![]() |
يواصل أحمد بن فارس كلامه بقوله: والروايات في هذا الباب تكثر وتختلف، ونقل السيوطي أيضًا هذا الكلام، ثم عقّب على ذلك بذكر روايات أخرى، فقال: ذكر العسكري عن الأوائل في ذلك أقوالًا، فقال: أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل -عليه السلام- وقيل: مرامر بن مُرة، وأسلم بن جدرة وهما من أهل الأنبار ،وقيل: أول من وضعه أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت وكانوا ملوكًا؛ فسمي الهجاء بأسمائهم، يواصل السيوطي أيضًا قوله بذكر مزيدًا من الروايات في نشأة الخط العربي يقول: وأخرج الحافظ أبو طاهر السلفي في الطيوريات بسنده عن الشعبي قال: أول العرب الذي كتب بالعربية حرب بن أمية بن عبد شمس تعلم من أهل الحيرة وتعلم أهل الحيرة من أهل الأنبار، ثم ذكر مزيدًا من الروايات قال: وقال أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف حدثنا عبد الله بن محمد الزهري حدثنا سفيان عن مجاهد عن الشعبي قال: سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: تعلمنا من أهل الحيرة، وسألنا أهل الحيرة من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار، انتهى كلام السيوطي. |
![]() |
نعود إلى كلام أحمد بن فارس يقول: والذي نقوله فيه إن الخط توقيف؛ وذلك لظاهر قوله -عز وجل - : ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)) [العلق: ١: ٥] ، وإذا كان كذا فليس ببعيد أن يُوقّف آدم -عليه السلام- أو غيره من الأنبياء -عليهم السلام- على الكتاب، فأما أن يكون مخترع اخترعه من تلقاء نفسه فشيء لا تُعلم صحته إلا من خبر صحيح؛ وقد نقل السيوطي رأي ابن فارس هذا وقال: قلت يؤيد ما قاله من التوقيف ما أخرجه ابن أشته من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "أول كتاب أنزله الله من السماء أبو جاد". |
![]() |
ثم يواصل أحمد بن فارس حديثه عن حالة ونشأة هذا الخط حين ذكر رأيًا ولم يرتضه، حيث قال: وزعم قوم أن العرب العاربة لم تعرف هذه الحروف بأسمائها، وأنهم لم يعرفوا نحوًا ولا إعرابًا ولا رفعًا ولا نصبًا ولا همزًا، ثم قال: قالوا: والدليل على ذلك ما حكاه بعضهم عن بعض الأعراب أنه قيل له: أتهمز إسرائيل؟ فقال: إني إذن لرجل سوء، قالوا: وإنما قال ذلك لأنه لم يعرف من الهمز إلا الضغط والعصر، وقيل لآخر: أتجر فلسطين؟ فقال: إني إذن لقوي. |
![]() |
يقول ابن فارس: قلنا والأمر في هذا بخلاف ما ذهب إليه ، رفض أحمد بن فارس هذا الرأي وعقب عليه بقوله: قلنا والأمر في هذا بخلاف ما ذهب إليه هؤلاء، ومذهبنا فيه التوقيف فنقول: |
![]() |
إن أسماء هذه الحروف داخلة في الأسماء التي أعلم الله -جل ثناؤه- أنه علمها آدم -عليه السلام- وقد قال -جل وعز- : ((عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)) [الرحمن: ٤] فهل يكون أول البيان إلا علم الحروف التي يقع بها البيان؟ ولِمَ لا يكون الذي علم آدم الأسماء كلها هو الذي علمه الألف والباء والجيم والدال؟ فأما من حكي عنه من الأعراب الذين لم يعرفوا الهمز والجر والكاف والدال فإنا لم نزعم أن العرب كلها مدرًا ووبرًا قد عرفوا الكتابة كلها والحروف أجمعها، وما العرب في قديم الزمان إلا كنحن اليوم، فما كلٌّ يعرف الكتابة والخط والقراءة . |
![]() |
ثم يقول: أحمد بن فارس: فإن قال قائل قد تواترت الروايات بأن أبا الأسود أول من وضع العربية، وأن الخليل أول من تكلم في العروض قيل له: نحن لا ننكر ذلك، بل نقول: إن هذين العلمين قد كانا قديمًا وأتت عليهما الأيام، وقل في أيدي الناس ثم جددهما هذان الإمام، وقد تقدم دليلنا في معنى الإعراب، وأما العروض فمن الدليل على أنه كان متعارفًا معلومًا اتفاق أهل العلم على أن المشركين لما سمعوا القرآن قالوا أو من قال منهم: إنه شعر، فقال الوليد بن المغيرة منكرًا عليهم: لقد عرضت ما يقرأه محمد على أقراء الشعر هجزه ورجزه وكذا وكذا، فلم أره يشبه شيئًا من ذلك. |
![]() |
يقول ابن فارس: أفيقول الوليد هذا وهو لا يعرف بحور الشعر؟! |
![]() |
ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم بالعربية كتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويين في ذوات الواو والياء والهمز والمد والقصر. |
![]() |
وأكتفي بهذا القول من كلام أحمد بن فارس الذي يشير فيه إلى حالة الخط العربي، وأنه لم يكن نادرًا وإنما كان منتشرًا يعرفه العرب في الجاهلية ويعرفه الصحابة وغيرهم . |
![]() |
وقد نقل السيوطي كلام ابن فارس هذا كله، ثم بعد أن انتهى من نقله ذكر مزيدًا من الأخبار في نشأة هذا الخط من ذلك ما نقله عن الجوهري في (الصحاح) قوله: قال شرقي بن القطامي: إن أول من وضع خطنا هذا رجال من طيئ منهم مرامر بن مرة. |
![]() |
ونقل السيوطي عن المسعودي في تاريخه قوله: قد كان عدة أمم تفرقوا في ممالك متصلة منهم المسمى بأبي جاد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشيات وهم بنو المحصن بن جندل بن يصعب بن مدين بن إبراهيم الخليل -عليه السلام- وأحرف الجُمّل هي أسماء هؤلاء الملوك، وهي الأربعة وعشرون حرفًا التي عليها حساب الجُمّل، وقد قيل في هذه الحروف غير ذلك، فكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز، وكان هوز وحطي ملِكين بأرض الطائف وما اتصل بها من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقرشيات ملوكًا بمدين وقيل ببلاد مضر، وكان كلمن على أرض مدين . |
![]() |
كما نقل السيوطي عن الخطيب في المتفق والمفترق قوله: أخبرنا علي التنوخي حدثنا أحمد بن يوسف الأزرق إلى أن قال: حدثني أبو الفوارس بن الحسن حدثنا بُهلول بن عبيد عن عبد الله بن فروخ عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن أبيه قال: قلت لابن عباس معاشر قريش من أين أخذتم هذا الكتاب العربي قبل أن يُبعث محمد -صلى الله عليه وسلم- تجمعون منه ما اجتمع وتفرقون منه ما افترق مثل الألف واللام؟ قال: أخذناه من حرب بن أمية، قال: فممن أخذه حرب؟ قال: من عبد الله بن جُدعان، قال: فممن أخذه ابن جُدعان؟ قال: من أهل الأنبار، قال: فممن أخذه أهل الأنبار؟ قال: من أهل الحيرة؟ قال: فممن أخذه أهل الحيرة؟ قال: من طارئ طرأ عليهم من اليمن من كنده، قال: فممن أخذه ذلك الطارئ؟ قال: من الخفلجان بن الوهل كاتب الوحي لهودٍ -عليه السلام- وهكذا أضاف السيوطي مزيدًا من الروايات في نشأة الخط العربي. |