٤.١٣ وسائل الإعلام واللغة العربية


لا يخفى على ذي لب الدور الخطير الذي تطلع به وسائل الإعلام المختلفة في تثقيف أفراد الأمة وتوعيتهم حين تنشر، أو تذيع الفكر النافع، فهي تهدف إلى الاتصال بالناس، ونقل المعاني والأفكار إليهم، ولها وظائف محددة، وهي كما يقول أحد الإعلاميين: الإعلام والتفسير والتوجيه والتسويق والإقناع والتنشئة الاجتماعية.
من هنا تكمن خطورة تلك الوسائل، ومن ثَمّ تكون عامل بناء ينهض بالعربية حين تغار عليها، وتصوغ فكرها المنشور، أو المذاع بلغة فصيحة، وعندئذ تكون أداة توجيه للعرب والمسلمين، وفي الوقت نفسه تكون معول هدم يعصف بالعربية حين تعاديها، علاوة على صياغة فكرها بلغة محرفة، أو عامية ساقطة، وعندئذٍ تكون أداة تفريق.

٤.١٣ وسائل الإعلام واللغة العربية


صورة العربية الآن في الإعلام

لقد أسهمت بعض دور الإعلام العربية في إشاعة ألفاظ فصيحة عديدة، وحلت محل أخرى دخيلة أو عامية في مجالات مختلفة، معتمدة -تلك الدور- في هذا على ما تمتاز به لغتنا من وسائل الاشتقاق والنحت والنقل... إلى آخره؛ فحل الهاتف مثلًا محل التليفون، والحافلة محل الأتوبيس، والبريد محل البسطة، والمذياع محل الراديو، والجريدة أو الصحيفة محل الجرنال... إلى آخره.
وإذ يسجل لبعض دور الإعلام هذا الدور الذي يصون العربية من هجمة الألفاظ الأعجمية، فإننا نسجل في الوقت نفسه عكس هذا حين تخلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، ولدور أخرى لم تحفل بالعربية كما ينبغي لها أن تحفل، فالواقع يشير إلى أن للعامية نصيبًا وافرًا في كثير من وسائل الإعلام المختلفة، مما يدل على استجابة تلك الوسائل لمحبي العامية الذين يحاولون إعاقة الفصحى بحجة جمودها وتخلفها عن التقدم والحضارة.
فعلى مستوى الصحف والمجلات نرى لغة الكتابة فيها في بعض الديار العربية ركيكة، ومزدحمة بالخطأ النحوي والصرفي واللغوي والإملائي، فما ينشر في الصحف أقرب إلى العامية سواء بسبب السرعة وعدم الاعتناء بالتصحيح، أو ضعف المتخرج، أو آثار النقل والترجمة، أو غير ذلك من الأسباب التي لا مجال لتفصيلها الآن.

٤.١٣ وسائل الإعلام واللغة العربية


ونرى في بعض الصحف أيضًا: موضوعات مصوغة بالعامية، بالإضافة إلى الإعلانات المختلفة عن احتياجات الناس، وتزايدها بشكل بادٍ.
ونرى معظم الصحف -وأيضًا المجلات- تخصص صفحات لنشر الأدب العامي بغيةَ فرضه على الذوق العام، وجذب الناس إليه بشكل يدل على خطأ في فهم القائمين بهذا النشاط، وضعف في إدراكهم لخطر ما يقومون عليه.
ونرى بعض الصحف -علاوة على ما تقدم- تنشر أحاديث محبي العامية سواء كانوا شعراء أو غيرهم، وتتهم الفصحى بالضعف، وتقلل من قيمتها، وتسخر من المتخصصين فيها، وتمجد العامية وتعترف بقيمتها الأدبية والعلمية، وتقرر أهميتها التاريخية والاجتماعية، وتدعو إلى أن تكون اللهجات العامية العربية هي لغة وسائل الإعلام، وأهمها المسلسلات المتلفزة.
وعلى مستوى الإذاعتين المسموعة والمرئية نرى كثيرًا من المواد المذاعة يعتمد على العامية في دور عديدة، ومن بين تلك المواد: الإعلانات التي لا يبغي أصحابها إلا الكسب من أية طريق، هذا فضلًا عن إذاعة أحاديث محبي العامية التي تحاول غرسها في القلوب.

٤.١٣ وسائل الإعلام واللغة العربية


وإن تعجب فعجب قول المسئولين: إن الجمهور يريد البث بالعامية، وينفر من البرامج الفصيحة؛ لأن نسبة كبيرة منهم أميون لا يعرفون الفصحى ولا يفهمونها، أفيصح أن نجعل النصيب الأوفر من البرامج بالعامية من أجل الأميين؟ ثم من قال إن الفصحى تعني: التقعر، والتشدق، واختيار الألفاظ الحوشية، والأساليب الغريبة. إن هذا الجمهور الذي يتهمونه، هو نفسه الذي يستمع إلى خطبة الجمعة بالفصحى السهلة؛ فيفهما ويعيها ولا ينفر منها، وهو نفسه الذي يستمع إلى نشرات الأخبار، وخطب الساسة وغير ذلك، فلا يضيره ذلك، ويفهمها مهما اختلفت لهجاته العامية.
لهذا الواقع آثارٌ غير حميدة على العربية لعل من أهمها: فساد الذوق والشعور، وضياع مكانة العربية ومنزلتها، واعوجاج لسان الأمة، وتقطيع أواصل أبنائها، وانعزال بعضهم عن بعض.
أيضا من الآثار الخطيرة التي تترتب على ذلك: ضعف لغة المتعلمين؛ لأنهم يتأثرون بما يسمعون، ويقرءون ويقلدون النطق الخاطئ والأداء السيئ، والكتابة الركيكة.

٤.١٣ وسائل الإعلام واللغة العربية


أخيرًا سبل علاج هذه الآثار

نظرًا لخطورة الدور التي تطلع به وسائل الإعلام المختلفة في تحقيق الغاية السالفة الذكر؛ فإني أقترح ما يلي:
تشديد الرقابة على المؤلفات بالعاميات.
زيادة الاهتمام بالعربية في معاهد الإعلام التي تعد الصحفيين والمذيعين.
تشديد الرقابة على الموضوعات الصحفية.
إلغاء الصحف المخصصة لنشر أدب العامية، وغرس حبها في أذهان القراء، وتخليص المجتمع من شوائب الأمية.
الضبط بالشكل لكل ما ينشر ضبطًا محكمًا بغض النظر عن التكلفة.
إلزام الإذاعات العربية باتباع ونشر النمط الصوتي الموحد للأصوات العربية، والذي رضي عنه سلفنا الصالح، ووفقًا لما أوصت به المؤتمرات والمجامع اللغوية.