٢.١١ من مسائل المذكر والمؤنث لابن الأنباري


اهتمام ابن الأنباري بقضية التذكير والتأنيث

لقد ترك لنا أبو القاسم بن الأنباري كتابه (المذكر والمؤنث) وهو خير ما ألف، ولا نرى كتابًا آخر يجاريه ويباريه، والكتاب يشهد على عمق ثقافة أبي بكر، ووفرة محصوله من علم اللغة وأشعار العرب، وقد عُرِفَ عن أبي بكر كثرة الحفظ.
والمؤلفون الذين عالجوا موضوع المذكر والمؤنث قبل ابن الأنباري كانوا يذكرون حكم الكلمة في التذكير والتأنيث من حيث استعمالها، فيقولون مثلًا: العين مؤنثة، الرأس مذكر -في معنًى من المعاني- ولكن ابن الأنباري نَهَجَ نهجًا آخر؛ حيث يذكر معاني كل كلمةٍ واستعمالاتها، ثم يبيّن حكم كل استعمالٍ في التذكير والتأنيث.
فلنتصفح هذا الكتاب، ونلتقط منه ما يدل على ثقافة الشيخ وعمق علمه.


٢.١١ من مسائل المذكر والمؤنث لابن الأنباري


بعض أبواب الكتاب
لقد قدّم الشيخ الأنباري لكتابه مقدمةً يقول فيها: اعلم أنّ من تمام معرفة النحو والإعراب معرفةَ المذكر والمؤنث؛ لأن من ذكّر مؤنثًا أو أنّث مذكرًا كان العيبُ لازمًا له كلزومه مَن نصب مرفوعًا أو خفض منصوبًا، وأنا مفسِّر في كتابي هذا -إن شاء الله- التأنيث والتذكير، ومبينٌ ذلك بابًا بابًا، وأصلًا أصلًا، وفرعًا فرعًا، ومحتجٌّ على التأنيث والتذكير بأشعار العرب ولغاتها.
وقد اشتمل كتاب شيخنا على مجموعةٍ من الأبواب، منها:
باب: تفصيل الأسماء والنعوت المؤنثة وذكر ما يجري منها وما لا يجري. يليه باب: ذكر ما تدخله علامة التأنيث وما لا تدخله من النعوت التي جاءت على مثال فاعل. ومنها باب: تسمية علامات المؤنث وذكر ما يكون منها في الأسماء والأفعال والأدوات. ومنها باب: ما يذكّر من الإنسان ولا يؤنث. ومنها باب: ما يؤنث من الإنسان ولا يذكّر. ومنها باب: ما يذكّر من الإنسان ويؤنّث. ومنها باب: ما يذكّر ويؤنّث من سائر الأشياء.
وسوف أقتطف أمثلةً من هذه الأبواب التي ذكرتها، يقول في الباب الأول -وهو باب تفصيل الأسماء والنعوت المؤنثة وذكر ما يجري منها وما لا يجري-: اعلم أن الأسماء المؤنثة تنقسم على أربعة أقسام:

٢.١١ من مسائل المذكر والمؤنث لابن الأنباري


أن يكون الاسم المؤنث فيه علامة فاصلة بينه وبين المذكر، كقولك: خديجة، وفاطمة، وليلى، وسعدة، وعفراء، الهاء والياء والمد فواصل المذكر والمؤنث.

٢.١١ من مسائل المذكر والمؤنث لابن الأنباري


وفي باب
ذكر ما تدخله علامة التأنيث وما لا تدخله من النعوت التي جاءت على لسان فاعل، يقول: اعلم أن فاعلًا إذا اشترك فيه الرجال والنساء دخلتْه هاء التأنيث، كقيلك: رجل قائم وامرأة قائمة، وإذا انفرد به النساء دون الرجال لم تدخلْه هاء التأنيث، كقيلك: امرأة حائض، وطالق، وطامث، فإن قال قائل: لمَ قالت العرب: امرأة حائض، وطالق، وطامث -فلم يدخلوا الهاء في هؤلاء النعوت! قيل له: في هذا ثلاثة أقوال:
القول الأول للفراء وأصحابه: يقول ابن الأنباري: قال الفراء وأصحابه: الهاء تثبت في قائمةٍ وقاعدةٍ فرقًا بين المذكر والمؤنث؛ لأنهم لو قالوا: امرأة قائم لالتبس بقولهم: رجل قائم، فلمّا كان ذلك كذلك احتاجوا إلى هاءٍ تفصل بها بين فعل المذكر والمؤنث، ولمّا قالوا: امرأة حائض وطالق وطامث، لم يحتاجوا إلى هاءٍ تفصل بين فعل المذكر والمؤنث؛ لأن المذكر لا حظّ له في هذا الوصف.

