٤.٦ اهتمام العلماء بالإبدال ، وآراء القدماء فيه


لقد اهتم العلماء بالإبدال اللغوي قديمًا وحديثًا.
ففي القديم: عني به الأصمعي ، وابن السكيت في كتابه (القلب والإبدال) ، وعبد الرحمن الزجاجي في كتابه (الإبدال والمعاقبة والنظائر) ، وأبو الطيب اللغوي )الإبدال) ، وابن جني في كتابه (تعاقب العربية)، وتناوله في (خصائصه) في أكثر من موضع، كما تناوله ابن سيده المتوفى في (مخصصه) ، وعني به السيوطي في (المزهر) وغير هؤلاء العلماء كثير.
وقد اهتم العلماء المحدثون بهذه الظاهرة الإبدالية أيضًا: فقد عني به أحمد فارس الشدياق في كتابه (سر الليال في القلب والإبدال) كما عني به معظم من تعرضوا لمباحث فقه اللغة، مثل: عبد الله أمين في كتابه (الاشتقاق) وعبد الله العليلي في كتابه (مقدمة لدرس لغة العرب) وجورجي زيدان في كتابه (الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية) والدكتور إبراهيم أنيس، والدكتور صبحي الصالح، والدكتور عبد الواحد وافي، وغير هؤلاء العلماء كثير.
لقد اختلفت آراء العلماء القدماء في نشأة الإبدال اللغوي على النحو الآتي:
أولًا: قيل: إن الإبدال سنة من سنن العربية، قال ابن فارس في (الصاحبي): من سنن العرب إبدال الحروف، وإقامة بعضها مقام بعض، ويقولون: مدحه ومدهه، وفرس رِفْل ورفن، أي: سابغ الذيل، وهو كثير مشهور قد ألّف فيه العلماء.

٤.٦ اهتمام العلماء بالإبدال ، وآراء القدماء فيه


فأما ما جاء في كتاب الله -جل ثناؤه- فقوله -جل ثناؤه- : ((فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)) (الشعراء : ٦٣) فاللام والراء يتعاقبان كما تقول العرب: فلْق الصبح وفرْقه، انتهى كلام ابن فارس.
ثانيًا: قيل: إن الإبدال أثر من آثار اختلاف اللهجات، قال أبو الطيب اللغوي: ليس المراد بالإبدال أن العرب تتعمد تعويض حرف من حرف، وإنما هي لغات مختلفة لمعانٍ متفقة تتقارب اللفظتان في لغتين لمعنًى واحد؛ حتى لا يختلفا إلا في حرف واحد، قال: الدليل على ذلك: أن قبيلةً واحدةً لا تتكلم بكلمتين طورًا مهموزة وطورًا غير مهموزةٍ، ولا بالصاد مرة وبالسين أخرى، وكذلك إبدال لام التعريف ميمًا والهمزة المصدرة عينًا كقولهم في: أن: عن، لا تشترك العرب في شيء من ذلك، إنما يقول هذا قوم وذاك آخرون.
وقال البطليوسي في (شرح الفصيح): ليس الألف في الأرقان ونحوه مبدلة من الياء، ولكنهما لغتان، ومما يدل على أن هذه الأحرف لغات ما روه اللحياني، قال: قلت لأعرابي: أتقول مثل حنك الغراب أو مثل حلكه؟ فقال: لا أقول مثل حلكه. حكاه القالي.
وقال ابن خالويه في (شرح الفصيح): أخبرنا ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: اختلف رجلان في الصقر، فقال أحدهما: بالسين، وقال الآخر بالصاد، فتحاكما إلى أعرابي ثالث، فقال: أما أنا فأقول الزقر بالزاي، قال ابن خالويه فدل على أنها ثلاث لغات.

