٣.١٠ تعقيب على الروايات التي ذكرها ابن فارس والسيوطي


أولًا: يرى ابن فارس أن الخط العربي أو الكتابة العربية لم تكن نادرة، وإنما كانت منتشرة نوع انتشار على عكس ما يراه بعض الباحثين من أن الكتابة العربية كانت نادرة، ومن هؤلاء ابن قتيبة، والبلوي، وأيد هذا نفرٌ أيضًا من المحدثين منهم حفني ناصف، وبعض المستشرقين منهم إسرائيل ألفونس.
ولم يكن ابن فارس وحده القائل بأن الخط العربي كان منتشرًا نوع انتشار، فقد قال بهذا أيضًا السخاوي علي بن عبد الصمد ونفرٌ كثير من المحدثين، والكل أجمع على من ذكرت من أصحاب الرأي الأول على أن معرفة عرب الجاهلية للكتابة لم تعد موطن شك، فإن كثرة منهم في الحواضر وقلة في البوادي كانت تقرأ وتكتب، ولم يكن انتشار الكتابة مقصورًا على مكان بعينه، فقد وُجِدَ من يقرأ ويكتب في مكة والمدينة وأطراف الجزيرة كالحيرة، والبحرين، والأنبار أطراف العراق وأطراف الشام، وجنوب الجزيرة بالطبع كانت معقل الخط العربي القديم المعروف بالمسند. انظر رسم المصحف الصفحة الثالثة والعشرين وما بعدها.
ثانيًا: أصل الخط: علمنا أن ابن فارس يرى أن الخط توقيف من الله -عز وجل- وإلهام منه ولا دخل للإنسان فيه، وعلمنا من مجمل الروايات التي ذكرها أحمد بن فارس ونقلها عنه وعن غيره السيوطي في (المزهر) أن الخط نسب إلى آدم كما نسب إلى إسماعيل وولده وإدريس وحمير بن سبأ، وكما نسب إلى جماعة أبجد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، والقرشيات، ولكن هذه الروايات لم تنل القبول التام من قِبَل كثير من الدارسين المحدثين في عصرنا.

٣.١٠ تعقيب على الروايات التي ذكرها ابن فارس والسيوطي


إن الخط العربي كان يسمى في الجاهلية بالجزم وفُسّر هذا الاسم وعُلل للتسمية بأن الخط العربي ما سمي جزمًا إلا لأنه جزم من المسند المنتشر في جنوب الجزيرة وغيرها أي أخذ منه، المسند -كما قلت- خط حمير أيام ملكه، وقد قال بهذا ابن دريد، ونرى أيضًا هذا القول عند العلامة أبي الفتح عثمان بن جني.
وهذا الرأي يشير إلى أن الخط العربي أصله من الخط اليمني، وهو المعروف بالمسند، حيث انتشر هذا الخط أيام دولة التتابعة فهو المعروف بالخط الحميري، ثم انتقل إلى الحيرة أيام دولة آل المنذر وهم نسباء تتابعة اليمنيين، ثم انتقل من الحيرة إلى أهل الطائف وقريش، وقد مال إلى هذا الرأي ابن خلدون في مقدمته، أو في كتابه المعروف بكتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر) وأيده نفر من المحدثين، لكن هذا الرأي أيضًا لم ينل القبول التام؛ لأن الاكتشافات الحديثة الاكتشافات الأثرية تنفي الصلة بين الخطين.
علمنا من الروايات أيضًا أن رجالًا ثلاثة وضعوا الخط العربي بعد إفادتهم من الكتابة السامية، هؤلاء الثلاثة هم مرامر وأسلم وعامر، هؤلاء قاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، ثم انتقل الخط إلى أهل الأنبار، ثم انتقل بعد ذلك إلى الحيرة، وممن أيد هذا وذكره ابن النديم، ولكن هذا الرأي أيضًا لم ينل القبول التام.

٣.١٠ تعقيب على الروايات التي ذكرها ابن فارس والسيوطي


فالكتابة السريانية لم تكن إحدى مراحل الخط العربي عند المدققين الذين بحثوا هذه القضية مؤكدين أنه لا يُقبل أن يكون هؤلاء أول واضعي الخط العربي لظهور نقوشٍ تعود إلى وقتٍ سابقٍ على وجودهم -أي: على وجود مرامر وأسلم وعامر- وهو نهاية القرن الخامس، أو بداية القرن السادس الميلاديين، ومكانها في أماكن بعيدة عن الأنبار والعراق، وكل ما قبلوه أنه يمكن أن يكون قد عدلوا الحروف المتداولة آنذاك ذات الأصل النمطي؛ حتى تبدو أكثر تشابهًا مع الهجاء السرياني، فأطلق على عملهم اسم الجزم لا على أنهم اقتطعوا من المسند اليمني، بل لأنهم عدلوا في حروفه وجعلوه أكثر استواءً وانسجامًا، والروايات العربية تركز على الدور الذي قام به عرب العراق قبل الإسلام في تطوير الخط العربي ونقله إلى الحجاز في مكة والطائف عن طريق الحيرة ودومة الجندل.
والرأي الذي يميل إليه عديد من الباحثين المحدثين أن الكتابة العربية نشأت متأثرة بالخط النبطي، فقد اكتشفت بعض النقوش الجاهلية المكتوبة بأحد فروع الخط النبطي المتأخر الشبيه بالخطوط العربية القديمة، والمعروف أن الخطي الفينيقي المشتق من كتابات شبه جزيرة سيناء سنة ألف وثمانمائة وخمسين قبل الميلاد استُخدم لتدوين اللغة الآرامية في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد.

