٣.١١ موقف المحدثين من قضية التذكير والتأنيث
 |
إنّ اللغات -على وجه العموم- تعالج ما يدل على التأنيث علاجًا مباينًا لما يدل على التذكير، فتقسِّم الأسماء إلى طائفتين: تلك التي تعبر عن التأنيث، وتلك التي تعبر عن التذكير، ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أن اللغات البشرية حين نستعرضها، ونحاول أن نتبيّن مسلكها من الأسماء، نراها طرائق شتى، ولا تكاد تسير وفق منهجٍ عقليٍّ منطقي، فمنها ما لا نراه في علاج الأسماء ينظر إلى تأنيثٍ حقيقيّ أو تذكير حقيقي، وإنما تقسّم أسماؤها إلى طوائف حسب صيغتها، ورأى أن الفصيلة الهندية الأوربية قد جاءت بثلاث طوائف من الأسماء لكلٍ منها سلوكه اللغوي الخاص: أسماء للمؤنث، وأسماء للمذكر، وأسماء لما هو محايد لا هو من هذه ولا من تلك، ورأى أن الفروع الحديثة للغة اللاتينية -كالفرنسية والأسبانية والإيطالية- قد فقدت تلك الظاهرة التي كانت شائعةً في اللاتينية من اعتبار بعض الأسماء المحايدة، وأصبحت تلك الأسماء في هذه اللغات الحديثة إما مؤنّثةً أو مذكرةً. |
 |
ورأى الدكتور إبراهيم أنيس أيضًا أن معاجم اللغة العربية روت لنا اختلاف القبائل في تذكير بعض الكلمات وتأنيثها، مثل كتاب يستعمل مؤنثًا عند بعض قبائل اليمن، ومثل العضد والعجز يستعمل كل منهما مذكر عند أهل تهامة، كما روي لنا أن أهل الحجاز يؤنّثون الطريق والصراط والسبيل والسوق، في حين أن بني تميم يذكرون كلًّا من هذه الكلمات. |
٣.١١ موقف المحدثين من قضية التذكير والتأنيث
 |
ثم يقول الدكتور: وتعرض كتب اللغة لموضوع المذكر والمؤنث فتفيض في شرح ما يجوز فيه التأنيث والتذكير، وموقف القبائل المختلفة من كلمات معينة في اللغة العربية، ومن ذلك ما جاء في (المخصص) لابن سيده، من أن جمع الجنس كـ: البقر، والتمر، يذكر ويؤنث، وجاء في التنزيل بالأمرين جميعًا، فمن التذكير قوله تعالى : ((مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا)) [يس: ٨٠ ] و((أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر)) [القمر: ٢٠]. |
 |
ومن التأنيث قوله تعالى: ((أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَة)) [الحاقة: ٧] ، ثم يرى ابن سيده أن الأمرين سواء عند جماع أهل اللغة، غير أن أبا حاتم يقول: إن أكثر العرب يجعلون جمع الإنس مذكرًا، وهو الغالب الذي عليه أكثر كلامهم، ثم يقرر بعد ذلك أن أهل الحجاز وغيرهم يؤنثون أحيانًا بعض هذه الكلمات، ولكنهم لا يقيسون ذلك في كل شيء. |
 |
ثم يؤكد الدكتور إبراهيم أنيس أن فكرة التأنيث والتذكير قد اختلطت بعناصر لا تمت للمنطق العقلي بسبب، يقول: ولذا نرى النحاة من العرب يقسمون التأليف إلى مؤنث حقيقي ومؤنث مجازي، ولكلٍّ منهما أحكامه اللغوية التي تشترك في أمور وتختلف في أمور؛ ولذا أيضًا نرى اللغة تقبل نصوصًا مثل: المرأة الكاعب، والناهد، والعانس، والحامل، والمرضع، والأيم، والعاقل، ومثل: البقرة القارض، والظبية العاطف. |
٣.١١ موقف المحدثين من قضية التذكير والتأنيث
 |
قال: ولا بد من معرفة ما تتجه إليه ظاهرة التذكير والتأنيث في تطورها من دراسة المؤنث المجازي في اللهجات العربية دراسة شاملة مستقاة. |
 |
وقد التقط الدكتور صبحي الصالح هذه القضية التي طرقها الدكتور إبراهيم أنيس، وأكّد أن الاختلاف في تذكير الألفاظ وتأنيثها لا يمت إلى المنطق العقلي بصلة ، ونقل عن المبرِّد ما معناه: أن الصفات الدالة على التأنيث من غير علامات لا تخضع للمنطق، كما ذكر أن ابن سيده قد لاحظ تردد جمع الجنس بين التذكير والتأنيث في كلام العرب وفي التنزيل، فنبّه عليه. |
٣.١١ موقف المحدثين من قضية التذكير والتأنيث
٣.١١ موقف المحدثين من قضية التذكير والتأنيث
٣.١١ موقف المحدثين من قضية التذكير والتأنيث