٢.٩ باب القول على الفصل بين الكلام والقول


غاية ابن جني وهدفه من عقد هذا الباب هو: بيان معنى كلٍّ من الكلام والقول في لغة العرب واستصلاح علماء العربية، والتأكيد على أن معنى كلٍّ منهما منفصل عن الآخر؛ لذا جاء بعنوانه الفصل بين الكلام والقول، أما الكلام فكل لفظٍ مستقلٍ بنفسه مفيد لمعناه، وهو الذي يسميه النحويون: الجمل، نحو: "زيد أخوك"، و"قام محمدٌ"، و"ضرب سعيدٌ"، و"في الدار أبوك"، وصه، ومه، ورويد، وحاء وعاء في الأصوات، ولبِّ، وأف وأوه؛ فكل لفظٍ استقل بنفسه وجنيت منه ثمرة معناه فهو كلام، وأما القول: فأصله أنه كل لفظٍ مذل به اللسان تامًّا كان أو ناقصًا، فالتام هو المفيد -أعني: الجملة وما كان في معناها من نحو: صه وإيه- والناقص ما كان بضد ذلك نحو: "زيدٌ، ومحمدٌ، وإن، وكان أخوك إذا كانت الزمانية لا الحدثية -يريد الزمنية الناقصة وبالحدثية التامة- فكل كلامٍ قول وليس كل قولٍ كلامًا هذا أصله. انتهى كلام ابن جني.

٢.٩ باب القول على الفصل بين الكلام والقول


وسيلة ابن جني لتحقيق وتأكيد الفصل بين الكلام والقول

لقد فرق ابن جني بين الكلام والقول معتمدًا على لغة العرب التي تفرق بينهما بالفعل، ولكن مهارة ابن جني برزت في استخدام وسيلة لغوية لتأكيد هذا الفصل ، وهو لما وضع الكلام على ما كان مستقلًا بنفسه البتة والقول على ما قد يستقل بنفسه وقد يحتاج إلى غيره؟ وسيلته هي الاشتقاق وبالتحديد الاشتقاق الأكبر الذي يرجع الفضل في الاهتمام به إليه، حيث وضع له التسمية "الاشتقاق الكبير أو الأكبر".
الاشتقاق الكبير هو أن تأخذ أصل من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنًى واحدًا، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحدٍ منها عليه، وإن تباعد شيء من ذلك عنه رد بلطف الصنعة والتأويل إليه،وقد مضى تفصيل ذلك في الدرس الثالث.
وهذا ما طبقه ابن جني على الكلام والقول، إن نظريته في الاشتقاق الكبير أو الأكبر ظهرت في صورة تطبيقية حين فصل بين معنى الكلام ومعنى القول؛ حيث قال: فإن قيل ولم وضع الكلام على ما كان مستقلًا بنفسه البتة والقول على ما قد يستقل بنفسه وقد يحتاج إلى غيره؟ الاشتقاق قضى بذلك أم لغيره من سماعٍ متلقًّى بالقبول والاتباع؟ قيل: لا، بل لاشتقاقٍ قضى بذلك دون مجرد السماع.
وسيلته الاشتقاقية: جاءت ضرورة في صدر هذا الباب الذي يفرق فيه بين الكلام والقول؛ إذ إنه قبل أن يخوض في التفريق بينهما قدم وسيلته الاشتقاقية التي دلت على باعه الطويل في هذه النظرية التي حولها إلى تطبيق في هذا الباب.

