهذا يقع على عاتق الأسرة والمجتمع.
أما الأسرة: فيمكنها الارتقاء بلغة أفرادها من الأطفال وغيرهم بتشجيعهم على حفظ القرآن الكريم وأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأيضًا بالقراءة المفيدة، وتكوين المكتبة المنزلية؛ ليفيد منها الكبير والصغير على السواء.
ويمكن أن يسهم الإعلام المسموع والمرئي في حث الأسر -وبخاصة الأسر الأمية- على تنشئة أولادها تنشئة صالحة، وإذا نشأ الطفل على محبة الكتاب النافع لازمه هذا الحب طوال حياته، فتتسع مداركه، وتتهذب لغته.
وأما المجتمع: فيمكن القائمين عليه وذوي المستويات المختلفة أن يهيئوه لممارسة العربية الصحيحة، والارتقاء بالعامية نحو الفصحى، وتضيق الفجوة بينهما؛ إذ الحديث السليم والقراءة الخالية من الأخطاء، والاستماع الصحيح يشجع على ذلك، وهذا يتطلب أمورًا منها:العمل بإخلاص على محو الأمية لما لها من آثار خطيرة على الأمة لغويًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، وعلاج هذه المشكلات لن يتأتى إلا إذا عولجت علاجًا شاملًا متكاملًَا على مستوى الأمة العربية.

٣.١٣ الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامية في الأسرة والمجتمع


نشر التعليم بمراحله المختلفة، والاعتناء بما يلزم من مدرسين أكفاء، ووسائل أخرى.
تشجيع المكتبات المدرسية في داخل دور التعليم، والمكتبات المركزية خارج تلك الدور، وذلك في الأحياء المختلفة من المدن والقرى والنجوع، حتى يشيع جو الفصحى في أرجاء الأمة، فالقراءة مطلوبة ابتداء بالقرآن الكريم، ومرورًا بأمهات الكتب الدينية والعلمية، وانتهاء بما يميل إليه الشخص من طرائف وقصص وشعر وأدب... إلى غير ذلك، شريطة أن تكون صياغة كل هذا بلغة فصيحة.
ولا يتحقق ذلك إلا إذا شارك العلماء، والمفكرون المصلحون، والكتاب في عملية الإصلاح التام، ويمكن أن تسهم وسائل الإعلام كثيرًا في الوصول إلى هذه الغاية من خلال البرامج المكثفة والهادفة التي تنمي الوعي العام.
وإذا ارتفع وعي الأمة فسيجد أبناؤها متعة التألق الفكري في القراءة، وهي متعة لا تفوقها إلا متعة حلاوة الإيمان، وعندئذ تضمحل العامية وتنزوي.
يجب أن يعي أبناء العربية أن محاولة رفع مكانة العاميات؛ لتحل محل اللغة الأدبية، إنما هو شعار مدرسة ضالة في الغرب لم يرض عنها جمهرة اللغة في بقية أنحاء العالم.
ينبغي مواجهة كل الشبهات الموجهة للغة العربية بحزم وعزم، والكشف عن زيغ الاستعمار على أسس عليمة متينة، ورد كل الشبهات التي تحاول صرف بني العربية عنها، وأن يكون ماضي الأمة عامل إيجاب لها؛ للمضي في دروب الخلق والإبداع.

٣.١٣ الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامية في الأسرة والمجتمع


ومن بين تلك الشبهات: صعوبة العربية، وقصورها عن استيعاب علوم العصر، وصعوبة كتابتها... إلى آخره.
من علاج هذا الأمر أيضًا: بيان ما بين علوم اللغة العربية، والعلوم الدينية من علاقة وثيقة، بها صارت علوم العربية مفتاحًا من مفاتيح علوم الشريعة، لا يستغني عنه من أراد التعمق في دراسة القرآن والسنة والمطهرة والتفقه فيها؛ لذا جُعل العلم بكلام العرب وأساليبهم وفهم أسرار العربية شرطًا من شروط المجتهد.

٣.١٣ الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامية في الأسرة والمجتمع