٤.١٢ نمو ألفاظ العربية ومعانيها


لقد عقد أحمد بن فارس في كتابه (الصاحبي) بابًا بعنوان: باب الأسباب الإسلامية، وعقد السيوطي في (المزهر في علوم اللغة وأنواعها) النوع العشرين بعنوان: معرف الألفاظ الإسلامية، ونقل شيئًا مما كتبه أحمد بن فارس في (الصاحبي) يقول ابن فارس:
"كانت العرب في جاهليتها على إرثٍ من إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم، فلما جاء الله -جل ثناؤه- بالإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات، وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ عن مواضع إلى مواضع أخر، بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت، فعفَّى الآخرُ الأول، وشُغل القومُ -بعد المغاورات، والتجارات، وتتطلب الأرباح، والكدح للمعاش في رحلتا الشتاء والصيف، وبعد الإغرام بالصير والمعاقرة أو المقامرة، والمياسرة- شغل القوم بتلاوة الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبالتفقه في دين الله -عز وجل- وحفظ سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع اجتهادهم في مجاهدة أعداء الإسلام، فصار الذي نشأ عليه آباؤهم ونشئوا هم عليه كأن لم يكن، وحتى تكلموا في دقائق الفقه وغوامض أبواب المواريث، وغيرها من علم الشريعة، وتأويل الوحي بما دُوِّن وحُفظ حتى الآن" انتهى كلام ابن فارس.
أقول: لقد طرأ نموٌّ على ألفاظ العربية ومعانيها بسبب الإسلام، وأوجزُ أهم مظاهر هذا النمو فيما يلي:

٤.١٢ نمو ألفاظ العربية ومعانيها


أولًا: انتقاء الألفاظ وتهذيبها
فقد أخذ العربيُّ ينتقي ألفاظه ويهذبها، في ضوء ما جاء به الأصلان العظيمان -القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف- وما نتج عن ذلك من فكر راقٍ وتقدم حضاري، وقد تمثل هذا الانتقاء في عدة أمور؛ أهمها: إهمالُ كثيرٍ من الألفاظ التي يأباها الذوق اللغوي الجديد؛ لوحشيتها وتنافرها مثل: مستشزرات ونحوها، حيث تأثر العرب بسنن القرآن في ترقيق اللغة وتهذيبها. كما تمثل الانتقاء في أمر آخر: هو إهمال كثير من الألفاظ التي نهى الشرع عن مضمونها، وقد ذكر السيوطي بعض هذه الأمثلة قال: ومن الأسماء كانت فزالت بزوال معانيها قولهم: المرباع، والنشيطة، والفضول. يقول السيوطي: ومما ترك أيضًا: الإتاوة، والمكس، والحلوان. وذكر بعض الأساليب أيضًا التي تركت، قال: وكذلك قولهم: أنعم صباحًا، وأنعم ظلامًا، وقولهم للملك: أبيت اللعن، وترك أيضًا قول المملوك لمالكه: ربي، وقد كانوا يخاطبون ملوكهم بالأرباب.

تمثل انتقاء الألفاظ في أمر آخر: وهو إهمال كثير من الألفاظ، واستبدال غيرها مكانها دفعًا لشبهة أو غرض لا يتفق مع الدين الجديد، نحو أسماء الأيام والشهور التي تتصل بعبادة الأوثان، وقد أطلعنا الفراء على تسمياتٍ قديمة للأيام والشهور عند العرب في كتابه (الأيام والليالي والشهور) فذكر: أن الأحد كان يسمى: الأول، والاثنين: الأهول، والثلاثاء: الجبار، والأربعاء: الدُّبار، والخميس: المؤنس، والجمعة: العروبة، والسبت: الشيار. وذكر أن شهر الله المحرم كان يسمى: المؤتمر، وصفر كان يسمى: الناجر، وربيع الأول: الخوان، وربيع الثاني: البصان، وجماد الأولى: الحنين، وجماد الآخرة: الورنة، ورجب: الأصم، وشعبان: الوعل، ورمضان: الناتق، وشوال: العاذل، وذا القعدة: الهواع، وذا الحجة: البُرَك.

