١.١٢ القائلون بثنائية أصول الألفاظ العربية


لاحظَ فريق من العلماء أن بعض الألفاظ الثلاثية التي تشترك في حرفين تشترك أيضًا في معنًى عامٍّ، وقد شغلتْهم هذه الفكرة، وانتهوا إلى أنّ كلمات العربية تعود إلى أصول ثنائيّة، ثم تحوّلت في مراحلَ تاريخيةٍ إلى أصول ثلاثية وما فوقها، وهنا أتساءل: أحقًّا أن أصولَ العربيةِ ثنائيةٌ؟
من أشهر من بحث فكرة الثنائية من علمائنا العرب أحمد فارس الشدياق في كتابه (سر الليال في القلب والإبدال) وجورجي زيدان في كتابه (الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية) والأب إنستاس الكرملي في كتابه (نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها) والشيخ عبد الله العليلي في كتابه (مقدمة لدرس لغة العرب) ومرمرج الدرمكي في كتبه العديدة منها (المعجمية العربية على ضوء الثنائية والألسنية السامية) و(معجمات عربية سامية) و(هل العربية منطقية من أبحاث ثنائية ألسنية) ومن الذين بحثوا فكرة الثنائية أيضًا الدكتور أمين فاخر في كتابه (ثنائية الألفاظ في المعاجم العربية وعلاقاتها بالأصول الثلاثية: دراسة معجمية إحصائية).
يرى هؤلاء العلماء ومن أيّدهم أن القول بثنائية الألفاظ في أصل الوضع اللغوي يتفق مع الواقع والطبيعة في تدرج الأشياء؛ حيث نشأت الألفاظ على حرفين أساسين، ثم ارتقت إلى الأصول الثلاثية وما فوقها، بل يتصور بعضُهم -ومنهم عبد الله العلايلي، والدكتور توفيق شاهين في كتابه (أصول اللغة العربية)- أن الثنائية دور ثانٍ من أدوار اللغة في حياة الإنسان؛ حيث بدأت لغته بأُحَادية في صورة أصوات وحروف منفصلة ذات دلالاتٍ قديمة، ثم تطوّرت هذه المقاطع الأحادية إلى ثنائيةٍ وثلاثيةٍ، وقد أكسبت الإنسان محاكاته الطبيعة وغيرها أكثرَ المقاطع الثنائية.

١.١٢ القائلون بثنائية أصول الألفاظ العربية


ويرى هؤلاء أن الجذور الثلاثية ما هي إلا وسيلة لتنويع المادة اللّغوية وتطوير الاستعمال الدلالي، وقد اختلفت وجهات نظرهم في تثليث الأصل الثنائي حين ضاقت الأصول عن التعبير، وأجملوا تلك الوجهات في ثلاث:

الوجهة الأولى
رأى بعض العلماء أن الثنائي صار ثلاثيًّا بزيادة صوت ثالث منوِّع للمعنى العام، وهذا بالطبع أدّى إلى صور ثلاثية جديدة تدل على معانٍ إضافية، فأصل القطع، والقطف، والقتل، والقطم، هو الثنائي: القاف والطاء، وقد زيد الحرف الثالث لتنويع وتخصيص معنى القطع الذي يدلّ عليه هذا الثنائي، فزيدت العين في قطع لتدل على صرم وإبانة شيء من آخر، وزيدت الفاء في القطف لتدل على أخذ ثمرة من شجرة، وزيدت اللام في القتل لتدلّ على قطع الشيء، وزيدت الميم في القطم لتدل على القطع أيضًا.
ورأى بعض أعضاء هذا الفريق أن الأولى اعتبار القاف والطاء ونحو هذا الجذر مما ضعِّف ثانيه من الثنائي أو الثنائي المضعّف، كما يذهب كثير من أصحاب المعاجم وعلماء اللغة، من أمثال ابن دريد في الجمهرة، وابن فارس في المجمل والمقاييس، والأصفهاني في (المفردات في غريب القرآن) ولا نعتبره من الثلاثي المضعّف كما يقول علماء الصرف.

