أولًا: انتقاء الألفاظ وتهذيبها
فقد أخذ العربيُّ ينتقي ألفاظه ويهذبها، في ضوء ما جاء به الأصلان العظيمان -القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف- وما نتج عن ذلك من فكر راقٍ وتقدم حضاري، وقد تمثل هذا الانتقاء في عدة أمور؛ أهمها: إهمالُ كثيرٍ من الألفاظ التي يأباها الذوق اللغوي الجديد؛ لوحشيتها وتنافرها مثل: مستشزرات ونحوها، حيث تأثر العرب بسنن القرآن في ترقيق اللغة وتهذيبها.
كما تمثل الانتقاء في أمر آخر: هو إهمال كثير من الألفاظ التي نهى الشرع عن مضمونها، وقد ذكر السيوطي بعض هذه الأمثلة قال: ومن الأسماء كانت فزالت بزوال معانيها قولهم: المرباع، والنشيطة، والفضول.
يقول السيوطي: ومما ترك أيضًا: الإتاوة، والمكس، والحلوان. وذكر بعض الأساليب أيضًا التي تركت، قال: وكذلك قولهم: أنعم صباحًا، وأنعم ظلامًا، وقولهم للملك: أبيت اللعن، وترك أيضًا قول المملوك لمالكه: ربي، وقد كانوا يخاطبون ملوكهم بالأرباب.
تمثل انتقاء الألفاظ في أمر آخر: وهو إهمال كثير من الألفاظ، واستبدال غيرها مكانها دفعًا لشبهة أو غرض لا يتفق مع الدين الجديد، نحو أسماء الأيام والشهور التي تتصل بعبادة الأوثان، وقد أطلعنا الفراء على تسمياتٍ قديمة للأيام والشهور عند العرب في كتابه (الأيام والليالي والشهور) فذكر: أن الأحد كان يسمى: الأول، والاثنين: الأهول، والثلاثاء: الجبار، والأربعاء: الدُّبار، والخميس: المؤنس، والجمعة: العروبة، والسبت: الشيار. وذكر أن شهر الله المحرم كان يسمى: المؤتمر، وصفر كان يسمى: الناجر، وربيع الأول: الخوان، وربيع الثاني: البصان، وجماد الأولى: الحنين، وجماد الآخرة: الورنة، ورجب: الأصم، وشعبان: الوعل، ورمضان: الناتق، وشوال: العاذل، وذا القعدة: الهواع، وذا الحجة: البُرَك.