٤.١٢ نمو ألفاظ العربية ومعانيها


ثانيا: التوسع في دلالة الألفاظ
لقد قضت حياة العرب الجديدة في ظل الإسلام أن يعبروا بألفاظ قديمة عن دلالات لم يكن لهم بها إلف من قبل، فنرى ألفاظًا دينية اكتسبت إلى معانيها القديمة معاني جديدة، وقد ذكر السيوطي في (المزهر) وكذلك ابن فارس في (الصاحبي) عددًا من تلك الألفاظ، يقول السيوطي: فكان مما جاء في الإسلام ذكر المؤمن، والمسلم، والكافر، والمنافق، وإن العرب إنما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق، ثم زادت الشريعة شرائط وأوصافًا بها سمي المؤمن بالإطلاق مؤمنًا. وكذلك الإسلام والمسلم، إنما عرفت منه إسلام الشيء، ثم جاء في الشرع من أوصافه ما جاء. وكذلك كانت لا تعرف من الكفر إلا الغطاء والستر، فأما المنافق فاسم جاء به الإسلام لقوم أبطنوا غير ما أظهروه، وكان الأصل من نافقاء اليربوع، ولم يعرفوا في الفسق إلا قولهم: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وجاء الشرع بأن الفسق الإفحاش في الخروج عن طاعة الله، ومما جاء في الشرع: الصلاة، وأصله في لغتهم: الدعاء، وقد كانوا يعرفون الركوع والسجود وإن لم يكن على هذه الهيئة .

٤.١٢ نمو ألفاظ العربية ومعانيها


ثالثا: التعريب وإدخال ألفاظٍ من اللغات الأخرى
لقد سلكت العربية سبل غيرها من اللغات في الاستعارة من غيرها؛ فأخذت ما لم تعرفه من قبل في ميادين السياسية، والإدارة، والعلوم، والصناعات، والديانات غير الإسلامية، وبخاصّة بعد ترجمة التوراة والإنجيل إلى العربية، واستخدام غير المسلمين هذه اللغة في عباداتهم؛ حيث منح الإسلام أهل هذه الديانات حرية التعبير، وجادلهم بالتي هي أحسن، وقد وسعت العربية أفكارهم وفلسفاتهم؛ ولذلك اشتملت العربية على ألفاظ مثل: أنبا وتلميذ وقسيس وكراس وكهنوت ولاهوت وناقوس... إلى آخره ما يعرفه النصارى واليهود.

رابعا: استحداث ألفاظ جديدة
أحدث العرب ألفاظًا جديدةً لم يكن للعربية عهدٌ بها في الجاهلية، أو كان لها عهد لكنه غير معروف، وقد سجلت كتب اللغة وكتب غريب الحديث وغيرهما ألفاظًا لم تسمع إلا من النبي -صلى الله عليه وسلم- أو من بعض أصحابه أو من بعض العلماء المشهود لهم بالفصاحة؛ بل سجلت كتب اللغة أساليبَ أيضًا بجانب الألفاظ، وقد نقل السيوطي في(المزهر) بعضًا من تلك الأساليب والألفاظ؛ منها قوله: وفي (فقه اللغة) للثعالبي: إذا مات الإنسان من غير قتل، قيل: مات حتف أنفه، وأول من تكلم بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم. هذا ولم يقتصر توليد الألفاظ على زمن الاحتجاج باللغة، وإنما استمر هذا التوليد إلى الآن، فيما يعرف: بالمولد تارة، والمحدث تارة أخرى، وكتب المعاجم القديمة والحديثة اشتملت على قدر كبير منه، وهذا جدير بأن يعالج في بحث خاص.

٤.١٢ نمو ألفاظ العربية ومعانيها