١.١٢ القائلون بثنائية أصول الألفاظ العربية


وقد أشار السكّاكي إلى العلامة المعنوية بين بعض الأصول الثنائية المشتركة مع الأصول الثلاثية في حرفين، وهكذا أشار الزمخشري في (الفائق) في مادة الفاء والقاف والهاء.
إن زيادة الصوت الثالث تمت في نظر هؤلاء بواحد من الطرق الآتية:
في تضعيف الحرف الثاني. أو إضافة حرف علة إلى أول المادة أو وسطها أو آخرها. أو بالتضعيف وإضافة المد معًا، نحو أط وأطيط، الأط والأطيط، أو بإضافة حرف من حروف الحلق أو الصفير أو الذلاقة إضافة حرف من حروف الحلق مثل: الفاء والقاف، يضاف إلى هذا الجذر حرف الحلق فينتج الفقأ والفقع والفقح، والكل بمعنى الفرق والفتح، وإضافة حرف من حروف الصفير مثل الجذر: القاف والصاد، مثل: الفاء والراء، حينما نضيف حرفًا من حروف الصفير ينتج الفرز والفرس والفرث، والكل بمعنى الفصل والفرق والقطع، وإضافة حرف من حروف الذلاقة مثل الجذر: والقاف والصاد، حينما نضيف حرفًا ذلقيًّا ينتج القسم والقصر والقصب والقذف والقصل.
ويضيف هؤلاء العلماء طريقًا آخر أيضًا مثل إضافة تاء في الآخر، نحو السين والكاف، ينتج منها السك والسكت.
وهذه الزيادة أخذت مواقعَ وتسمياتٍ مختلفةً، فتسمى تتويجًا أو تصديرًا إذا وقعت في أول الكلمة، مثل: جرم، وحرم، وخرم، وشرم، وصرم، وعرم، وغرم، والجذر في كل هذا هو الراء والميم، فكل هذه الكلمات مشتركة في الراء والميم، وفي المعنى العام.

١.١٢ القائلون بثنائية أصول الألفاظ العربية


ومن الطرق أيضًا تضعيف الثاني وإضافة المد والتاء معًا، نحو الضر والضرورة.
وتسمى تذييلًا أو كاسعًا إذا وقعت في آخر الكلمة، وهذا هو الغالب، مثل: قطب، وقطع، وقطف، وقتل، وقطم، هذه الأمثلة مشتركة في القاف والطاء، وفي المعنى العام وهو الفصل -كما سبق.
وتسمى إقحامًا أو حشوًا إذا وقعت وسطًا، نحو: قحم، قرم، قسم، قصم، قضم، قطم، وقلم، المشتركة في القاف والميم، وفي المعنى العام وهو الشق والقطع.
وقد أجرى أحد الباحثين المؤيدين لفكرة الثنائية، وهو الدكتور أمين محمد فاخر، في كتابه (ثنائية الألفاظ في المعاجم العربية) أجرى دراسةً على مائتين وخمسة وعشرين ثنائيًّا مضعفًا، ورأى العلاقة المعنوية واضحة دون تكليف بينها وبين الثلاثي المشترك معه في حرفه .
كما خلص الباحث نفسه إلى أن هناك ألفاظًا ثنائيةً في المعاجم لا تظهر فيها العلاقة واضحةً بينها وبين الأصول الثلاثية وغيرها؛ وسبب ذلك -في نظره- يرجع إلى أن بعض الثنائيات يقعد الفكر عن فهمها، ولا يمكن أن تكون أصلًا لغيرها، كأن تكون غير عربيةٍ، نحو بخٍ، التي تقال عند الإعجاب بالشيء، أو الفخر، أو المدح، أو تكون حروفًا، أو ضمائر، أو تحكي أصواتًا نحو: أط يئط أطيطًا بمعنى صوّت، أو تدل على أسماء البلدان أو الأماكن أو القبائل، أو حدث في حروفها إبدال نحو قولك: عظته الحرب وعضته.