٢.٩ باب القول على الفصل بين الكلام والقول


القول
إذن نعود إلى صدر الباب لنقرأ كلامه؛ إذ يقول: ولنقدم أمام القول على فرقٍ بينهما -يقصد بين الكلام والقول- طرفًا من ذكر أحوال تصاريفهما واشتقاقهما مع تقلب حروفهما، ثم بدأ بجذر القول وهو القاف والواو واللام، وقلبه تقليباته الستة وكلها مستعملة؛ إذ يقول: إن معنى القاف والواو واللام أينما وجدت وكيف وقعت من تقدم بعض حروفها على بعض وتأخره عنه، إنما هو للخفوف والحركة، وجهات تراكيبها الست مستعملة كلها لم يهمل شيء منها، وهي قول ، وقلو، ووقل، وولق، ولقو، وأخيرًا لوق. انتهى كلام ابن جني.
إذن التقاليب الستة يجمعها معنى عام هو الحركة، أو الخفوف والحركة.
إذن ما يأتي من ألفاظٍ للتقليب الأول، أو للثاني، أو للثالث، أو للرابع، أو للخامس، أو للسادس فإنما ترتبط بمعنى عام هو السرعة والحركة.
ويبدأ ابن جني في ذكر أمثلة لكل تركيبٍ أو تقليبٍ من هذه التقليبات فيقول:
الأصل الأول: القاف والواو واللام وهو القول، وذلك أن الفم واللسان يخفان له، ويقلقان ويمذلان به، وهو بضد السكوت الذي هو داعية إلى السكون.

٢.٩ باب القول على الفصل بين الكلام والقول


ثم ينتقل إلى الأصل الثاني وهو القاف واللام والواو، يقول: منه القلو -حمار الوحش- وذلك لخفته وإسراعه، قال العجاج:
تُواضِخ التَقريبَ قِلوًا مِحلَجا
ثم ينتقل إلى التقليب الرابع وهو: الواو واللام والقاف، ومنه ولق يلق إذ أسرع، قال -أي: قال الراجز-:
جاءَت بِهِ عَنسٌ مِنَ الشامِ تَلِق
ليفسر قوله: "تلق" بالخفة والسرعة أي تخف وتسرع، قال ابن جني: وقرئ: ((إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ)) [النور: ١٥] أي تخفون وتسرعون،
ثم ينتقل ابن جني إلى التركيب الخامس وهو: اللام والواو والقاف، يقول جاء في الحديث: ((لا آكل من الطعام إلا ما لُوِّق لي)) أي: ما خدم وأعملت بيده في تحريكه وتلبيقه حتى يطمأن وتتضام جهاته، قال: ومنه اللوقة للزبدة؛ وذلك لخفتها وإسراع حركتها .
ثم ينتقل ابن جني إلى الأصل الأخير وهو: اللام والقاف والواو، يقول: منه اللقوة للعقاب، قيل لها ذلك لخفتها وسرعة طيرانها، قال: ومنه اللقوة في الوجه، وهي مرض يعرض للوجه فيميله إلى أحد جانبيه، ويرده ابن جني إلى الخفة أيضًا فيقول: والتقاؤهما أن الوجه اضطرب شكله فكأنه خفة فيه وطيش منه، وليس له مسكة الصحيح، ثم ذكر أن اللقوة أو بكسر اللام أيضًا الناقة السريعة اللقاح، يقول: وذلك أمنها أسرعت إلى ماء الفحل فقبلته ولم تنبو عنه نبو العاقر.

٢.٩ باب القول على الفصل بين الكلام والقول


إذن قلب ابن جني القاف والواو واللام إلى ستة تقليبات وربطها بمعنى عام هو الخفة والسرعة، أو الخفوف والحركة كما ذكر، كل هذا بغرض إعلام القارئ أن القول ينتمي إلى الجذر، أو إلى التركيب الثلاثي القاف والواو واللام، وهو مرتبطٌ بالخفة والحركة حين قال: وذلك وأن الفم واللسان يخفان له، وبقيت التراكيب أيضًا تعود إلى هذا المعنى العام.

الكلام
ثم ينتقل ابن جني إلى الكلام، ويصنع معه ما صنع في القول؛ فيرد الكلام إلى الكاف واللام والميم، ثم يقلب هذه الأصوات الثلاثة إلى تقليباتها الستة؛ إذ يقول: وأما الكاف واللام والميم فهذه أيضًا حالها، وذلك أنها حيث تقلبت فمعناها الدلالة على القوة والشدة، والمستعمل منها أصول خمسة وهي: كلم، وكمل، ولكم، ومكل، وملك ، وأهملت منه اللام والميم والكاف ؛ إذن المستعمل خمسة تقليبات والسادس مهمل.
ثم بدأ بذكر أمثلة للأصل الأول وهو الكاف واللام والميم قال: منه الكلم للجرح، وذلك للشدة التي فيه، ومَثَّل للأصل نفسه بالكُلام، قال ابن جني: وقالوا الكُلام ما غلظ من الأرض وذلك لشدته وقوته، كما مَثَلَ للأصل نفسه بالكلام، قال: ومنه الكلام، وذلك أنه سبب لكل شرٍّ وشدة في أكثر الأمر.

