![]() |
يقول ابن جني في صدر حديثه عن هذا التصاقب: هذا غور من العربية لا ينتصف منه، لا ينتصف منه أي لا يدرك كله، ولا يكاد يحاط به، وأكثر كلام العرب عليه، قال: وهو على أضرب، منها اقتراب الأصلين الثلاثيين، ومنها اقتراب الأصلين ثلاثيًا أحدهما، ورباعيًا صاحبه، أو رباعيًا أحدهما، وخماسيًا صاحبه. وذكر أن هذا قد مضى. |
![]() |
ثم ذكر أن من هذا التصاقب أيضًًا التقديم، والتأخير، يقصد تقليبات المادة أي التقليبات الستة للأصل الثلاثي، ثم قال: لكن من وراء هذا ضرب غيره، وهو أن تتقارب الحروف لتقارب المعاني. هنا فسر التصاقب بالتقارب قال: وهذا باب واسع. |
![]() |
إذن الغرض من هذا الباب هو الكشف عن تقارب حروف اللفظ مع حروف لفظ آخر لتقارب معنييهما، أي أن الحروف ما تقاربت في الألفاظ إلا من أجل تقارب المعاني، ومع أمثلته تتكشف لنا حقيقة هذا الباب، قال: من ذلك قول الله سبحانه : ((أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا)) [مريم: ٨٣] قال ابن جني: أي تزعجهم وتقلقهم. قال: فهذا في معنى تهزهم هزًّا. ابن جني يقارن بين تؤزهم أزًّا وتهزهم هزًّا، المعنى الجامع: الإزعاج والقلق. |
![]() |
ينظر ابن جني إلى الأزِّ فيرى مادته الأصلية، أو جذره: الهمزة والزاي، الهمزة تمثل فاء الكلمة، والزاي تمثل عينها ولامها، ثم ينظر إلى مادة الهز فيجدها: الهاء والزاي، الهاء في موقع فاء الكلمة، والزاي في موقع العين واللام أيضًًا. |
![]() |
يقول ابن جني: والهمزة أخت الهاء فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين. |
![]() |
ثم ينقلنا ابن جني نقلة سريعة في الوقت نفسه حين يكشف لنا المناسبة بين كل لفظ من هذين اللفظين، ومعناه فيقول: وكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة : ((تَؤُزُّهُمْ أَزًّا)) لأنها أقوى من الهاء تهزهم هزًّا مع أن الهمزة أخت الهاء مخرجًا، إلا أنها أقوى منها، ولكي نوضح قوة الهمزة بالنسبة للهاء؛ فإننا نجد الهمزة صوتًا مجهورًا ، والهاء مهموسة ، والصوت المجهور أقوى من الصوت المهموس. |
![]() |
ثم يزيد ابن جني أمثلة أخرى، قال: ومنه العسْف، والأسَف، يقول ابن جني: والعين أخت الهمزة. العسف جذره: العين، والسين، والفاء، والأسف جذره: الهمزة، والسين، والفاء، لم يختلف اللفظان إلا في فاء الكلمة؛ حيث جاء لفظ العسف بالعين، وجاء لفظ الأسف بالهمزة، ومع ذلك؛ فإن العين أخت الهمزة -أي من ناحية المخرج- فالصوتان حلقيان، الهمزة من أقصى الحلق، والعين من وسط الحلق، وهما حيزان متجاوران، كما أن الأسف يعسف النفس، وينال منها، والعسيف يطلق على الأجير، والأسيف يطلق على من اشتد به الأسف. |
![]() |
يربط ابن جني بين اللفظين، وبين معنييهما، فجاء التقارب في اللفظ نظرًا للتقارب في المعنى، ثم يرتب على ذلك أمر المناسبة فيقول: والهمزة أقوى من العين، كما أن أسف النفس أغلظ من التردد بالعسف؛ فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين، انتهى كلامه. |
![]() |
ثم ينتقل إلى مثال ثالث، قال: ومنه القرمة، وهي الفقرة تحز على أنف البعير، وقريب منه: قلمت أظفاري؛ لأن هذا انتقاص للظفر، وذلك -يقصد القرمة- انتقاص للجلد، إذن المعنى الجامع للقرمة، وتقليم الأظافر هو الانتقاص، واللفظان متفقان في الفاء واللام . يقول ابن جني: فالراء أخت اللام ، والعملان متقاربان. |
![]() |
ثم ينتقل ابن جني إلى مثال آخر، يقول: ومثله تركيب العين واللام والميم في العلامة، والعلم، وقالوا مع ذلك بيضة عرماء، وقطيع أعرم إذا كان فيهما سواد وبياض، وإذا وقع ذلك بان أحد اللونين من صاحبه؛ فكان كل واحد منهما علما لصاحبه، وهو من العين والراء والميم. |
![]() |
