٣.١٢ توحد العربية وانتشارها


كانت العربية قبل ظهور الإسلام لهجاتٍ متعددةً، ولا تكاد تتوحد إلى في ملتقًى عامٍّ أو سوق مشترك؛ حيث تسود بين الجميع لغة مشتركة، لا تلبث أن يُضرب عنها صفحًا حين تفرق القبائل وعودتها إلى دورها، وكانت العربية لغةً بدويةً لا تعرف من مظاهر الحضارة إلا ما عرفه رعاة الإبل، وفرسان الصحراء، وانظر في أحوالهم في الحكم والسياسية والدين والعلم؛ لتدرك معنى ما أقول، ومع ذلك فإن العربيةَ لم تُحرم الاستعداد، والفطرةُ السليمةُ التي أهلتها لاستقبال كل المظاهر التي أتى بها الإسلام، واستيعاب القرآن الكريم؛ حيث لم يمضِ عليها قرنٌ من الزمان حتى وصلت رايتها إلى أكثر أجزاء الدنيا المعروفة في ذلك الوقت.

٣.١٢ توحد العربية وانتشارها


توحد العربية وانتشارها

وأبدأ بتوحد العربية وانتشارها.
دخل العرب في دين الله أفواجًا، والتفوا حول إلهٍ واحدٍ، وكتاب واحد، ورسول واحد، وانعكس ذلك على العربية؛ فتوحدت لهجاتها في إطار لهجة واحدة هي لهجة القرآن الكريم التي ترفعت عن اللهجات المنكرة، وقد رضيها الجميع، وأقبلوا عليها، ولما انتشر في الأرجاء هذا الدين العظيم ، ووجدت العربية نفسها مطالبة بالخروج سريعًا من عزلتها؛ حتى تفيَ بحاجة الأمة في مختلف الجوانب الدينية، والسياسية، والعلمية، والثقافية.

وقد أقبل غير العرب عليها يتعلمونها -لأسباب بعضها ديني وبعضها دنيوي- حتى غدت ابتداءً من الثلث الأخير من القرن الأول الهجري ذات مكانةٍ مرموقة، وطيدةٍ في الدول الإسلامية، وأهم أسباب ذلك: أنها أصبحت اللغة الرسمية للدولة الإسلامية، وصارت لغة الحكام والولاة، وظلت لغة الشعر الذي تعتز به الطبقات الاجتماعية العليا، هذا بالإضافة إلى أنها لغة القرآن والدين بما يشتمل عليه من عبادات ومعاملات.

كل هذا جعل استخدام الفصحى ضروريًّا، ودليلًا على الرقي والمكانة الاجتماعية، وجعل في الوقت نفسه استخدام العربية المولدة دليلًا على دُنوِّ المكانةِ وضعف المنزلة، ولولا الإسلام لبقيت العربية محبوسة في جزيرتها، ولما عرفت طريق المجد، وسبيل السؤدد.

٣.١٢ توحد العربية وانتشارها


وقد ظل كثير من العرب في جزيرتهم محتفظين بملكاتهم العربية إلى أواخر القرن الرابع الهجري لبعد العجمة منهم، ثم ضعفت ملكاتهم بعد ذلك؛ لكثرة ترددهم على الحواضر، وصارت اللغة تكتسب بعد ذلك في الجزيرة وخارجها بالتعليم والتعلم.

وقد دخلت العربية بفضل الإسلام مجال التأليف والثقافة، ولم تعد لغة الشعر فقط، فكان على من يبغي العلم في الدولة الإسلامية أن يترجم إليها، أو يكتب بها، أو يفهم المأثور الذي كتب بها.

وألقي الضوء فيما يلي على العربية في بعض دول المشرق والمغرب:

أولًا: الشام والعراق
أدى اختلاط العرب بالسكان الأصليين في الشام والعراق إلى تعريبهما، وكانت اللهجاتُ الآرامية المختلفةُ منتشرةً فيهما، ولم يكن التحول من الآرامية إلى العربية أمرًا صعبًا؛ لقرب اللغتين، ولكن العربية تأثرت بالآرامية، واختلفت عن عربية البدو في الجزيرة العربية، وقد تعربت المناطق السهلية على نحوٍ أسرع من المناطق الجبلية؛ حيث لم تصل الهجرات العربية إلى هذه المناطق الوعرة؛ ولذلك لا يزال بعضها محتفظًا ببعض من الألفاظ الآرامية إلى اليوم.

