٢.١٢ القائلون بثلاثية الأصول
 |
رأى علماء النحو والصرف وكثير من اللغويين القدامى والمحدثين أن أكثر الأبنية استعمالًا في لغتنا العربية الأبنية الثلاثية، يقول ابن جني في أثناء تعليله إهمال ما أهمل مما تحتمله قسمة التركيب في بعض الأصول المتصورة: الأصول ثلاثة: ثلاثي، ورباعي، وخماسي، فأكثرها استعمالًا وأعدلها تركيبًا الثلاثي؛ وذلك لأنه حرف يبتدأ به، وحرف يحشا به، وحرف يوقف عليه، وليس اعتدال الثلاثي لقلة حروفه حسبه، لو كان كذلك لكان الثنائيّ أكثرَ منه؛ لأنه أقلّ حروفًا، وليس الأمر كذلك. |
 |
وقد ذكر ابن جني أن ذوات الأربعة مستثقلةٌ غير متمكنة تمكّن الثلاثي، وإذا كان الأمر كذلك في الرباعيّ فلا شك في ثقل الخماسي وقوة الكلفة به، وإذا كان الرباعيّ يقلّب إلى أربعة وعشرين أصلًا، والخماسي إلى مائة وعشرين، فإن المستعمل منهما الأقلّ النذر، غير أن الرباعيّ أحسن حالًا من الخماسي؛ لأنه أدنى إلى الثلاثي. |
 |
ولعلة الخفة نفسها لا تجد في الثنائي على قلة حروفها -كما يقول ابن جني- ما أوله مضموم إلا القليل، وإنما عامته على الفتح، نحو: هل، بل، قد، أن، عن، كم، من، وفي المعتل: أو، لو، كي، أي، أو على الكسر نحو: إن، من، إذ، وفي المعتل: إي، في، هي، ولا يعرف الضم في هذا النحو إلا قليلًا. قالوا: "هو"، وأما "هم" فمحذوفة من "هم"، كما أن "مذ" محذوفة من منذ، وكذلك جميع ما جاء من الكلم على حرف واحد عامته على الفتح إلا الأقل، نحو همزة الاستفهام، وواو العطف وفائه، ولام الابتداء، وكاف التشبيه... وغير ذلك، وقليل منه مكسور كياء الإضافة ولامها ولام الأمر، ولا نجد من الحروف المنفردة ذوات المعاني ما جاء مضمومًا هربًا من ثقل الضم. |
٢.١٢ القائلون بثلاثية الأصول
 |
وأما الثنائية -أي الأصول الثنائية- في اللغة العربية فبلغت سبعة وثلاثين من مائة في المائة، أي لم تصل إلى نصف في المائة، وتمثِّل واحدًا وعشرين جذرًا ثنائيًّا فقط. |
 |
ولم يرق لبعض المحدثين من أصحاب الثنائية الحكمُ بقلة الجذور الثنائية، قال: ولعل قلّة الثنائي في نظر القدامى والمحدَثين ترجع إلى عدّ الثنائي بدون تضعيف للحرف الثاني، مع أن مضعفات الثنائي في العربية يقابلها في الساميات الثنائي بدون تضعيف، أي أن كل المضعفات في العربية هي في الحقيقة ثنائيات، والثنائي وراد في كل الساميات متّصفًا بمعنًى حقيقي وتام. |
٢.١٢ القائلون بثلاثية الأصول
 |
وقد رءوا هؤلاء أن المفردات الثنائية تفوق في العدد الثلاثيات، وأنها تنتظم الفئات الآتية: |
أحد عشر فعلًا من الأفعال الناقصة من حيث التصرف والوظيفة النحوية، وهي: كان، وصار، وظل، وبات، وعاد، وغدا، وراح، وما برح، وما دام، وما زال، وليس.
الأسماء الستة، ولا تخضع لأحكام الإعراب المعروفة؛ لأنها من ذوات المقطع الواحد القصير، ويتطلب إلصاق اللواحق بها من مدّ حركاتها النهائية.