٤.٦ اهتمام العلماء بالإبدال ، وآراء القدماء فيه


وفي (شرح التسهيل) لأبي حيان: قال أبو حاتم: قلت لأم الهيثم: هل تبدل العرب من الجيم ياء في شيء من الكلام؟ قالت: نعم، ثم أنشدتني:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى          فأبعدكن الله من شيراتي
أرادت من شجراتي، فهذا إبدال الجيم ياء عند بعض العرب، كما أن منهم من يفعل العكس، أي: يبدل الياء جيمًا في مثل:
        خالي عويف وأبو علج
        المطعمان اللحم بالعشج
أراد أبو علي، والعشي .
وإذا كان الإبدال مظهرًا لهجيًا يخضع لعادات القبيلة النطقية، وإذا كانت هذه العادات النطقية تتأثر -إلى حد كبير- بحياتهم وبيئتهم فإننا نستطيع أن نقول: إن القبيلة ذات البيئة الخشنة تعمد إلى الصوت الرقيق، فتستبدل به صوتًا خشنًا يحتاج في نطقه إلى بذل جهد عضلي، وإن القبيلة المتحضرة ذات الحياة الناعمة تعمد إلى الأصوات الخشنة، فتستبدل بها ما لا يحتاج إلى جهد عضلي، فقبيلة تقلب الحاء -وهو صوت مهموس- إلى صوت مجهور، فتقول "عتى" في "حتى"، ولهجة الحجاز لم تكن تعرف الهمزة المحقة، بل المسهلة، والذين كانوا يعرفونها اتسمت حياتهم بالبداوة والخشونة، وهم بنو تميم لمناسبتها لحياتهم.

٤.٦ اهتمام العلماء بالإبدال ، وآراء القدماء فيه


ثالثًا: هنالك فريق ثالث يبين ما هو إبدال، وما هو اختلاف اللهجات، ويعتمدون على موضوع الأصالة والفرعية القائم على تصرف الكلمة واستعمالاتها.
وقد وضح ذلك ابن جني حين قال: فمتى أمكن أن يكون الحرفان جميعًا أصلين كل واحد منهما قائم برأسه لم يسغ العدول عن الحكم بذلك، فإن دل دال أو دعت ضرورة إلى القول بإبدال أحدهما من صاحبه عمل بموجب الدلالة، وصير إلى مقتضى الصنعة، وقال: ومن ذلك قولهم: هتلت السماء وهتنت، هما أصلان، ألا تراهما متساويين في التصرف، يقولون: هتنت السماء تهتن تهتانا، وهتلت السماء تهتل تهتالًا، وهي سحائب هتن وهتل، والمعنى: هطلت وتتابع مطرها.
إذن: للقدماء ثلاثة آراء تجاه الإبدال:
الأول: يقول بأن الإبدال سنة من سنن العربية.
والثاني: يقول بأنه أثر من آثار اختلاف اللهجات.
والثالث: يفرق بين ما هو من قبيل الإبدال، وما هو من قبيل اختلاف اللهجات ويعتمدون في ذلك على موضوع الأصالة والفرعية القائم على تصرف الكلمة واستعمالاتها.

٤.٦ اهتمام العلماء بالإبدال ، وآراء القدماء فيه


وإذا كان لي من تعقيب على هذه الآراء الثلاثة، فإني لا أستطيع أن أؤيد الرأي القائل بأن سبب الإبدال اختلاف اللهجات فقط، فإذا أمكننا أن نفسر تحول اللام في "خامل الذكر" إلى النون في "خامن الذكر" بأن هذا تطور صوتي للعلاقة القوية بين اللام والنون؛ من حيث المخرج والصفة، فلن أجد تفسيرًا لهذا الإبدال بين الفاء والكاف، الذي قال به ابن السكيت مثلًا في حسكل أو حسكل بفتح الحاء وكسرها، وحسفل، والحسفل الرديء من كل شيء أو الصغير من الصبيان، كما يطلق على واسع البطن الذي لا يشبع، فكيف تطورت إحدى الكلمتين عن الأخرى؟.
كما أنني لا أستطيع أن أؤيد الرأي الذي يعتمد فقط على الأصالة والفرعية، بناءً على التصرف والاستعمال، وذلك لأن تاريخ الكلمة العربية لمّا يدرس بعد دراسة كاملة، وهناك من الاحتمالات ما يجعل الحكم بالأصالة والفرعية غير صحيح، فقد تكون الكلمة متصرفة تصرفًا كاملًا، ولكن أميتت وتنوسيت بعض تصرفاتها، كما أنه قد يجوز أن يهمل الأصل ويشيع الفرع لأمر ما.