٢.١١ من مسائل المذكر والمؤنث لابن الأنباري


وانتصر ابن الأنباري لرأي الفراء، قال: ومما يدل على صحة قول الفراء وعلى فساد القولين الآخرين أنهم يقولون: امرأة قاعدة -بالهاء- إذا أرادوا الجلوس، فيدخلون الهاء في هذا النعت؛ لأنه يشترك فيه الرجال والنساء. ويقولون: امرأة قاعد، للتي قعدت عن الحيض، فلا يدخلون الهاء في هذا النعت؛ لأنه لا حظّ للرجال فيه، وكذلك يقولون: امرأة قاعد، إذا أرادوا أنها قعدت عن الولد ويئست منه، فهذا وصفٌ لا يكون إلا للنساء، ولا يُحتاج فيه إلى علامة التأنيث .
ثم يقول ابن الأنباري: ومما يدل أيضًا على صحة قوله وفساد القولين الآخرين، أن يعقوب بن السكيت حكى عن الأصمعي أنه قال: يقال: امرأة طاهر، إذا أردت الطهر من الحيض، فإذا أردت أنها نقية من العيوب والدنس قلت: طاهرة. قال أبو بكر: ففرقهم بين هذين المعنيين بتذكير ما ليس للرجال فيه حظّ، وتأنيث ما يشترك فيه الرجال والنساء؛ يدل على صحة قول الفراء.
ويقول ابن الأنباري في بابٍ عنوانه: باب تسمية علامات المؤنث وذكر ما يكون منها في الأسماء والأفعال والأدوات: اعلم أن للمؤنث خمس عشرة علامة، ثمان منها في الأسماء، وأربع في الأفعال، وثلاث في الأدوات، فأما اللاتي في الأسماء فالألف المكسورة الممالة إلى الياء، كقولك: ليلى، وسلمى، وسعدى، والألف الممدودة كقولك: حمراء، وصفراء، والسراء، والضراء، والتاء كقولك: أخت، وبنت، والهاء كقولك: طلحة، وحمزة، وقائمة، وقاعدة، وهي تكون هاءً في الوقف، والألف والتاء في الجمع كقولك: المسلمات، والصالحات، والهندات، والجملات، والنون كقولك: هن، وأنتن، والكسرة كقولك: أنت، والياء كقولك: هذي قامت.

٢.١١ من مسائل المذكر والمؤنث لابن الأنباري


وأما اللاتي في الأفعال التاء كقولك: قامت، وقعدت، وتقوم، وتقعد، والياء كقولك: تضربين زيدًا، واضربي زيدًا، والكسرة في الحرف المختلط بالفعل الذي قد صار كأنه من الفعل، كقولك: قمتِ، وقعدتِ، وأحسنتِ، وأجملتِ؛ وذلك أن النحويين يسمون قمت وبعت ثلاثيًّا؛ لأن التاء اختلطت به، فصار معها ثلاثة أحرفٍ، ويسمون "قضيت" و"سعيت" و"غزوت" و"دعوت" و"عفوت" رباعيًّا؛ لأن التاء اختلطت به فصارت كأنها حرف من الفعل، وصار بها أربعة أحرف، والنون التي اختلطت بالفعل فصارت كبعض حروفه كقولك: قمنا وقعدنا.
يقول ابن الأنباري: وأما اللاتي في الأدوات فالتاء، كقولك: ربت رجل ضربت، وقمت ثمت قعدت. ويقول ابن الأنباري: والهاء كقولك في الوقف على هيهات: هيهاه.
ثم ذكر بعض الأمثلة في "باب ما يذكر من الإنسان ولا يؤنث" ، يقول ابن الأنباري: من ذلك الوجه، والرأس، والحلق، والشعر، والفم، والحاجب، والجبين، والصدغ، والصدر، واليافوخ، والدماغ، والخد، والأنف، والمنخر، والفؤاد، والذقن، والبطن، والقلب، والطحال، والخصر، والحشى، والظهر، والمرفق، والزند، والأظفار، والأنياب، والأضراس، والعصص، وكل اسمٍ للفرج من الذكر والأنثى مذكر أيضًا، والمنكِب، والنحر، والرَّكَب ، والكوع، والشُّفْر والجفن، والهدب ،والمحجر ، والنِّقَاب، والحجاج ، والمأق.

