١.٥ معنى التعريب ، واهتمام العلماء به


لكي نعرفَ التعريبَ أحب -أولًا- أن أفرق بين ما يسمى بالمعرب والدخيل. لقد فرَّق المجمع اللغوي القاهري بين المصطلحينِ؛ فقصر المعرب على اللفظ الأجنبي الذي غيره العرب بالنقص، أو الزيادة، أو القلب، وقصر الدخيل على اللفظ الأجنبي الذي دخل العربية دون تغيير كالأكسجين، والتليفون.
وعلى الرغم من قِدَمِ هذين المصطلحين اللذين وُجِدَا مع بداية التصنيف المعجمي فإننا لا نلمح التفريق بينهما عند جمهرة علماء العربية، بل إن بعض العلماء أطلقهما معًا على بعض الكلمات الأعجمية -كما فعل الأزهري في (تهذيب اللغة)- وكما ذكر السيوطي أن المعرب يطلق عليه دخيل.
وإذا كان اللفظ الأعجمي أطلق ليحل محل المصطلحين -أعني: المعرب والدخيل- لعموميته، فإن لفظ دخيل أُطلق -أيضًا- ليشمل ما دخل إلى العربية من غيرها؛ سواء كان في عصر الاستشهاد أو بعده، وما غير، وما لم يغير، كما صَنَعَ شِهَابُ الدِّين الخفاجي المُتَوَفَّى سنة تسع وستين بعد الألف من الهجرة في كتابه (شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل ) .
كما أن بعض العلماء أخرج من الدخيل ما كان ساميًّا.

١.٥ معنى التعريب ، واهتمام العلماء به


وعرف شهاب الدين الخفاجي التعريب بأنه نقل اللفظ من العجمية إلى العربية؛ حيث يقول -ما نصه-: اعلم أن التعريب نقل اللفظ من العجمية إلى العربية، والمشهور فيه "التعريب" وسماه سيبويه وغيره: إعرابًا وهو إمام العربية، فيقال حينئذ: معرَّب ومعرَب.
وعرفه السيوطي فقال: المعرب هو ما استعمله العرب من الألفاظ الموضوعة لمعان في غير لغتها.
وهذان التعريفان وغيرهما لا يفرقان بين شقي الظاهرة -أعني: ما غيّر، وما لم يُغيَّر- ومع ذلك نعلم من القدماء من يقصر المعرب على ما دخل العربية وغيَّره العرب مثل: الزمخشري المتوفى سنة خمسمائة وثلاث وثمانين من الهجرة، فقد عرَّف "التعريب" بقوله: أنْ يجعل اللفظ عربيًّا بالتصرف فيه، وتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب.
لقد اهتم العلماء بالكلمات الأعجمية الواقعة في العربية؛ فبعضهم أفردها بالتصنيف والتأليف، من أمثال أبي منصور الجوالقي المتوفى سنة خمسمائة وأربعين من الهجرة، فقد أفرد الظاهرة في كتاب مستقل سماه (المعرَّب من الكلام الأعجمي) واهتم بها أيضًا عبد الله بن محمد البشبيشي المتوفى سنة ثمانمائة وعشرين من الهجرة، أفرد الظاهرة في كتاب مستقل أيضًا سماه (التذييل والتكميل لما استعمل من اللفظ الدخيل) وكذا صنع أحمد بن كمال باشا التركي المتوفى سنة تسعمائة وأربعين من الهجرة في رسالته التي سماها (تحقيق تعريب الكلمة الأعجمية) وكذا صنع شهاب الدين الخفاجي المصري في كتابه )شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل) .

١.٥ معنى التعريب ، واهتمام العلماء به


وبعض العلماء عالج الظاهرة أو تناولها في ثنايا كتبهم الجامعة، ومن أبرز الكتب -أعني: كتب اللغة التي عالجت الأعجمي بصفة عامة- (الكتاب) لسيبويه المتوفى سنة مائة وثمانين من الهجرة.
ومن أبرز كتب اللغة -أيضًا- التي عالجت الأعجمية بصفة عامة (الغريب المصنف) لأبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة مائتين وأربع وعشرين من الهجرة.
ومن الكتب أيضًا (أدب الكاتب) لابن قتيبة المتوفى سنة مائتين وست وسبعين من الهجرة، وأيضا (فقه اللغة) للثعالبي المتوفى سنة أربعمائة وثلاثين من الهجرة؛ حيث عقد الباب التاسع والعشرين في ما يجري مجرى الموازنة بين العربية والفارسية .
وكذا صنع ابن سيده في "المخصص" بعنوان "ما عُرِّبَ من الأسماء الأعجمية" وآخر عنوانه "إِطْرَاد الإبدال في الفارسية".
وكذا صنع السيوطي في (المزهر) وهو من علماء القرن العاشر، وهو متوفى سنة تسعمائة وإحدى عشرة؛ حيث عقد النوع التاسع عشر لمعرفة المعرب.

١.٥ معنى التعريب ، واهتمام العلماء به


أما المحدثون فقد اهتموا بهذه الظاهرة أيضًا؛ سواء كانوا عربًا أو مستشرقين، وتمثلت عنايتهم بهذه الظاهرة في إعداد معاجم صغيرة، وفي دراسات لغوية مستقلة، أو في مجلات علمية، ومن أبرز الكتب المعجمية التي تخصصت في هذه الظاهرة (الألفاظ الفارسية المعربة) للمطران الديشير الكلداني وأيضًا (تفسير الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية) للقس طوبيا العنيسي، ومن الدراسات التي عُنيت بهذه الظاهرة دراسة جاءت على هيئة رسالة للدكتوراة في كلية اللغة العربية بالقاهرة في قسم أصول اللغة بعنوان "المعرب والدخيل في اللغة العربية مع تحقيق الألفاظ الواردة في كتاب (المعرب)للجوالقي".
كما أعد دراسة تشبه الرسالة السابقة الدكتور مسعود بوبو بعنوان "أثر الدخيل على العربية الفصحى في عصر الاحتجاج" وهو من منشورات وزارة الثقافة في دمشق، سنة ألف وتسعمائة واثنتين وثمانين، وقد ذكر في مقدمة الكتاب بعض الأعمال المعجمية الاستشراقية التي عُنيت بقضية التبادل اللغوي للألفاظ بين العربية وبعض اللغات.