٣.٧ تعريف المتضاد واهتمام العلماء به وأسباب نشأته


المتضاد هو اللفظ الذي يدل على معنيين متباينين متضادين، وقد قال أحمد بن فارس والثعالبي: إن تسمية المتضادين باسمٍ واحد من سنن العرب المشهورة.

وقد أَيَّدَ وقوع المتضاد في العربية كثيرٌ مِن علمائها؛ كقطرب ، وأبي زيد ، والأصمعي ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وابن السكيت ، والسجستاني ، وابن دريد ، وأبي بكر الأنباري ، وأبي علي الفارسي ، وابن جني ، وابن فارس ، والثعالبي ، والصاغَّاني ، والسيوطي ، وغير هؤلاء كثير في القديم والحديث

٣.٧ تعريف المتضاد واهتمام العلماء به وأسباب نشأته


أسباب نشأة الألفاظ المتضادة

يمكنني القول بأن أكثر عوامل نشوء المشترك تصلح أن تكون عوامل نشوء المتضادِّ.

العامل الأول
تداخل اللهجات مثل: الجون؛ بمعنى الأبيض والأسود؛ فمحال أن يكون العربي أوقعه عليهما بمساواةٍ منه بينهما، ولكن أحد المعنيين لحيٍّ من العرب، والمعنى الآخر لحيٍّ غيره، ثم سمع بعضهم لغة بعض فأخذ هؤلاء عن هؤلاء، وهؤلاء عن هؤلاء، وقد يكون معنى اللفظ عامًّا، ثم يخصص معناه عند قبيلةٍ معينة، ويسير هذا التخصيص في اتجاهٍ متضادٍّ عند قبيلةٍ أخرى.

العامل الثاني: التطور الصوتي
يظهر هذا في قول بني عقيل: نَمَقْتُ الكتاب أي: كتبته. وفي قول سائر قيس: نمقت الكتاب: أي: محوته. وإذا عرفنا أن ابن منظور يقول: نَمَقَ الكتاب يَنْمُقُهُ نَمْقًا: كَتَبَه؛ فإننا نُرَجِّحُ أن النون أبدلت لامًا في نطق بني عقيل؛ فالنون واللام من الأصوات المتوسطة في العربية -أي:

٣.٧ تعريف المتضاد واهتمام العلماء به وأسباب نشأته


من الأصوات المتوسطة بين الشدة والرخاوة- ويحدث الإبدال فيهما كثيرًا، وبذلك تَطَابَقَ الفعل مع نظيره بمعنى "محا"، فتولد التضاد، ومثال آخر يكشف هذا التطور الصوتي، هو "السُّدْفَةُ" وهي تدل على الضوء والظلمة معًا، ذكر الزمخشري أن السدفة في لغة قيس هي الضوء، وفي لغة بني تميم بمعنى الظلمة.

وذكر بعض اللغويين -وكذا الجوهري عن الأصمعي- أن السدفة -بضم السين وفتحها- في لغة نجد: الظلمة، وفي لغة غيرهم: الضوء، وفي لغة هوازن: أسدف أي: أسرج، من السراج، كما أرجع السجستاني "السدفة" بمعنى الضياء إلى أهل مكة، وقيل: السدفة: ظلمة فيها ضوء من أول الليل وآخره ما بين الظلمة إلى الشفق، وما بين الفجر إلى الصلاة، وقد استحسن الأزهري هذا القول.

ولكن بدا لي رأي آخر حين وجدت علماء موثوقًا فيهم يرون أن السدفة والشدفة يدلان على الظلمة؛ فها هو أبو عبيدة والفراء يريان ترادف أسدف بالسين وأشدف بالشين بمعنى: أظلم، بل يضيف أبو عبيدة إليهما -أيضًا- أزدف بالزاي، ويرى الفراء ترادف "السُّدَفِ والشُّدَفِ" بمعنى الظلمة أيضًا، وكذا "السدفة والشدفة" وقال بهذا أيضًا اللحياني.والذي يرجع إلى مادة الشين والدال والفاء يجدها تسجل هذه الألفاظ بمعنى الظلمة فقط، ثم رأيت ابن سيده يحسم الأمر؛ حين نقل عنه ابن منظور قوله: والسين المهملة لغة عن يعقوب:




٣.٧ تعريف المتضاد واهتمام العلماء به وأسباب نشأته


إن إبدال الشين في الشُّدْفَة أو الشَّدَفة بمعنى الظلمة؛ إن إبدال الشين في هذا اللفظ سينًا جعل للسدفة بالسين المهملة هذا التعدد المعنوي؛ فتحملت الظلمة بجانب الضوء أو اختلاط الظلام به، ويبدو أن هذا الإبدال حدث عند التميميِّين أو أهل نجد، ولذلك فإن بقية العرب -كما يبدو من كلام الأصمعي السالف الذكر- ترى السدفة ضوءًا.

العامل الثالث: العوارض التصريفية
وأعني بها تلك الصيغ الصرفية التي تحتمل معنيين؛ كصيغة "فعول" تأتي بمعنى "فاعل" وبمعنى "مفعول" وكذلك الأمر؛ صيغتا "فعيل وفاعل" وكذا عندما يُشْتَق اسم الفاعل والمفعول من "افتعل" الأجوف أو المضعف كـ"مختار" و"مرْتد" وقد ورد في شعر "حميد" ألفاظ من هذا القبيل، من ذلك لفظ "رَكُوب" وأيضًا لفظ "ناحض"؛ أما اللفظ الأول -وهو ركوب- فإنما يدل على الراكب والمركوب معًا .

العامل الرابع : الاستعمال المجازي
كإطلاق كلمة "أمَّةٍ" على الجماعة والفرد، وأيضًا إطلاق "الكأس" على الظرف والمظروف، تلك هي أهم العوامل أو الأسباب التي تؤدي إلى نشوء اللفظ المتضاد. إن اللفظ المتضاد لا يؤدي إلى الإبهام واللبس -كما يرى بعض العلماء- لأن سياق الكلام كفيلٌ ببيان المعنى المراد، وإن في اشتمال العربية على قدرٍ من الألفاظ المتضادة لدليلًا على سعتها في التعبير وثرائِها ونموِّها.

٣.٧ تعريف المتضاد واهتمام العلماء به وأسباب نشأته



٣.٧ تعريف المتضاد واهتمام العلماء به وأسباب نشأته



٣.٧ تعريف المتضاد واهتمام العلماء به وأسباب نشأته



٣.٧ تعريف المتضاد واهتمام العلماء به وأسباب نشأته