٢.١١ من مسائل المذكر والمؤنث لابن الأنباري


ثم عقد بابًا بعنوان "باب ما يؤنث من الإنسان ولا يذكر" يقول فيه: العين والأذن ، والكبد ، والإصبع ، والعقب ، والساق ، والفخذ ، واليد ، والكف ، والرِّجْل ، والضِّلَع ، والقدم ، والسن ، والوَرِق ، والأنامل ، والبراجم ، والرواجب مؤنثة -واحدتها راجبة- ، والأنامل وهي أطراف الأصابع، والسلاميات -الواحدة سلامة- وهي قصب الأصابع ، والقتب من أقتاب البطن وهي من الأمعاء، واليمين من الإنسان ، والشمال ، والكَرِش ، والعَجز.
ثم يذكر بابًا بعنوان "ما يذكّر من الإنسان وما يؤنث، ومن أمثلته: العنق، يقول ابن الأنباري: قال الفراء: هي مؤنثة في قول أهل الحجاز، يقولون: ثلاث أعناق، وهي مذكّرة في لغة غير الحجازيين، وينقل عن السجستاني أن التذكير هو الغالب عليه.
ويذكر أيضًا العَضُد أن بعض العرب يؤنثونها، وغير تميم ، ويذكّرونها، واللسان يذكّر، وربما أنّث إذا قصدوا باللسان قصد الرسالة أو القصيدة من الشعر، والعاتق يذكّر ويؤنّث أيضًا، والقفا يذكر ويؤنث والتذكير أبلغ عليه، والمعى يقول ابن الأنباري: أكثر الكلام تذكيره، يقال: هذا معًى، وثلاثة أمعاء، وربما ذهبوا به إلى التأنيث كأنه واحد دل على جمع .
ثم يعقد ابن الأنباري بابًا بعنوان "ما يذكّر ويؤنث من سائر الأشياء" يذكر فيه: السلطان قد يذكر ويؤنث، والسُّلّم ينقل عن الفراء أنه ذكر، واحتج بقول الله -جل ثناؤه- : ((أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ)) [الطور: ٣٨] وقال: وقد أنشدتُ بيتًا في تأنيث السُّلّم .

٢.١١ من مسائل المذكر والمؤنث لابن الأنباري


والسِّكّين نقل عن السجستاني أنه مذكّر، قال: وسألت أبا زيد الأنصاري والأصمعي وغيرهم ممن أدركنا، فكلهم يذكره، وينكر التأنيث، والقدر أنثى، وينقل عن الفراء قوله: وبعض قيسٍ يذكّرها، والسبيل يذكر ويؤنث، والعنكبوت تذكر وتؤنث، والهدى يذكر ويؤنث، والحانوت يذكر ويؤنث، والدلو تذكر وتؤنث، والخمر تؤنّث وتذكّر، والتأنيث أغلب عليها.
والطريق يؤنثه أهل الحجاز، ويذكره أهل نجد، والتذكير فيه أكثر من التأنيث وأجود، والعسل يذكر ويؤنث. والأنعام تذكر وتؤنث ، والسلاح يذكر ويؤنث، والسوق تذكر وتؤنث، والصاع أهل الحجاز يؤنثونه، وأسد وأهل نجد يذكرونه، والسَّلْم -بمعنى الصلح- يذكر ويؤنث، والإزار يذكر ويؤنث.والجحيم يذكر ويؤنث، والفردوس يذكر ويؤنث، والزوج يذكر ويؤنث، والصهر يذكّر ويؤنّث.