ثم ينتقل ابن جني إلى مثال آخر، قال: ومن ذلك تركيب الحاء والميم والسين، والحاء والباء والسين، قالوا: حبست الشيء، وحمس الشر إذا اشتد، الأول: جذره: حاء وباء وسين، وحمس الشر جذره: حاء وميم وسين. إذن لم يختلفا إلا في العين؛ فهي ميم في حمِس الشر، وباء في حبست الشيء، والخلاف ليس بواسع؛ لأن الميم والباء من الأصوات الشفوية. |
![]() |
يقول ابن جني: والتقاؤهما أن الشيئين إذا حبس أحدهما صاحبه تمانعا وتعازَّا؛ فكان ذلك كالشر يقع بينهما. ثم يقول: ومنه العلب: الأثر، والعلم الشق في الشفة العليا؛ فذاك -يقصد العلب- من العين واللام والباء، وهذا يقصد العلم من العين واللام والميم. إذن الفاء فيهما واحدة، والعين فيهما واحدة، ولم يختلفا إلا في اللام، ومع ذلك فإن الخلاف ليس بواسع؛ فالباء -كما يقول ابن جني- أخت الميم؛ فكل منهما صوت شفوي. |
![]() |
ثم ينتقل ابن جني إلى أمثلة أخرى؛ ليوضح أن الخلاف قد يتسع في ظاهره؛ فلا يقتصر على حرف واحد، ولكن يمتد إلى اثنين، قال: وقد تقع المضارعة في الأصل الواحد بالحرفين نحو قولهم: السحيل، والصهيل قال: وذاك يعني السيحل من السين والحاء واللام، وهذا -يقصد الصهيل- من الصاد والهاء واللام. |
![]() |
يقول ابن جني: والصاد أخت السين في المخرج؛ كما أن الهاء أخت الحاء فهما من الأصوات الحلقية ، فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين. |
![]() |
ثم يزيد ابن جني القضية وضوحًا أيضًا بمزيد من الأمثلة، قال: وقالوا: جلف، وجرم، فهذا للقشر -يقصد جلف- وهذا للقدح يقصد جرم، وهما متقاربان معنى، متقاربان لفظًا؛ لأن ذاك -يقصد جلف- من الجيم واللام والفاء، وهذا -يقصد جرم- من الجيم والراء والميم. هذا الخلاف ليس بواسع؛ فاللام أخت الراء، فكل منهما من الأصوات الذلقية، والفاء أخت الميم؛ فهما صوتان شفويان. |
![]() |
ثم ينتقل ابن جني إلى أمثلة أخرى، جاء الخلاف بين أصواتها الثلاثة الفاء والعين واللام، لكن الخلاف ليس بواسع؛ يقول ابن جني: نعم، وتجاوزوا ذلك إلى أن ضارعوا بالأصول الثلاثة: الفاء والعين واللام، فقالوا: عصر الشيء، وقالوا: أزله إذا حبسه، والعصر ضرب من الحبس. |
![]() |
إذن الأصوات الثلاثة مختلفة في الظاهر، إلا أن هذه الأصوات أخوات، يقول ابن جني: والعين أخت الهمزة، والصاد أخت الزاي، والراء أخت اللام، العين أخت الهمزة؛ فمخرجهما الحلق، المخرج الكلي الذي يجمعهما الحلق، والصاد أخت الزاي، هما من الأصوات الأسلية، والراء أخت اللام من الأصوات الذلقية، وهكذا. |
![]() |
ثم يقول ابن جني: وقالوا: الغدر، كما قالوا: الختل، والمعنيان متقاربان، واللفظان متراسلان، فذاك من الغين والدال والراء -يقصد الغدر- وهذا من الخاء والتاء واللام -يقصد الختل- فالغين أخت الخاء، والدال أخت التاء، والراء أخت اللام. |
![]() |
يقول ابن جني: وقالوا زأر، كما قالوا: سعل لتقارب اللفظ والمعنى، والأمر واضح؛ فالزاي أخت السين، والهمزة أخت العين، والراءأخت اللام. |
![]() |
ويختم ابن جني الأمثلة بهذا المثال الأخير، قال: وقالوا: أفل كما قالوا: غبر؛ لأن أفل: غاب، والغابر غائب أيضًا، فذاك -يقصد أفل- من الهمزة، والفاء واللام، وهذا -يقصد غبر- من الغين والباء والراء؛ فالهمزة أخت الغين، والفاء أخت الباء، واللام أخت الراء. |
![]() |
ثم يعترف ابن جني بأن هذا الموضع، والكشف عن هذا التقارب يحتاج إلى صبر وتأن، يقول: وهذا النحو من الصنعة موجود في أكثر الكلام، وفرش اللغة، وإنما بقي من يثيره، ويبحث عن مكنونه، بل من إذا أوضح له، وكشفت عنده حقيقته طاع طبعه لها فوعاها وتقبلها، وهيهات ذلك مطلبًا، وعز فيهم مذهبًا، وقد قال أبو بكر: "من عرف ألف، ومن جهل استوحش". |