٣.١٢ توحد العربية وانتشارها


ثانيا: فارس
لقد هاجرت قبائل عربية كانت تقيم في منطقة ساحل عمان إلى إيران عن طريق الخليج، ودخلت موجاتٌ عربية أخرى إلى إيران عن طريق العراق، وكان العرب المهاجرون إلى هذه المناطق منتمين إلى قبائلَ مختلفة؛ ففيهم عرب من بكر، ومن تميم، ومن عبد القيس، ومن الأزد. وقد كثر عدد العرب في كاشان، وهمذان وأصفهان، وقم، ولكنّ أكبر تجمع عربي كان في منطقة خراسان.

وقد حدث صراع لغوي متبادل بين اللغتين، ولكن قل تمسك العرب بلغتهم عندما أعلن السلجوقيون اللغةَ الفارسيةَ اللغةَ الرسميةَ في إيران في القرن الخامس الهجري، وبذلك لم يؤدِ تيار الهجرة العربية إلى إيران إلى النتيجة التي أحدثها تيار الهجرة العربية إلى الشام والعراق. ومع أن الفارسية صارت لغة السياسية والإدارة منذ ذلك الوقت فقد ظلت العربية لغة للتأليف هناك، بعد أن كانت لغة للتأليف والتعبير، وعندما حاولوا استخدام الفارسية اعتبروا العربية لغة الأساس أخذوا منها المصطلحات العلمية المختلفة. ولم يقتصر بقاء العربية على كونها لغة للتأليف فقط وإنما ظلت أيضًا لغة الدين والفقه الإسلامي، وهذا جعل دراسة العربية والاهتمام بها وسيلة فهم القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف.

٣.١٢ توحد العربية وانتشارها


ثالثًا: مصر
كانت العربية في مصر لغة العربية والقرآن، وصارت لغة الدواوين في زمن الوالي عبد الله بن عبد الملك المتوفى سنة تسعين من الهجرة، بعد أن كانت باليونانية، وإذا كان انتشار الإسلام عاملًا من عوامل تعريب المصريين؛ إذ حثّ على تعلم لغة القرآن والتعبد، فإن تعريب الدواوين يعد عاملًا آخر؛ إذ حث بعض القبط الذين رغبوا في الاحتفاظ بمناصبهم الإدارية على تعلم الفصحى حتى يستمر في شغلها.

رابعًا: السودان
ارتبط تعريب السودان بالهجرات الوافدة عبر مصر فلقد تجاوز عدد كبير من القبائل العربية حدود النوبة جنوبًا في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، وهاجرت بطون كثيرة من جهينة إلى السودان، كما هاجرت قبائل يمانية أخرى عبر مضيق باب المندب في البحر الأحمر.


٣.١٢ توحد العربية وانتشارها


خامسًا: بلاد المغرب
تعرّب أكثر البربر في المغرب منذ قدوم عرب الفتح وغيرهم من القبائل إلى بلاد المغرب -وأعني بها برقة وتونس والجزائر والمغرب- وبادر كثير من البربر إلى الإسلام، وانتظموا في جيوش الفتح الإسلامي الزاحف للأندلس، وكانت العلاقات بين الأندلس والمغرب الأقصى تُدعِّمُ مكانة العربية بوصف كونها لغة التخاطب المشتركة فضلًا عن كونها لغة القرآن الكريم، وبذلك أسهمت هذه العلاقات في تعريب المنطقة.

ثم مرت العربية بأطوار متعددة عبر القرون، وتعاقب عليها عصور مثل: العصر المملوكي والتركي والحملات الغربية والاحتلال الأوربي، وقد خرجت العربية -من هذا وتلك- تتردد بين القوة والضعف، قوية بالإسلام والقرآن، ضعيفة أحيانًا ببعد أهلها عنها، لكنها ستظل حيةً ما بقي القرآن، قويةً ما دام الإسلام.

وأؤكد أن موضوع العربية والإسلام يحتاج إلى بحثٍ واسع ولكنّ الذي ينبغي أن يكون معلومًا: أنّ الإسلام خدم العربية حيثما حلّ في كل مكان، حتى في المناطق الإسلامية التي لا يتخاطب أهلها بالعربية فهي تظل لغة دينهم الذي يرتبط بحفظ قدر من القرآن، ومعرفة الحديث النبوي، وكل هذا مرتبط بقراءة الخط العربي؛ بذلك لم تسلم لغة مسلم غير عربي من التأثر بالعربية، وهذا ملاحظ في بلاد شرق وغرب وجنوب أفريقيا، وفي بلدان الشرق الأقصى، وجنوب شرق أسيا وغيرها.

٣.١٢ توحد العربية وانتشارها



٣.١٢ توحد العربية وانتشارها