٣.٨ أمثلة للترادف من القرآن وغيره


أمثلة تثبت وقوع المترادف في اللغة: أتخير بعض الأحاديث والآثار، وكذا بعض الأشعار التي اشتملت على بعض الألفاظ المترادفة.
الآجام، والآطام، والحصون، والقصور، في الحديث: ( (أنه أراد -صلى الله عليه وسلم- أن يصلي على جنازة؛ فجاءت امرأة معها مجمر، فما زال يصيح بها؛ حتى توارت بآجام المدينة)) ويروى : ( (بآطامها)) . وذكر الزمخشري أن الأُجم سمي حصنا لمنعه المتحصن به من تسلط العدو، ويطلق الأجم أيضًًا على القصر -في لغة أهل الحجاز- كما يذكر الأزهري في تهذيبه، وابن منظور في لسانه. إذن تحصل لنا أن الآجام، والآطام، والحصون، والقصور من المترادفات.

٣.٨ أمثلة للترادف من القرآن وغيره


الأمثلة المترادفة الواقعة في الشعر

أنتقل إلى مجموعة أخرى من الأمثلة المترادفة الواقعة في الشعر، وأستعرض بعضها في ديوان حميد بن ثور الهلالي -وهو يمثل العربية النموذجية في أرفع صورها- مسترشدًا بالسياق، وموثقًا ما يحتاج منها إلى توثيق من كتب اللغة:
القبيلة والرهط، لفظان يدلان على الجماعة من الواحد، أما القبيلة فقد وردت في قول حميد:
وَهَل سَبَقَتنا قَبلَكُم مِن قَبيلَةٍ         بوِترٍ فَتَقتاسوا بإِحدى القَبائِلِ
وأما الرهط؛ فقد ورد في قوله:
أَيَذهَبُ أَهلي بِالفَناءِ وَإِخوَتي         وَرَهطي وَقَد أَيقَنتُ أَن سَوفَ أَذهَبُ
الخلق، والخليقة، والشمال، والنقيبة، والسجية بمعنى واحد، أما الخلق؛ فقد ورد في قول حميد يرثي صديقًا له:
كَثيراً حَلاوةُ أَخلاقِهِ         شَديدَ الحَلاوةِ صَعبًا ذَلول
وأما الشمال؛ فقد ورد في قوله:
وَساروا فأَعطَوهُ اللواءَ وَجَرّبوا         شَمائِلَ مَيمونٍ نَقيبَتُهُ مِثلي

٣.٨ أمثلة للترادف من القرآن وغيره


نلاحظ أن الشمائل جمع شِمال، وورد في البيت نفسه النقيبة أيضًا، وأما السجية؛ فقد وردت في قوله في ناقة:
جَهولٌ كأَنَّ الجَهلَ مِنها سَجيةٌ         غَشَمْشَمةٌ لِلقائِدِينَ رَهوقُ
وأما الخليقة؛ فقد، وردت في قوله:
حمى ظلها شكس الخليقة         خائف عليها عرام الطائفين شفيق
وقد أشار إلى ترادف هذه الألفاظ أعني: الخلق، والخليقة، والشمال، والنقيبة، والسجية قدامة بن جعفر في جواهر الألفاظ،
القناة، والرمح اسمان لآلة واحدة، أما القناة؛ فقد ورد في قول حميد:
وما خلتنا إذا ليس يحجز بيننا          وبين العدى إلا القِني الخواطر
والرماح الخواطر هي المهتزة المضطربة للينها، انظر (ديوان حميد) الصفحة الثامنة والثمانين، والقِني جمع قناة، وأما الرمح؛ فقد جاء في قوله:
إلى أن نزلنا بالفضاء وما لنا         به معقل إلا الرماح الشواجر
السيف، والبرَك، والهندي لآلة واحدة، أما السيف؛ فقد جاء في قول حميد:
ووصل الخُطى بالسيف والسيف بالخطى         إذا ظن أن السيف ذو السيف قاصر

٣.٨ أمثلة للترادف من القرآن وغيره


وأما البرك؛ فقد جاء في قوله:
أم استطالت بهم أرض لتقذفهم إلى المويزج         أو يدعوهم البرك
الموزيج: موضع، وأما الهندي؛ فقد ورد في قوله:
من كل أبيض هندي وسابغة         تغشى البنان لها من نسجها حبك
وقد أشار إلى ترادف هذه الألفاظ قدامة بن جعفر في (جواهر الألفاظ) .

٣.٨ أمثلة للترادف من القرآن وغيره


الترادف في القرآن

إننا إذا سلمنا بوقوع المترادف في اللغة؛ فإن التسليم بوقوع المترادف في القرآن أمر نجد فيه كثيرًا من الصعوبة، مع اعترافنا بمشقة البحث عن فروق دلالية بين ألفاظ من أصول لغوية مختلفة تكاد تعطي معنى واحدًا، ولا يلزم من وجود المترادف في اللغة التي نزل بها القرآن الكريم وجوده في القرآن الكريم؛ لأن العبرة ليست بالكلمات، أو بالألفاظ، وإنما بالمتكلم نفسه، وإذا كان الترادف في اللغة يعطي فرصة الاختيار بين الألفاظ، ويوفر البديل للكلمة؛ فإن مزية المتكلم أن يختار الكلمة، ويضعها في الموضع التي لا تصلح فيه غيرها، وإذا كانت مقدرة البشر محدودة في كل شيء؛ فإن الله تعالى متصف بطلاقة القدرة، والبشر معرضون للخطأ، والصواب، والله تعالى منزه عن الخطأ: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ))[الشورى: ١١] ومن هنا؛ فإن كلامه -جلا ثناؤه- أعلى وأرفع من أن يضاهى أو يقابل، أو يعارض به كلام، بل يستحيل معه كل مقارنة، وكيف لا يكون كذلك، وهو كلام العلي الأعلى خالق كل لغة ولسان، وصدق الله العظيم إذ يقول: ((وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)) [الشعراء: ١٩٢، ١٩٥] .


٣.٨ أمثلة للترادف من القرآن وغيره


ولا ننكر تقارب معاني بعض الألفاظ ذات الأصول اللغوية المختلفة، ولكننا لا نقول باتحادها تمامًا؛ لأن التدقيق في هذه الأصول، وملابسات النزول للآيات، وبعض الحقائق التاريخية، وترتيب نزول السور تاريخيا، وغير ذلك كل أولئك يفيد في توجيه دلالة تلك الألفاظ التي تكاد معانيها تتفق تمامًا، ومن كل ما سبق يجعل مسألة وجود الترادف في القرآن الكريم مسألة فيها نظر، وليست على إطلاقها كما ذهب إلى ذلك الدكتور صبحي الصالح؛ ولأن الترادف بالمعنى المعروف عند العلماء يدخل في باب التكرار أحيانًا كما يعطي الفرصة للقول بأن هذه الكلمة في القرآن الكريم مثلًا كان يمكن وضع مرادفها مكانها، دون أن يخل ذلك بالمعنى المراد، وهو أمر يتنافى مع الحكيم الخبير الذي أحسن كل شيء خلقه.