٢.٩ باب القول على الفصل بين الكلام والقول


ثم ينتقل ابن جني إلى التقليب الثاني وهو: الكاف والميم واللام قال: من ذلك كمَل الشيء وكمُل وكمِل، فهو كاملٌ وكميل وعليه بقية تصرفه، والتقاؤهما أن الشيء إذا تم وكمل كان حينئذٍ أقوى وأشد منه إذا كان ناقصًا غير كامل.
ثم ينتقل إلى التقليب الثالث وهو: اللام والكاف والميم، قال: منه اللكم إذا وجأت الرجل ونحوه، ولا شك في شدة ما هذا سبيله، ويستشهد على ذلك ببعضٍ من الشعر.
ثم ينتقل إلى الأصل الرابع أو التقليب الرابع وهو: الميم والكاف واللام، يقول ابن جني: منه بئر مكول إذا قل ماؤها، يقول ابن جني: والتقاؤهما أن البئر موضوعة الأمر على جمتها بالماء، فإذا قل ماؤها كُرِه موردها وجفا جانبها وتلك شدة ظاهرها.
ثم ينتقل إلى التقليب الأخير الخامس وهو: الميم واللام والكاف، يقول من ذلك: ملكة العجين إذا أنعمت عجنه فاشتد وقوي، ومَثَلَ له أيضًا بملك الإنسان، قال: ومنه ملك الإنسان ألا تراهم يقولون: قد اشتملت عليه يديه، وذلك قوة وقدرة من المالك على ملكه، ومَثَّلَ له أيضًا بالملك، قال ابن جني: ومنه الملك لما يعطي صاحبه من القوة والغلبة، يقول ابن جني: وأُملكت الجارية لأن يد بعلها تقتدر عليها، فكذلك بقية الباب كله.

٢.٩ باب القول على الفصل بين الكلام والقول


ثم يؤكد ابن جني أهمية هذه المقدمة الاشتقاقية قبل الخوض في بيان معنى الكلام والقول، يقول في الصفحة السابعة عشرة: فهذا أمر قدمناه أمام القول على الفرق بين الكلام والقول؛ ليُرى منه غور هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة، ويعجب من وسع مذاهبها وبديع ما أُمد به واضعها ومبتدئها، وهذا أوان القول على الفصل، ثم عرف الكلام وعرف القول على النحو الذي ذكرناه .
إذن أفاد ابن جني من ثقافته اللغوية وبخاصة ثقافته في الاشتقاق الكبير من تأكيد معنى كلٍّ من الكلام والقول، وقد أنهى ابن جني فصله هذا بقوله: فقد ثبت بما شرحناه وأوضحناه أن الكلام إنما هو في لغة العرب عبارة عن الألفاظ القائمة برءوسها المستغنية عن غيرها، وهي التي يسميها أهل هذه الصناعة الجمل على اختلاف تركيبها، وثبت أن القول عندها أوسع من الكلام تصرفًا، وأنه قد يقع على الجزء الواحد وعلى الجملة، وعلى ما هو اعتقادٌ ورأي لا لفظٌ وجرسٌ مؤكد أن كتابه هذا ليس كتاب قواعد؛ إذ يقول: إذ ليس غرضنا فيه الرفع والنصب والجر والجزم؛ لأن هذا أمر قد فرض في أكثر الكتب المصنفة فيه منه، وإنما هذا الكتاب مبني على إثارة معادن المعاني وتقرير حال الأوضاع والمبادي، وكيف سرت أحكامها في الأحناء والحواشي.

٢.٩ باب القول على الفصل بين الكلام والقول