١.١٢ القائلون بثنائية أصول الألفاظ العربية


الوجهة الثانية
رأى بعض العلماء منهم عبد الله العليلي أن الثلاثي نشأ عن الثنائي بواسطة المعلّات، فمثلًا العين والباء والثاء مأخوذة من العين والثاء والألف، وأصلها العين والثاء، وكذا العين والباء والدال تعود إلى العين والدال والألف، وأصلها العين والدال؛ إذن الأصل عَثّ يعود إلى عَثَا، ثم من عَثَا يأتي الأصل الثلاثي عَبَثَ، وأيضًا عَدّ أخذ منها عَدَا، ثم من عَدَا يأتي الأصل الثلاثي العين والباء والدال.
وهذا الرأي يتّسم بالتكلف، ولا يستلزم انسلاخَ الحرف الحصين الواقع وسط الكلمة، وهذا غير مقبول، وكيف تبقى المادة لتدلّ على معناها بعد انسلاخه، ولماذا اختصت الباء وحدها بأن تكون هي الزائدة حشوًا؛ إن هذا افتراض وظن.
وأترك الدكتور صبحي الصالح يعترض للعليلي ويرد رأيه، فيقول: والنتيجة التي انتهى إليها العليلي تتلخص في أن مطلق الثلاثي نشأ عن الثنائي على هذه الصورة التي عليها المُعلّات بزيادة حرف من الهجاء غالبًا ما يكون حشوًا في وسط الكلمة، ولكنّه وقع في تكلفٍ عجيبٍ حين أخذ في تطبيق رأيه على بعض الأمثلة، فجعل "عَبَلَ" مأخوذة من "على" المعتلة،

١.١٢ القائلون بثنائية أصول الألفاظ العربية


وأصلها العين واللام، أما الباء فهي عين الكلمة مكنوفة الفاء واللام، كأنهما سياج لها فسلمت من الحذف مع أنها هي الحرف المحشوّ المزيد، وبذل الحرف المعتل للعوارض حتّى حُذف، فكأنّ حرف الباء الصحيح المحشو تعويض عن حرف العلة الساقط المحذوف، ولو أسقطنا حرف الباء المزيدي قياسًا على سقوط الحرف المعتل لظهرت لنا الكلمة الثلاثية على صورتها الثنائية الحقيقية، فإذا هي العين واللام فقط، فأيّ جامع يجمعها بعد هذا بهاتين المادتين العين والباء الثاء، والعين والباء والدال... وما أشبههما من المواد التي تتوسطها الباء؟ إن "عبث" تعود حينئذٍ إلى "عثّ" وصورتها المعتلة "عثا" أما "عَبَدَ" فتعود إلى "عدّى" وصورتها المعتدلة "عَدَا".
ثم يقول الدكتور صبحي: فما هذه النظرية من الواقعية في شيء، ولا تمت إلى الحقيقة التاريخية بسبب، وإن الأمر لا يعدو عن الاحتمال والظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا. انتهى كلامه.


١.١٢ القائلون بثنائية أصول الألفاظ العربية


الوجهة الثالثة
أن الثلاثيّ أُخِذَ من أصلين ثنائيين على طريق النحت، وذلك إذا أمكن أن يكون لكل من الأصلين معنًى في نفسه، نحو القطف الدال على القطع والجمع، فإنه مأخوذ من القطع الدال على الجمع، ومن اللّف الدال على الجمع أيضًا، ونحو القمش، قمش الشيء يقمشه قمشًا: جمعه من ها هنا وها هنا، فالقمش دال على جمع ما على الأرض من فتات، فإنه مأخوذ من القم، قم البيت ونحوه: كنس، القم الدال على الكنس، والقش الدال على الجمع، يقال: قش الإنسان: إذا جمع من هنا وها هنا .
ولم يوافق علماء اللغة على هذا الرأي لعدم اطراده في مواد اللغة.
على أية حال؛ لقد رأى هؤلاء -والجميع مما ذكرت منتمون إلى فكرة الثنائية- أن نظريتهم تحل كثيرًا من المشكلات اللغوية التي لم تستطع النظرية الثلاثية أن تضع لها حلولًا أو تفسيراتٍ مقبولة، ومن تلك المشكلات تتعدّد المعنى للفظ الواحد إما عن سبيل المشترك أو المتضاد، فأصحاب الثنائية لا يوافقون أصحاب الثلاثية على العوامل التي تسبّب تغير المعنى عند تعدد دلالات اللفظ، وهي الانتقال من الحقيقة إلى المجاز، أو سوء فهم المعنى، أو الاقتراب من لغات أخرى، أو نسيان المعنى العام واستعمال الكلمة في معنى جديد، أو التطور الصوتي، ويرون أن هذه الحلول تدخل في نطاق الفرض والتخمين والاحتمال .

١.١٢ القائلون بثنائية أصول الألفاظ العربية


كما رأى أصحاب هذه النظرية أنها تتّفق مع الواقع والطبيعة في تدرج الأشياء -كما سبق- ولذا لم يقصروها على العربية أو الساميات، وإنما لاحظوها أيضًا في لغات أخرى كالإنجليزية والفارسية... وغيرهما.