الأسماء الثنائية عدا الأسماء الستة الوحيدة المقطع، وهي كثيرة في العربية، ويكون أولها:
إما مفتوحًا نحو: القَد، واليَم، واليَد، والدَّم، لتشديد الميم مع أنها لغة في الدَّم، والغَم، والهَم، والكَف، والدَّف -وهو الجنب من كل شيء أو صفحته- والرّف، والخَد، والحَد، والصَّفو، والبَط، والرَّب، والحَج، والضَّب، وهو الحذق والمهارة.
أو مضمومًا نحو: الأُم، والدُّب، والجُب، والخُف، والدُّر -جمع درة، وهي اللؤلؤة العظيمة- والمُر، والحُط، والبُر.
أو مكسورًا نحو: القِط، والهِر، والزِّق، والرِّق، والشِّص -وهو اللص الحاذق- والكِن -وهو الغطاء.
الأسماء الثنائية ذات النهايات الحركية الممدودة، نحو: الفتى، الصبا، الهوى، النوى، الجوى، العصا، القفا، المها... وهكذا.
الأفعال المعتلة نحو: قال، مال، سعى، جرى، دعا.
 |
وقد رد أحد المحدثين من المدافعين عن ثلاثية أصول العربية على مَن رأى أن كل ثنائي مضاعف في العربية يقابله ثنائي غير مضعف في الساميات، إذا يقول: وقد خدعه ما آل إليه المضعف الثلاثي في بعض اللغات السامية بعد أن سكنت أواخر كلماتها؛ لسقوط الحركات الإعرابية وغيرها، فضاع التضعيف منها وصارت على حرفين، فظن أن هذا هو الأصل فيها، ونسي أنه عند إسناد المضعف إلى الضمائر في العبرية والسريانية يظهر التضعيف وقد يفك. |
٢.١٢ القائلون بثلاثية الأصول
 |
وبعد هذه الجولة مع فكرتي ثنائية الألفاظ وثلاثيتها، نخلص إلى أننا لا ننكر العلاقة المعنوية التي تربط بين بعض الأصول الثنائية والثلاثية المشتركة معها في حرفين، ومع إيماننا بهذا لا ينبغي أن نبالغ مع أصحاب الثنائية ونؤمن بأن الثنائي في كل ألفاظ اللغة هو الأصل؛ إذ لا يمكننا أن نسلم -كما يقول الأستاذ عبد الله أمين- بأن رجلًا أصله الراء والجيم، وقردًا أصله القاف والراء، وفيلًا أصله الفاء والياء. |
 |
كما ينبغي ألّا ننساق وراء ندائهم بإعادة النظر في كتب اللغة النحوية والصرفية، وبخاصة أبواب الميزان الصرفي والإبدال والإعلان، لنضع قواعد جديدة على ضوء الثنائية، ونعصف بالتراث الممتد عبر القرون، فالعربية من دون أخواتها الساميات لا نعرف من بدايتها ما نعرفه عن أخواتها؛ لأن لشقيقاتها نصوصًا كثيرةً أوضحت معالم تاريخها، وقد رَبَط أصحاب الثنائية ارتقاء الأصول الثنائية إلى الثلاثية وما فوقها بمراحل تاريخية موغلة في القدم لا ندري عنها شيئًا، فهل كانت الكلمات قصيرة ثم طالت أم كانت طويلة ثم قصرت كما يرجح علماء الغرب؛ ولذا فإني أؤيد من دعا إلى إنشاء قسم لدراسة تاريخ اللغة العربية في معاهد اللغة العربية وكلياتها، وتسهّل له كل الإمكانات العلمية والعملية، ويوم أن يتكلّم التاريخ وتظهر الوثائق من بطون رمال الجزيرة العربية سيتّضح كثيرٌ من أسرار هذه اللغة الشريفة، ويكون القول في قضايا الثنائية وغيرها قولًا فصلًا. |
٢.١٢ القائلون بثلاثية الأصول
٢.١٢ القائلون بثلاثية الأصول
٢.١٢ القائلون بثلاثية الأصول