٣.١٠ تعقيب على الروايات التي ذكرها ابن فارس والسيوطي


والمعروف أن الخط الآرامي قد تطور في بلاد الشام وما اتصل بها إلى عدة فروع أشهرها النبطي والتدمري والسرياني والعبراني المربع، وأدت الاكتشافات الأثرية إلى وجود نوعين من الخطوط قبل الإسلام: الخط الشمالي الذي كتب به القرآن الكريم، والخط الجنوبي المشهور بالمسند، والمسند كان معروفًا وشائعًا قبل الإسلام في كل شبه جزيرة العرب وفي خارجها أيضًا مثل مصر وأطراف العراق وجزر اليونان، وامتد استعماله حتى القرنين الخامس والسادس بعد الميلاد، وزال قبل الإسلام وتلاشى على أن بداية الخط المسند غير واضحة.
وقد تطور هذا الخط -أعني المسند- في شمال الجزيرة على يد شعوب عربية قديمة إلى مجموعة من الأقلام، كما كشفت عنه النقوش اللحيانية والثمودية والصفوية، ولعل انتشار هذا الخط -أعني المسند- اعتُقد بأن الخط العربي متطورٌ عنه، ولكن لم يرض كثير من المحدثين عن هذا الاعتقاد معللين بأن الخط المسند صعب بينما الخطوط المنحدرة من الآرامية أكثر سهولة، ويمكن كتابتها في قراطيس، وقد أيد انحدار الخط العربي من الخط النبطي الآرامي -كما قلت- نفر من العلماء مستندين إلى أن الأبجدية العربية تشارك كثيرًا من الأبجديات السامية في ترتيب الحروف وفي أسمائها وفي تطور أشكالها، ترتيب الحروف أعني به ترتيب أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت.

٣.١٠ تعقيب على الروايات التي ذكرها ابن فارس والسيوطي


أما الترتيب المألوف المتبع في الزمن الحاضر في ترتيب الحروف من الألف للياء، فهو ترتيب متأخر حدث في الإسلام على يد مدرسة أبي الأسود الدؤلي، وتحديدًا يحيى بن يعمر العدواني، حيث عُدِلَ الترتيب من أبجد هوز... إلى آخره إلى ألف باء تاء ثاء جيم حاء خاء دال ذال... إلى آخره بناءً على ما تشابه من هذه الحروف، فالباء والتاء والثاء أتت متتالية لتشابه رسمها، ثم أتت الجيم والحاء والخاء في مجموعة واحدة تالية نظرًا لتشابه رسمها، والدال والذال كذلك، والراء والزاي كذلك، والسين والشين كذلك، والصاد والضاد كذلك، والطاء والظاء كذلك وهكذا.
نظرًا لترتيب حروف العربية المشابه مع ترتيب الهجاء السامي جعل هؤلاء العلماء يؤيدون انحدار الخط العربي من الخط النبطي الآرامي وأيضًا أسماء حروف العربية؛ فلا تزال الأبجدية العربية تحتفظ في تسميتها ببقايا من أسماء حروف الأبجديات السامية القديمة، وقد أحس علماء العربية بهذه الخاصية لأسماء الحروف العربية، واستدلوا بذلك على أن الألف في أول الترتيب الأبجدي، إنما هي في الأصل علامة الهمزة.
يقول ابن جني في كتابه (سر صناعة الإعراب): كل حرف سميته ففي أول حروف تسميته لفظه بعينه، ألا ترى أنك إذا قلت: جيم فأول حروف الحرف جيم، وإذا قلت: دال فأول حروفه دال، وإذا قلت: حاء فأول ما لفظت به حاء، وكذلك إذا قلت: ألف فأول الحروف التي نطقت بها همزة. انتهى كلام ابن جني.

٣.١٠ تعقيب على الروايات التي ذكرها ابن فارس والسيوطي


ويستدل من وحده أسماء الحروف في مختلف الأبجديات على وجود أصلٍ عام مشترك تفرعت عنه كل الأبجديات السامية بل اللاتينية أيضًا، وأسماء الحروف العربية تشير بذلك بصفة عامة إلى ذلك الأصل العام المشترك، كما نظر العلماء إلى أشكال حروف الكتابة العربية وتطورها، وأيدوا بناءً على ذلك انحدار الخط العربي من الخط النبطي، منعمين النظر في القلمين النبطي المتأخر والعربي القديم، وأثبتوا التشابه والتقارب بين أشكال الحروف واتصال بعض الحروف النبطية الحديثة ببعضها كما هو الشأن في الخط العربي، وأيدوا أيضًا التقارب بين القلمين في المادة واللغة والأسلوب.
كلمة أخيرة عن النبط: أما النبط فهم قوم من الساميين، وهم قبائل عربية متجولة تحضرت واستخدمت الآرامية لغة كتابية لها وكانت العربية لغة حياتهم اليومية، وقد أسس النبط في القرنيين الثاني والأول قبل الميلاد مملكة في شمال الجزيرة العربية وجنوب فلسطين وبلاد الشام.